سر القلادة البنفسجية - الفصل الأول : ظل البنفسج - بقلم هديل بن عياد - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: سر القلادة البنفسجية
المؤلف / الكاتب: هديل بن عياد
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الأول : ظل البنفسج

الفصل الأول : ظل البنفسج

لم تكن السماء في تلك الليلة تشبه أي سماء عرفتها من قبل. الغيوم الكثيفة كانت متراكمة كطبقات من الصمت الثقيل، تحجب كل أثر للضوء، وتجعل الظلام يبدو أعمق من المعتاد. الرياح كانت تمرّ بين الأشجار اليابسة بصوت طويل وممتد، يشبه أنينًا خافتًا يخرج من قلب الأرض نفسها. الطريق الترابي الذي يؤدي إلى المنزل القديم بدا وكأنه امتداد لهذا الصمت، خاليًا من أي أثر للحياة، وكأنه ينتظر شيئًا ما منذ زمن بعيد. عند نهاية ذلك الطريق، كان المنزل واقفًا بصمته المعتاد، جدرانه المتشققة ونوافذه المغلقة تعكس سنوات من الإهمال. لم يكن مجرد بناء مهجور، بل كان يحمل في داخله تاريخًا طويلًا من الذكريات، بعضها دافئ، وبعضها الآخر ثقيل وغامض. أمام الباب الخشبي القديم، توقفت ليان، تحدق في التفاصيل التي لم تتغير رغم مرور الوقت، وكأن الزمن توقف هنا ولم يجرؤ على التقدم خطوة واحدة. كان في داخلها شعور متناقض؛ جزء منها يريد العودة فورًا، والابتعاد عن هذا المكان الذي يثير القلق، وجزء آخر أقوى يدفعها إلى الأمام، نحو الباب، نحو الداخل، نحو شيء غير مفهوم. لم يكن فضولًا عاديًا، بل كان أشبه بنداء صامت يتكرر في أعماقها، نداء لا يحمل كلمات واضحة، لكنه يفرض حضوره بقوة. أخرجت المفتاح القديم ببطء، شعرت ببرودته في يدها، وكأنه يحمل أثر السنوات التي مرّت عليه. عندما أدخلته في القفل، بدا الصوت الناتج عن تحريكه غريبًا في هذا السكون، وكأنه إعلان عن بداية شيء لم يكن يجب أن يبدأ. انفتح الباب بصوت طويل، صوت احتكاك الخشب الجاف، صوت يحمل في داخله بقايا زمن قديم. داخل المنزل، كان الهواء مختلفًا. أثقل، أبطأ، محمّل برائحة الغبار والخشب القديم. كل شيء بدا ساكنًا بشكل غير طبيعي، وكأن المكان لا يعيش بل ينتظر. الأثاث في أماكنه، الصور معلقة على الجدران، الستائر متيبسة وكأنها لم تتحرك منذ سنوات. ومع ذلك، لم يكن الإحساس بالفراغ كاملًا، بل كان هناك حضور خفي، شعور غير مرئي بأن المكان ليس خاليًا كما يبدو. تقدمت بخطوات حذرة، كل حركة تصدر صدى خفيفًا في أرجاء المنزل. الأرضية الخشبية أصدرت أصواتًا متقطعة، وكأنها تشتكي من عودة الخطوات بعد صمت طويل. توقفت أمام صورة قديمة معلقة على الجدار، صورة تحمل ملامح مألوفة، ابتسامة ثابتة، نظرة هادئة. ومع ذلك، لم تكن تلك الابتسامة مريحة كما كانت في السابق، بل بدت وكأنها تخفي شيئًا، شيئًا لا يمكن تفسيره بسهولة. الهدوء لم يدم طويلًا. صوت خفيف كسر الصمت فجأة، صوت قصير لكنه واضح، قادم من الطابق العلوي. التوتر انتشر بسرعة في جسدها، ومعه إحساس ببرودة مفاجئة. لم يكن الصوت عشوائيًا، بل كان محددًا، وكأنه نتيجة حركة مقصودة. الطريق نحو السلم بدا أطول مما كان عليه في الذاكرة. كل درجة تصدر صريرًا واضحًا، يزيد من ثقل اللحظة. عند الوصول إلى الطابق العلوي، كان الظلام أكثر كثافة، والهواء أبرد. الممر الضيق بدا مختلفًا، وكأنه فقد جزءًا من شكله المعتاد. الأبواب على الجانبين كانت مغلقة، وبعضها مفتوح