بين الجنون والصمت
..
السلام عليكم قبل ان تبدأو في قراءة هاذا الفصل اتمنى ان يعجبكم انا هنا قد تذكرت احدهم كان قد طلب دعاءكم فلا تبخلو عليه واللهم يسر ولا تعسر زفرج على عبادك وحسن مثوى الطيبين يارب
___________
اللهم اني مددتُ إليك قلبي
فلا تردّه إلّا مجبورًا
ومستورا يا الله
_____________
️.اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين
استيقظت آية صباحًا، شعور غريب يملأ قلبها وكأن العالم كله ينتظرها لتفعل ما تريد.
نزلت إلى الصالون، وهناك جلست العمة رندة وابنتها نور بهدوء، يعرفان بوجودها وينتظران تحيتها.
لكن آية لم تتحرك، لم ترد، لم تلتفت إليهما.
صمتها كان كالصاعقة، يملأ الغرفة بالتوتر والخوف.
بدون كلمة، خرجت إلى الحديقة، حيث كان ضوء الشمس الخافت يعكس أوراق الأشجار.
أطلقت صرختها الأولى:
— آآآآه!
تحركت في كل مكان بعفوية، كأنها بركان صغير، كسرّت الطاولات والكراسي، قلبت المزهرية، وتطايرت أوراق النباتات في الهواء.
كل شيء حولها أصبح انعكاسًا لجنونها، تعبيرًا عن تمردها على القيود والعالم والقواعد.
ثم هدأت فجأة، دخلت إلى المطبخ، صبت كوبًا من القهوة وجلست وكأن شيئًا لم يحدث.
كأن الصباح لم يبدأ بعد، وكأن الفوضى لم تكن إلا حلمًا.
بعد قليل، عادت إلى الصالون وجلست أمام رندة ونور، عينان تلمعان بالبرود، تحدق بهما بلا توقف.
القلب ينبض بالتوتر، ولم تتمكن الفتاتان من النطق، فالتزمتا الصمت.
قالت آية بصوت منخفض:
— اسمكم؟
نظرت نور بخجل:
— أنا…
قاطعتها آية بحدة:
— وأنتِ يا عمة؟
ردت رندة بصرامة:
— اسمي رندة… وابنتي نور.
تجهمت آية وقالت ببرود:
— لطالما كانت العمات شريرات… لماذا أتيتِ بهذا إلى هنا؟
في تلك اللحظة، دخل سعد الغرفة، عيناها تتفحصان المشهد بدهشة.
وقف مذهولًا من تصرفات آية، ومن صمت العمة وابنتها، اللواتي لم يصدقا ما يحدث أمامهما.
ركضت آية فجأة نحو سعد، ألقت نفسها في حضنه.
شعوره بالدهشة امتزج بالحيرة، لكنه شعر بحرارة قلبها الصغيرة تخفق بقوة.
ثم ابتعدت عنه فجأة، وولّت ظهرها للحضور:
— تعالى إلى الحديقة… هناك موضوع أحتاجك فيه.
تبعها سعد، وعيناه لا تفارقان الركام الذي خلفته: النباتات مقلوبة، الطاولات مكسورة، الأرض مليئة بالفوضى.
وقف بجانبها حسام يضحك على الجنون الصغير الذي صنعته، بينما رندة ونور صُدمتا:
— أين هبتك، يا حسام؟ ما هذا؟
تجاهل سعد الأسئلة، وتقدم نحو آية قائلاً:
— ما هذه الفوضى؟
رفعت آية كتفيها بلا مبالاة:
— لا أعلم…
جلس سعد بجانبها على كرسي، يحاول تهدئتها بعد ما رأى الفوضى من حوله.
نهضت آية، واقفة أمامه، عينان تتلألأان بالجنون:
— هيا… استعد… سأزوجك.
تجمد للحظة، لم يصدق ما سمعه، قلبه يتقلب بين الصدمة والفرحة.
ضحك أخيرًا، وقال:
— موافق… لكن بشرط أن أعالجك.
ابتسمت آية بخبث، رفعت حاجبيها:
— نعم… لكن عدني أنك ستسعدني.
قبضا على بعضهما، قلبهما يخفق بين الجنون والحب، ثم توجهوا معًا إلى مكتب الشؤون.
هناك، تمت إجراءات الزواج سريعًا، ولم يصدق أحد ما حدث، سوى أن آية أصبحت زوجة سعد رسميًا.
عادوا إلى القصر،
دخلت اية مسرعة الى القصر وبدات تنادى باعلى صوت
— ن… ن… نور!
ركضت الاخرى الى الطابق السفلي مسرعة
— ماذا هناك؟
ابتسمت آية بخبث:
— أنا الآن سيدة القصر… استعدي، في أي لحظة سأطردك
وقف الجميع مذهولين، يراقبون تلك الطفلة الغريبة، بينما كان سعد ينظر إليها بعينين مليئتين بالحب والدهشة والخوف.
