حين يبكي الثراء
الفصل الاول
في تلك الغرفة المرصعه بالذهب والماس، حيث يلمع كل شيء حدّ العمى، كانت "مروى" تبدو كظلٍّ غريبٍ لا ينتمي إلى هذا البريق. جلست على السرير الذهبي، كأنها قطعة زائدة في لوحة مكتملة، وانهمرت دموعها بصمتٍ ثقيل، كأنها تخشى أن توقظ الماضي إن بكت بصوتٍ مسموع.
لم يكن الثراء قادرًا على إخفاء ذلك الصدع القديم في روحها… الصدع الذي وُلد معها، أو ربما وُلدت هي فيه.
أغمضت عينيها، فعاد الزمن إليها لا كذكرى، بل كجرحٍ يُعاد فتحه.
رأت نفسها طفلةً في عامها الثاني، لا تفهم معنى الموت، لكنها شعرت ببرودة غياب أمها وهي تُنتزع من حضنٍ لم يكتمل. ثم، و بعد سته اشهر وكأن القدر لم يكتفِ، تلاشى والدها هو الآخر… لا بالموت، بل بشيءٍ أكثر قسوة: الاختفاء.
تذكّرت ذلك اليوم.
الشارع كان واسعًا أكثر مما ينبغي لطفلة، والسماء بعيدة، بعيدة لدرجة أنها لم تستطع أن تسألها: لماذا؟
يدٌ صغيرة تُترك فجأة، خطواتٌ تتراجع، ثم لا شيء…
ركض؟ صرخ؟ ندم؟
لا تعلم.
كل ما بقي هو ظهرٌ يبتعد… ثم يختفي، كأنه لم يكن يومًا.
جلست هناك… يومًا… ثم يومين.
الجوع كان ينهشها ببطء، والخوف يلتف حولها كليلٍ لا ينتهي.
كانت تبكي، لا طلبًا للنجاة، بل لأنها لا تعرف ماذا يفعل الأطفال حين يُتركون وحدهم في العالم.
إلى أن جاءت… تلك المرأة.
لم تكن ملاكًا، لكنها بدت كذلك في عيني طفلةٍ على حافة الانكسار.
يدٌ دافئة امتدت نحوها، صوتٌ منخفض قال شيئًا لم تفهمه، لكنها فهمت معناه: "لن تكوني وحدك بعد الآن."
أخذتها إلى ملجأ "نور الحياة"… اسمٌ بدا ساخرًا في البداية، ثم صار لاحقًا الشيء الوحيد الذي يشبه الحقيقة.
هناك، بين جدرانٍ باردة ووجوهٍ تشبهها، تعلّمت مروى كيف يعيش الأيتام دون أن يسألوا كثيرًا.
وكانت "صفاء"… مديرة الملجأ… امرأة لا تُفهم بسهولة.
قلبها حنون، نعم، لكن حنانها كان يشبه القوانين: قاسٍ، صارم، لا يسمح بالانهيار.
كانت تحبهم… بطريقتها.
وتؤلمهم… بالطريقة نفسها.
فتحت مروى عينيها فجأة.
الغرفة ما زالت تلمع… السرير ما زال ذهبيًا…
لكن الطفلة التي تُركت في الشارع… لم تغادرها يومًا.