الفصل 2
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
↓
بمرور سنتين.
في تلك الحُجرة التي تفوح برائحة المسك العتيق وبقايا عشق محرم، كانت تتلوى فوق فراشها كأنها قطعة من جمر مستعر. لم يكن مخاضها سهلا، كان صراعا علويا يمزق أحشاء الخلود. كان جاثما عند رأسها، يلف أصابعه الخشنة حول يديها المرمرية، ويمتص صرخاتها بـ قبلات لاهثة يطبعها فوق جبينها المشتعل.
تذكرت في تلك اللحظة سكرات حبهما؛ كيف كانت ترتمي في أحضانه بجوع شيطاني. ، تذوب في صدره حتى يتوحد النبض، ويغدو الفناء في ذراعيه أشهى من عرش الأزل. كانت لحظات تلاحمهما في ليالي العشق الغابرة هي الصاعقة التي ولدت هذا الانشطار.
وفجأة، اشتد الوجع وارتعش كيانها بالكامل. انحنى فوقها، ليلتصق صدره بصدرها في محاولة يائسة لسرقة ألمها، واختلطت أنفاسهما في قبلة وحشية، قبلة ذاقت فيها طعم الوداع والألم معا. ومع الصرخة المدوية التي شقت سكون الليل، انبثق نور أرجواني من جسدها، ليعلن قدوم توأميها.
في تلك الثانية، زحفت اللعنة لتستقر في قلبها ، وبدأت هالتها تذوي كما يذوب الشمع تحت لهب العشق .
.
.
.
كان الكوخُ يغرقُ في صمتٍ مريب، لا يقطعهُ سوى فحيحِ أنفاسِها التي أضحتْ كحممٍ باردة. كانت تتوسدُ ذراعَه، وجسدُها المرمرِيُّ يبدأُ بالتحولِ إلى شحوبِ الغسق. رفعَ رأسَها بين يديهِ المرتعشين، ونحيبهُ يمزقُ سكونَ الغرفة، ودموعهُ اللاهبةُ تتساقطُ فوقَ وجهِها كحباتِ مطرٍ فوقَ صخرٍ أصم.
—سامحيني.. همسَ بصوتٍ مخنوقٍ بالعبرات، أنا السيفُ الذي نحرَ خلودَكِ، أنا الطينُ الذي دنسَ طهرَ سلالتِكِ وجعلَكِ فريسةً لهذا الفناء. لولا عشقي اللعين، لكنتِ الآنَ ملكةً تتربعُ فوقَ عرشِ الأزل، لا جثةً تذوي بين يديَّ بشري بائس.
رفعتْ يدَها الواهنة، ولمستْ وجنتهُ المبللة، وانحبستْ في عينيها ياقوتةُ دمعٍ رفضتِ السقوط. هزتْ رأسَها بضعفٍ كأنها تطردُ اعتذارهُ من ملكوتِ صمتِها، وقالت بصوتٍ يشبهُ حفيفَ الأشجارِ المحترقة:
—لا تعتذرْ عن أجمل حياةٍ منحتَني إياها .. ليلةُ وصلِكَ كانتْ عندي أبهى من خلودٍ باردٍ لا نبضَ فيه. أنا التي اخترتُ أن أفنى في عطرِ جسدِكَ، فلا تلطخْ طهرَ حبنا بهذا الندم.
ثم أخرجتْ من صدرِها القلادتين، ووضعتْهُما في كفّهِ وهي تضغطُ عليها بآخرِ ما تبقى لها من عصب:
—استمعْ إليَّ جيداً..، فتاتينا ليستا بشريتينِ فحسب، بل هما بركانٌ من طاقةِ الأزلِ سكنَ أجسادَ الطين. لقد ورثتا عني جبروتَ الشياطين، وقوةً لا يدركُ كنهَها سوى ملوكِ الظلام. طوّقْ أعناقَهُما بهاتينِ القلادتينِ في الحال.. هما المصدُّ واللجام، الذي سيحميهما من عيونِ أبي ، ومن طغيانِ كل عدو.
انخرطَ في بكاءٍ مرير، وهو يرى نورَ عينيها يخبو، وهمسَ بلوعة:
—سأفعل.. سأحميهما بروحي، لكنْ كيفَ أحيا دونَ لمستِكِ؟ كيف لي أن أحيى وأربيهما دون وجودك.
بكتْ هي الأخرى، لا خوفاً من الموت، بل لوعةً لأنَّ قواها خارتْ تماماً، لدرجةِ أنها لم تعدْ تقوى على رفعِ رأسِها لتلثمَ ثغرَهُ قبلةً أخيرة، أو حتى لتلمسَ جبينَ طفلتيها الباكيتينِ في المهد.
"أحبُّكَ.." كانتْ هي الكلمةَ الأخيرةَ التي سقطتْ من شفتيها معَ زفرةِ الرحيل، بينما سقطتْ يدُها فوقَ صدرِهِ الهامد، لتعلنَ انطفاءَ أعظمِ شعلةٍ مرتْ على مملكةِ الأزلين.