الفصل 6
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
↓
ابتعد قليلاً عن صخبِ الموقدِ وضجيجِ الحياةِ داخل الكوخ، وارتمى في أحضانِ الغابةِ التي تزدادُ عتمةً وسكوناً. أسندَ ظهرَهُ المتعبَ إلى جذعِ شجرةٍ عتيقة، ورفعَ وجهَهُ نحو السماءِ التي بدأت تخلعُ ثوبَ النهار، وانفجرَ بـ نحيبٍ صامتٍ لم تستطع السنونُ كبته.
امتلأت عيناهُ بـ الدموع وهو يناجي طيفَ حبيبتهِ الراحلة، وكأنَّ روحَها ترفرفُ في نسماتِ الهواءِ البارد:
—إلوريان.. يا نبضَ قلبي الذي دُفنَ تحتَ التراب.. هل ترينَ من عليائكِ ما آلتْ إليهِ ثمارُ حبنا؟ لقد كبرتا يا حبيبتي، وصارتا شابتينِ يفوحُ منهما عبيرُ جمالكِ الطاغي..... هما أنتِ يا إلوريان، في كلِّ التفاتةٍ، وفي كلِّ همسة، وفي كلِّ ضحكةٍ تكسرُ صمتَ هذا الكوخِ البائس.
جثا على ركبتيهِ وهو يلمسُ الأرضَ بـ كفيهِ المرتجفتين، واسترسلَ بـ حزن:
—أشتاقُ إليكِ حدَّ الوجع.. أشتاقُ لـ لمسةِ يدكِ التي كانت تحيلُ طيني البشريَّ إلى ذهبٍ خالص. الأمورُ بدأت تصعبُ عليَّ يا ملاكي؛ فـ الأسئلةُ في عيونهما تكادُ تخرقُ صدري، وهما تبحثانِ عنكِ في كلِّ ركن. كيفَ أخبرُهما أنَّ أمهما كانت ملكةً تمردتْ على الخلودِ لـ أجلِ رجلٍ فانٍ مثلي؟ كيفَ أحميهما من قدرٍ يتربصُ بنا خلفَ هذهِ الأشجار؟
بكى بحرقةٍ وهو يهمسُ لـ طيفِها:
—أنا عاجزٌ دونَ سحركِ، وضعيفٌ دونَ قوتكِ. اشتقتُ لـ عينيكِ اللتينِ كانتا موطني، ولـ صوتكِ الذي كان ينسيني غدرَ الزمان. ابنتانا هما كلُّ ما تبقى لي منكِ، لكنني أخشى أنَّ هذا الجمالَ الذي ورثتاهُ عنكِ سيكونُ هو القيدَ الذي سـ يسحبهما نحو الأزلِ بعيداً عن أحضاني.
مسحَ دموعَهُ بطرفِ ردائهِ، وبقيَ ساكناً يستنشقُ عطرَ الغابة، وكأنهُ ينتظرُ منها جواباً أو لمسةً من روحِها التي لم تغادرْ خيالَهُ لحظةً واحدة.
—يـا مَلِيكةَ قلبي التي تَمردتْ على عرشِ الأزلِ لـِ تَسكنَ في خَرابةِ صَدري، أُقسمُ بـِ لوعةِ الشوقِ التي تَنخرُ عِظامي كلَّ مَساء، أنكِ كنتِ وما زلتِ أجملَ مَصيبةٍ حلتْ بـِ عُمري، وأروعَ مَعجزةٍ أبصرتْها عينايَ منذُ خُلقتُ من طِين. لقد وَهبتِني من نُوركِ قَبستينِ هما بَصري ونوري.
لن يَنطفئَ ذِكرُكِ في خَلدي، ولن يبردَ لَهيبُ عِشقكِ في دَمي ولو مَرَّتْ دُهورُ العَتمة. أنتِ الجنةُ التي اضعتُ طَريقَها، والملاذُ الذي سـأقضي بَقيةَ شتاتي أبحثُ عن رِيحِهِ في وَجهِ ابنتينا. أحبُّكِ بـِ قُوةِ الفَناء، وبـِ عظمةِ الوفاءِ الذي لا يَعرفُ الغُفران، وبـِ صِدقِ الرَّجُلِ الذي وَجدَ فيكِ كونَهُ بـِ أَكمله.