فوضى بسبب العروس
جلس سعد في غرفة نومه، يحاول أن يجد مساحة للراحة بعد ليلة طويلة، لكنه لم يتوقع أن تجد آية طريقها إليه.
جلست آية على طرف السرير، عينان تلمعان بالدموع، صوتها يرتجف:
— لا… لن أنام معك الليلة… أريد عرسي! أريد أن أعزم أهلي!
تجمد سعد للحظة، ينظر إليها بدهشة:
— عرس؟ ماذا تقولين؟
رفعت رأسها وهي تبكي بحرقة:
— نعم… عرسي… لا يمكن أن يبدأ شيء بيننا قبل أن أحقق هذا… أريد أن يكون كل شيء على طريقتي!
تنهّد سعد ببطء، ثم قال وهو يحاول تهدئتها:
— حسنًا… إذا هذا ما تريدينه… سأوافق.
ابتسمت آية بخبث، ثم أغلقَت الباب خلفها، وهي تشعر بالانتصار الصغير الذي منحها حرية التصرف كما تحب.
في صباح اليوم التالي، ذهبت إلى مكتب سعد، حيث كان يعمل على بعض الملفات.
جلست أمامه، عينان لامعتان، وبدأت تصفف أوراقًا، تمسك أقلامها، وتبدأ برسم تصاميم فستان العرس الخاص بها، تصفحه بعناية، تُعدّل التفاصيل، بينما سعد يشاهدها بصمت، قلبه يرفرف بين الانبهار والدهشة.
جلست في حضنه فجأة، ووضعت الأوراق على ركبتيه، ثم همست:
— ماذا رأيك؟ سأجعله فستان أحلامي…
ابتسم سعد، لكنه لم يقل شيئًا، مجرد مراقبة صامتة، وهو يشعر بالحنان والدهشة في آن واحد.
في تلك اللحظة، دخلت نور الغرفة، توقفت مذهولة، عيناها تتسعان من المشهد، ثم غادرت مسرعة، محرجة من الموقف، تاركة الباب مفتوحًا وراءها.
التفتت آية إلى سعد بعينين مستفسرتين:
— من هي؟
قال سعد بهدوء:
— بنت عمي… جاءوا بسببك… وأيضًا، هي طبيبة نفسية… ستحاول أن تعالجك.
قاطعته آية بعناد:
— طبيبة؟ لا أريد… أنت قلت لي إنها شرطي!
ابتسم سعد بتعبير نصف مستهجن:
— نعم… شرطي… لكن ليس كل شيء كما تتصورين.
قامت آية فجأة، وذهبت عند نور، تحاول أن تخاصمها وتؤكد لها أنها وحدها المسؤولة عن الأمور، لكن سعد تدخل سريعًا، فصل بينهما وأخذ آية إلى غرفتها.
جلست آية بهدوء، بينما كان سعد يقف عند الباب، يراقبها بصمت.
بعد دقائق، شغّلت آية أغانيها المفضلة، بدأت ترقص بحرية، تتحرك في الغرفة كطفلة صغيرة، وصوت الضحك يملأ المكان.
سعد حاول أن يتحكم في نفسه، لكن لم يستطع منع ابتسامة خافتة، وهو يمسك بحذره على كل تصرفاتها.
ثم بدأت تلمّ بعض الملابس الصغيرة التي اشتراها لها، ووضعتها بجانبها، تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالدموع:
— قوم… خذني إلى أهلي!
تجمد سعد للحظة، مندهشًا من جرأتها، لكنه بقي صامتًا.
أصرت آية وهي تبكي بحرقة:
— خذني إلى أهلي…
تنهد سعد ببطء، اقترب منها وقال بصوت حازم لكن هادئ:
— لا… أنتِ الآن زوجتي… وسأبقى زوجك بعد العرس… ولن أسمح لكِ بالرحيل.
نظرت إليه آية بعينين ممتلئتين بالعاطفة، دموعها تتساقط، لكنها شعرت بالطمأنينة بين ذراعيه.
