عودت الى الوطن
الليل كان ثقيلاً، والزنزانة الضيقة تقف بين علا والحرية.
وقف منتصر عند الباب، صوته منخفض:
“الوقت حان.”
رفعت علا رأسها بثبات:
“تكفيني دقيقتان.”
مدّ لها مفتاح المخزن خلف الممر.
“هذا للمخرج، خلفه لا يعرفه أحد.”
ابتسمت لها:
“شكرًا… على كل شيء.”
رد منتصر:
“إذا خرجتِ قبلي… لا تنتظريني.”
تقدمت خطوة نحو الباب:
“لن أتركك.”
هزّ رأسه:
“اختبئي في أول مكان تجديه… أي جحر، أي زاوية.”
ضيّقت عينيها:
“أنا لا أختبئ.”
اقترب أكثر، صوته صار أكثر حدة:
“هذه ليست بطولة… هذا نجاة.”
سكتت، ثم قالت:
“حسنًا… لكن لا تتأخر.”
“لن أتأخر.” قالها… لكنه لم يكن واثقًا.
أغلق الباب، وبقيت تنتظر.
---
ليلة الهروب
الساعة: 2:17
صوت القفل… ثم انفتح الباب.
همس منتصر:
“الآن.”
خرجت علا بخطوة ثابتة.
قال بسرعة:
“نهاية الممر… ثم الباب على اليمين.”
“أعرف.”
انطلقت. خطواتها خفيفة وسريعة… كأنها تهرب من عمر كامل.
الممر مظلم، الأضواء تومض، والقلب يضرب بقوة.
وصلت إلى الباب، أدخلت المفتاح… فجأة:
“من هناك؟!”
تجمّدت.
صوت خطوات يقترب…
قبل أن تتحرك، دوّى صوت منتصر:
“توقفي! تفتيش مفاجئ… عد فورًا إلى موقعك.”
لحظة صمت، ثم ابتعدت الخطوات.
أدارت المفتاح بسرعة، فتح الباب، ودخلت… وأغلقته خلفها.
الهواء بارد، حي… حر.
تذكرت كلماته، لم تركض بعيدًا، ثم انزلقت إلى زاوية ضيقة بين الجدار والصخور المهجورة.
جلست فيه، تحبس أنفاسها:
“لا تتأخر يا منتصر…”
---
مصير منتصر
وقف منتصر في الممر، وحده، ينظر إلى الباب المغلق…
“ابقَي حيّة…” همس.
أخذ نفسًا عميقًا، بدأ يتحرك بخطوات سريعة ومستعجلة، وصل إلى لوحة التحكم في نهاية الممر، ضغط زرًا… انطفأت الكاميرات، قال:
“دقيقة واحدة…”
انطلق نحو الباب… لكن أجهزة الإنذار بدأت ترن فجأة:
“بييييب— بييييب—”
تجمّد:
“مستحيل…”
سمع الصوت عبر المذياع:
“خلل في النظام! أغلقوا المخارج فورًا!”
رفع رأسه… ركض… لكنه أمام الباب، قفل إلكتروني أحمر… مغلق.
ضرب الباب بقبضته:
“افتح!”
لكن الصوت الوحيد كان الإنذار.
فهم، أخرج جهازًا صغيرًا، ضغط عليه… أبواب السجن تُغلق واحدًا تلو الآخر.
في الخارج، سمعت علا الصوت، أدركت… هذا إغلاق نهائي.
اتسعت عيناها:
“منتصر… لا…”
في الداخل، وقف منتصر أمام الباب، يضع يده عليه… همس:
“لو فتحت الباب… سيدخلون من ورائي. ولو بقيت… ستنجو.”
ابتسم ابتسامة هادئة، غريبة… ثم استدار وابتعد عن الباب.
الإنذار يعلو، الخطوات تقترب، والسجن يُغلق.
في الخارج، لم تتحمل علا، خرجت من مخبئها، ركضت نحو الباب:
“منتصر!”
لكن صوتها ضاع خلف الحديد…
سقطت يداها ببطء، أنفاسها تتقطع، همست:
“قلت لك… لا تتأخر…”
صمت قاسي… لكن فجأة… صوت خلفها:
“إذا بقيتِ هنا… سيقبضون عليك.”
استدارت بسرعة، منتصر… واقف، متعب، أنفاسه ثقيلة… لكنه حي.
تجمدت مكانها:
“كيف—؟!”
قال وهو يلهث:
“ممر آخر… لم يعرفوا به بعد.”
أمسك يدها:
“هيا… لا وقت للشرح.”
ركضا بعيدًا عن السجن، بعيدًا عن الأصوات، بعيدًا عن كل شيء…
---
طريق العودة
توقفت علا، تلهث، تسند نفسها على الجدار الحجري:
“يكفي… لن أستطيع أكثر.”
وقف منتصر قربها، عينه على الطريق، هذه المرة… لم يكن متوترًا. كان… منتظرًا.
رفعت رأسها نحوه، قالت:
“هل تأخر؟”
نظر إليها لثانية… ثم قال:
“عادةً… لا.”
لم تسأله “من؟” كانت تعرف.
ضوء سيارة اخترق الظلام… توقفت أمامهم.
نزل حسام، هادئ، يعرف كل شيء، ابتسم:
“تأخرتِ.”
نظرت إليه علا بثبات:
“وأنت تأخرت أكثر.”
تبادل نظرة سريعة مع منتصر… نظرة مفهومة، قديمة.
قال منتصر:
“الطريق كان نظيفًا… لكن الإنذار اشتغل.”
رد حسام:
“توقعت ذلك… لذلك أسرعت.”
نظرت إليهما علا، قالت ببرود خفيف:
“ممتاز… الآن بعد أن التقيتما أخيرًا، هل يمكن أن نتحرك؟”
فتح حسام باب السيارة:
“اصعدوا… قبل أن يغلقوا الطرق.”
صعدت علا دون تردد، وتبعها منتصر.
انطلقت السيارة بسرعة، والهواء البارد يضغط من النوافذ، لكنها شعرت… لأول منذ وقت بعيد انها عادت للتنفس
بعد ساعات، توقفت السيارة عند بيت ياسمين.
فتحت علا الباب بخطوات مترددة، ثم تجمدت عيناها أمام ياسمين، التي لم تعد طفلة، بل شابة متزوجة تحمل بين ذراعيها رضيعة.
“ماما…” همست ياسمين، كأن الزمن توقف.
ركعت علا واحتضنت ابنتها، ثم ظهرت الرضيعة الصغيرة بين ذراعي ياسمين.
“أنا… صرتِ جدة؟ "همست علا
ابتسمت ياسمين: “نعم… هذه حفيدتك.”
في الخلف، وقف منتصر بهدوء، مراقبًا اللحظة دون أن يقاطع.
بعد يومين، وصل حسام الى بيت ياسمين
قال:
“يجب أن نتحرك بسرعة… هم لم يتوقفوا عن البحث.”
نظر منتصر: “كم لدينا؟”
رد حسام: “ليس كثيرًا.”
نظرت علا إلى ابنتها وحفيدتها واحست انها المذنبة وانها السبب ثم
سكت الجميع، وفي حضن ياسمين، بكت الرضيعة فجأة، كأنها تشعر… أن الهدوء انتهى.