وفاء في ظل غياب
الفصل الثامن
ثمانية أشهر مرت منذ عودة الأبناء، ثمانية أشهر حُفرت في روح مروى كالندوب الصامتة، ثمانية أشهر من الصراع مع الغياب النفسي، محاولات الطرد من القصر الملكي، الإهانات، الضرب، وكل ما يمكن أن يحطم قلبًا ناعمًا، لكنها صمدت، صمدت بصرامة تتجاوز عمرها، صمتها أصبح سلاحها، قلبها مرآة لكل ألم عاشته،
ثم جاء اليوم الذي انهار فيه الأب الملك تحت وطأة مرض مميت، مرض يلتهم جسده كما لو أن الزمن نفسه يقرر نهايته. توقع الجميع أن يكون هذا اليوم فوضويًا، أن يظهر الأبناء كما يظهرون دومًا، و لكن قرروا أن يهربوا إلى بيوت أخرى، أن يتركوه وحيدًا كما تركوه طوال حياتهم، وكانت النتيجة كما توقعت: الهرب الجماعي، البيوت الفارغة، الصمت الذي يصرخ في أرجاء القصر.
لكن مروى، ابنته المتبناة، لم تتركه، جلست إلى جانبه، تخدمه، تطعمه، تساعده على كل صغيرة وكبيرة، تحملت كل شيء، كل آلام الماضي، كل خيبات الأمل، كل الصدمات التي تركها أبناء الملك خلفهم. كانت تعلم أن هذا الرجل، رغم مرضه، أفضل من أبيها الذي تخلّى عنها يومًا، وأنه ليس له من يعينه إلا قلبها الذي رفض الهروب.
خلال تلك الثمانية أشهر، انهارت مروى، بعدد عدد شعرات رأسها ، حتي دخلت في حاله اكتئاب حاد، أعماقها صارت أكثر كئابه من أي وقت مضى، كأن الملجأ وكل ما عاشته فيه عاد إليها مضاعفًا، لكن رغم كل هذا، قررت أن تبقى، أن تخدمه، أن تمنحه الحياة رغم قسوة الماضي، لأنها عرفت أنه ليس له ذنب فيما جري من ابنائه و عرفت أن التضحية، أحيانًا، هي اللغة الوحيدة التي يفهمها القلب المكسور.