أدرك أن حياته لن تكون هادئة بعد اليوم… وأن آية… ستسيطر عليه بجنونها، بضحكتها، وبراءتها
وستغير كل حياته
--
دخل منتصر زنزانة السجن بهدوء، بعد أن سأل السجان عن مكان علا. وجدها جالسة على الأرض، كتفها منهار، وعيونها تحمل حزنًا عميقًا كما لو أنها حملت كل هموم العالم على كاهلها الصغير.
جلس بجانبها دون أن يقول شيئًا في البداية، فقط لاحظ صمتها وثقل نفسها. ثم بدأ بصوت منخفض، وكأن كل كلمة تتردد من بعيد:
«أعرف أن الأيام هنا صعبة… أشعر بما يثقل قلبك.»
رفعت علا رأسها، وأصابت نظراتها نظراته، تبحث عن الكلمات، عن شيء يفهمه، عن شعور يشاركها ألمها. ابتسم لها منتصر ابتسامة حزينة، وكأنه يكاد يذوب من ذكريات الماضي قبل أن يبدأ في سرد حكايته:
«قصتي… طويلة، وقاسية. أنا ابن زنى. لم يكن لي والد، بل رجل خان زوجته… مع امي طبعا ثم و بعد وفاة زوجته، قرر أن يتزوج أمي… لكن أهله رفضوني، وحتى ولدايا رفضاني لقد رميت في الميتم. هناك… هناك عشت أسوأ أيامي.»
توقف للحظة، وأغمض عينيه، وكأنه يعيد العيش في كل ثانية من تلك السنوات المؤلمة. «تخيلي… أن تكون طفلاً بلا أهل، بلا دفء، بلا حب، بلا مكان تنتمي إليه. كل يوم يمر عليك هناك يشبه عقابًا لا نهاية له. مايمزني عن باقي الاطفال هنا هو اني اعرف والداي ولازالا على قيد الحياة هما دفعاني الى هذه المحن وهما اللذان رفضا الاعتراف بي … وأنا لا شيء. مجرد ظل يتجول في أروقة الميتم، لا أحد ينتبه إلي، لا أحد يسأل عني… حتى أصوات الضحك كانت تسبب لي ألمًا.»
ابتلعت علا ريقها، ولم تستطع التحدث، لكنها شعرت بصدمة الكلمات التي خرجت من فمه. الألم في صوته لم يكن مجرد ذكريات، كان جرحًا حيًا يتنفس أمامها.
تابع منتصر، والدموع تكاد تلمع في عينيه:
«18 سنة هناك… سنوات من الوحدة، من البكاء في الليل، من الغضب الذي لا يجد طريقًا للخروج. كنت أحلم بعائلة، بشخص يحبني… أي شخص. لكن كل حلم كان يتحطم أمامي. حتى بعد الميتم… بعد كل هذا الألم… شعرت أن العالم لا يريدني.»
ثم، بعد صمت طويل، أضاف بلهجة أخف، لكنها ما زالت مليئة بالحزن:
«بعدها… خرجت من الميتم. كنت أغسل زجاج السيارات في شوارع المدينة، كأنني لا أملك شيئًا… حتى أن النافذة الصغيرة كانت تبدو لي كحلم بعيد. حينها فتح لي حسام، زوجك المحامي، النافذة وتحدث إليّ. دعاني إلى بيته، ومنذ ذلك اليوم وأنا أعمل معه. لم أكن أملك شيئًا… لكنه أعطاني فرصة للحياة. فرصة لأثبت لنفسي وللعالم أنني أكثر من مجرد طفل ضائع… أكثر من خطأ الماضي.»
نظرت علا إليه بعينين مليئتين بالشفقة والتعاطف، وكأن كلمات منتصر فتحت نافذة صغيرة على عالم مظلم لم تكن تعرفه. شعرت بغصة في قلبها، لكنها شعرت أيضًا بشيء من الأمل، كما لو أن الألم المشترك يجعل القلوب أقرب.
ثم نظر منتصر إلى ساعته، وأدرك أن الوقت قد مر بسرعة أكبر مما توقع. نهض قائلاً بلطف، محاولًا أن يخفي بعض الألم في نفسه:
«يبدو أن الوقت قد مضى… عليّ أن أذهب. لكن… لا تنسي موعدنا بعد أسبوعين.»
ابتسمت علا ابتسامة صغيرة، شعرت بدفء غريب في قلبها.
وبعد رحيله، نهضت علا ببطء، توجهت إلى زاوية الزنزانة، توضأت بخشوع، جلست تدعو الله أن ييسر لها كل أمر، وتشعر بروحها تهتز بين الأمل والحزن، بين الألم والإيمان بأن كل شيء سيتغير إلى الأفضل.
في تلك اللحظة، أدركت أن الألم يمكن أن يصبح بداية للسلام الداخلي، وأن قوة الإنسان تظهر عندما يقف أمام الماضي المؤلم ويقرر أن يمضي قدمًا، مهما كانت الحياة قاسية.
---