قليلًا. الغرف التي تم فتحها لم تحمل شيئًا غير الغبار والصمت. كل شيء فيها بدا عاديًا بشكل مريب، وكأن الغموض لا يكمن في هذه الأماكن، بل في مكان آخر. الباب الأخير كان مختلفًا. مغلق بإحكام، سطحه يحمل خدوشًا قديمة، وكأنه استُخدم كثيرًا ثم تُرك فجأة. الوقوف أمامه خلق إحساسًا غريبًا، مزيجًا من الخوف والانجذاب. اليد التي امتدت نحو المقبض شعرت ببرودة غير طبيعية، برودة لا تتناسب مع الجو العام. عند فتح الباب، كان الصوت الناتج حادًا، وكأنه يخترق الصمت بدلًا من أن يندمج فيه. داخل الغرفة، كان الفراغ هو العنصر الأساسي. لا أثاث تقريبًا، لا تفاصيل كثيرة، فقط طاولة صغيرة في المنتصف، وعليها صندوق خشبي قديم. كل شيء في تلك اللحظة بدا وكأنه يدفع نحو الصندوق. لم يكن مجرد غرض عادي، بل كان مركزًا للانتباه، نقطة تجمع لكل ذلك الغموض المنتشر في المكان. الاقتراب منه كان بطيئًا، محسوبًا، وكأن أي حركة خاطئة قد تؤدي إلى شيء غير متوقع. عند فتح الصندوق، ظهر الشيء الذي سيغيّر كل شيء. قلادة بنفسجية. لم تكن مجرد قطعة زينة. لونها كان عميقًا، غريبًا، أقرب إلى لون لا يُرى عادة في الأشياء العادية. الحجر في وسطها لم يكن ثابتًا، بل بدا وكأنه ينبض بنور خافت، نور لا يضيء المكان، لكنه يفرض وجوده. اللحظة التي لامست فيها القلادة لم تكن عادية. إحساس غريب مرّ عبر الجسد، ليس ألمًا، لكنه ليس راحة أيضًا. شيء بين الاثنين، شيء يشبه الاتصال المفاجئ بشيء غير معروف. الهواء في الغرفة تغير. أصبح أبرد، أثقل، وكأن المساحة نفسها بدأت تنكمش. الضوء الخافت للقلادة ازداد تدريجيًا، حتى أصبح واضحًا في الظلام المتزايد. الظلال على الجدران لم تعد ثابتة. بدأت تتحرك ببطء، بشكل غير منتظم، وكأنها لا تتبع مصدر ضوء طبيعي. ومع هذا التغير، ظهر ذلك الإحساس القوي بأن هناك شيئًا آخر في الغرفة. وجود غير مرئي، لكنه محسوس. الزاوية البعيدة من الغرفة لم تعد مظلمة فقط، بل بدت وكأنها تحتوي على شيء. شكل غير واضح، حدود غير مستقرة، لكنه موجود. لم يكن خيالًا بسيطًا، بل كان حضورًا يفرض نفسه على الإدراك. الحركة كانت بطيئة، لكنها واضحة. اقتراب تدريجي، لا يحمل صوتًا، لكنه يخلق ضغطًا نفسيًا متزايدًا. اللحظة كانت ممتدة، وكأن الزمن نفسه تباطأ ليجعل كل تفصيلة أكثر وضوحًا. ثم، فجأة، اختفى كل شيء. الضوء عاد إلى حالته الطبيعية، الظلال توقفت عن الحركة، والهواء فقد ذلك الثقل المفاجئ. الغرفة عادت كما كانت، لكن الإحساس لم يختفِ. القلادة بقيت في اليد. لكنها لم تعد مجرد قطعة. كانت بداية. النزول من الطابق العلوي لم يكن مريحًا. كل خطوة كانت مصحوبة بشعور بأن شيئًا ما يتبع، ليس بشكل مباشر، لكن كإحساس مستمر لا يمكن تجاهله. الوصول إلى الباب والخروج من المنزل لم ينهِ هذا الشعور، بل نقله فقط إلى الخارج. الهواء في الخارج كان مختلفًا، لكنه لم يكن كافيًا لإزالة ما بدأ في الداخل. المسافة بين المنزل والطريق لم تكن طويلة، لكن الإحساس بالمراقبة كان حاضرًا طوال الوقت. لم يكن هناك دليل واضح، لا صوت، لا حركة، لكن الشعور كان قويًا بما يكفي ليجعل العودة إلى الوراء خيارًا غير وارد. المنزل بقي في الخلف، صامتًا كما كان. لكن الصمت هذه المرة لم يكن فارغًا. بل كان ممتلئًا بشيء بدأ للتو. والقلادة… لم تكن نهاية ما حدث. بل كانت البداية فقط.