ابتسمت بخفة، وأومأت برأسها، وكأنها قبلت الأمر، لكن قلبها ما زال مليئًا بمزيج من الجنون والبراءة والحب
---
جلست آية أمام سعد في غرفة المعيشة، عيناهما تتبادلان نظرات مشحونة بالغضب والألم. كان الصمت ثقيلاً، كأنه جدار بين قلبين يحاولان فهم بعضهما. رفعت آية رأسها، وقالت بصوت مرتجف لكنه صارم:
– "سعد… لماذا تصر على العيش في الماضي؟! هل كل شيء في حياتك يجب أن يكون تحت ظل أبيك الشرير وظلال عدالته الزائفة؟"
سعد قبض يديه بقوة، وصوته اهتزّ بين الحزن والغضب:
– "آية… أنتِ لا تعرفين… لا تعرفين ما يعنيه أن تحمل غضب رجل لم يعرف الرحمة… كل شيء كنت أحلم به أصبح مجرد جرح مستمر!"
اقتربت منه آية بخطوات حازمة، وعيونها تلمعان بالعاطفة:
– "لكنك لا تستطيع أن تظل أسير الماضي! تعال… دعنا نحاول نسيانه، لنفتح صفحة جديدة… حتى لو كان الطريق إلى أهلي صعبًا، حتى لو كانوا أعداءك."
سعد نظر إليها طويلاً، ثم تنهد:
– "أعداؤك؟… هل تعلمين كم هو صعب أن أذهب إلى هناك؟… لكنكِ تقولين إن الحل يكمن هناك؟"
ابتسمت آية بابتسامة حزينة، دموعها تكاد تنحدر:
– "نعم… لقد طال الصراع… وقلوبنا تستحق السلام… فقط اقبل… لنواجه الماضي معًا."
بعد صمت طويل، وضع سعد يده على كتفها برفق، وكأنما يعلن عن بداية صفحة جديدة:
– "حسنًا… سأفعل ذلك… لأجلك، لأجل قلبك، لنجد طريقًا للسلام."
ارتسمت على وجه آية ابتسامة صغيرة، وعرف كلاهما أن رحلة المصالحة قد بدأت، وأن عليهما مواجهة الماضي معًا، مهما طال الطريق ومهما كانت الصعوبات.
في السيارة، الصمت يخيّم على الأجواء، لكن كل منهما كان يشعر بثقل ما حدث. آية تلتفت إليه من حين لآخر، عيناها مليئتان بالإصرار، بينما يحدق سعد أمامه، يحاول أن يجد الكلمات التي تخفف من التوتر داخله.
أخيرا كسرت آية الصمت:
– "سعد… أعلم أن قلبك ما زال متمسكًا بالماضي… لكن كل دقيقة نضيعها في الصراع تزيد جرحك عمقًا."
سعد تنهد، أصابعه تمسك عجلة القيادة بقوة:
– "آية… تعلمين أن الأمر ليس سهلاً… هم أهلك، وأنا أعرفهم… وكل ذكرى معهم تحمل ألمًا مضاعفًا… لكنك تصرين، وأعرف أن هذا الطريق هو الحل."
ابتسمت آية، وعيناها تلتمعان بعاطفة قوية:
– "أليس هذا ما أردتُه؟ أن نضع الخلافات جانبًا، لنبدأ صفحة جديدة؟ حتى لو كان الطريق صعبًا، يجب أن نحاول."
سعد أغلق عينيه للحظة، مستسلمًا لإرادتها، لكنه كان يشعر بثقل قراره، وكأن قلبه يصرخ ضد عقله: كل خطوة تقربه منهم تجلب له ذكريات الألم والغضب، لكنه يعرف أن معارضة آية لن تجدي نفعًا.
وبينما هما يقتربان من بيت أهلها، شعرت آية بتسارع دقات قلبها، فهي تعرف أن المواجهة لن تكون سهلة، وأن ذكريات الماضي ستقف حائلاً بين سعد وهدوء قلبه.
– "استعد… سعد… لن يكون الأمر سهلاً، لكننا سننجح إذا كنا معًا."
سعد تنهد ببطء، وقال بصوت منخفض لكنه حازم:
– "حسنًا… لنواجه كل شيء… ولنرى إن كان قلبك قويًا بما يكفي لتجاوز الماضي معي."
وهكذا، بينما السيارة تقترب من منزل أهل آية، بدأ كلاهما يشعر بالرهبة والخوف، لكن مع ذلك كان هناك شعور خافت بالأمل: الأمل في المصالحة، في الصفح، وفي بداية صفحة جديدة رغم كل الألم القديم.
---
اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين