اصداء من الماضي
بعد ليلة مليئة بالكوابيس، استيقظ سامر على صوت المنبه الذي كاد يطحن رأسه. الشمس لم تشرق بعد، لكن عقله لم يستطع النوم ثانية. صور الجثة، النجمة الحمراء، ورائحة الدم لا تزال عالقة في ذهنه كظلال ثقيلة.
جلس على حافة السرير، ينظر إلى يده المرتجفة وهو يفكر في ما حدث. لم يكن مجرد حادث عادي، لم يكن مجرد جريمة من بين مئات الجرائم اليومية التي يقرأ عنها أو يسمع بها. هذه الجريمة… كانت مختلفة. طريقة وضع النجمة الحمراء، الانتقاء الدقيق للضحية، كلها أشارت إلى عقل منظم، محترف، وربما مختل في الوقت نفسه.
في طريقه إلى مركز الشرطة، كانت ذكريات ماضية تتسلل إليه بلا رحمة. سامر لم يكن دائمًا الشخص الهادئ الذي يعرفه الجميع. قبل خمس سنوات، فقد أخته الكبرى في حادث غامض، حادث لم يُحل قط، ولم يُعرف الفاعل. منذ ذلك اليوم، صار قلبه يبحث عن العدالة في كل جريمة، في كل دم يُراق، وكأن البحث عن الحقيقة أصبح جزءًا من كيانه.
وصل سامر إلى مركز الشرطة، حيث كان فريق التحقيق ينتظره. ضابط الشؤون الجنائية، العميد فارس، كان الرجل ذو النظرة الصارمة، معروف بخبرته الطويلة في الجرائم المعقدة.
"سامر، حصلنا على التقرير الأولي منك. هل لديك أي إضافات؟" سأل فارس بصوت حاد.
توقف سامر قليلاً، ثم بدأ سرد ما رآه في الحظيرة، كل التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو للبعض غير مهمة: موقع الجثة، زاوية النجمة الحمراء، النظرة المذهولة في عيني رائد، وحتى إحساسه بأن القاتل لم يخطئ في شيء.
"لاحظت شيئًا غريبًا في النجمة… يبدو وكأنه… توقيع. يريد أن يُفهم، لكنه لا يريد أن يُقبض عليه." قال سامر بصوت منخفض، كأنه يخاطب نفسه بقدر ما يخاطب فارس.
بدأ الفريق بجمع الأدلة. سامر بقي واقفًا على هامش المشهد، يراقب كل حركة. بالنسبة له، هذه اللحظات كانت أكثر من مجرد عمل؛ كانت مواجهة لماضيه، مواجهة لكل الجروح التي لم تُغلق بعد.
بينما كانوا يعملون، وصل خبير الأدلة الجنائية، سليم، وبدأ بتحليل الموقع. "الدم لم يختلط، النجمة دقيقة جدًا… هذا ليس عمل هاوٍ"، قال، مشيراً إلى خطوط النجمة الحمراء المصقولة.
سامر شعر بوخز في صدره. كل التفاصيل الصغيرة كانت تقول شيئًا واحدًا: القاتل يعرف ما يفعله، وربما يتعامل مع الضحية كجزء من لعبة نفسية.
بعد ساعات من التحقيق الميداني، عاد سامر إلى مكتبه. كان الصمت يلف المكان، فقط صوت ساعة الحائط يذكره بمرور الوقت. جلس على مكتبه، وأخرج دفتره القديم، الذي احتفظ به منذ فقدان أخته، وبدأ يكتب ملاحظاته. كل حادثة، كل دلالة، كل شعور. هذه الطريقة كانت تساعده على ترتيب أفكاره، على مواجهة صراعاته الداخلية.
ومع ذلك، لم يكن كل شيء عن العمل. سامر لم يستطع تجاهل حياته الخاصة. كان وحيدًا منذ سنوات، منزله مليء بالكتب القديمة، الأوراق، والذكريات التي لا يريد أحدًا أن يشاركها معه. أصدقاء قليلون يعرفونه حق المعرفة، وأقربهم كان زميله القديم، رامي، الذي غادر المدينة قبل سنوات، تاركًا سامر مع أفكاره وصراعه المستمر مع العدالة.
وسط هذه الأفكار، جاء اتصال هاتفي جديد. كانت رسالة مجهولة على هاتفه: "النجمة الحمراء مجرد البداية…"
ارتجف سامر. هذه ليست مجرد رسالة، بل تهديد صامت، دعوة لمطاردة ستضعه على حافة الجنون.
في اليوم التالي، بدأ التحقيق بشكل أعمق: مقابلات مع الجيران، البحث عن كاميرات المراقبة، والتحقيق في حياة الضحية رائد. كل التفاصيل الصغيرة بدأت تكشف عن حياة رائد، رجل في الأربعينيات، يبدو أنه عاش حياة عادية، لكنه كان على علاقة بأشخاص غامضين، عملاء سابقون، وربما أصدقاء خطيرين لم يُعرف عنهم شيء.
سامر كان يتابع كل خطوة بعينين ثاقبتين. لكنه لم ينسَ أن هناك جانبًا شخصيًا لكل هذا. ماضيه، صراعه مع العدالة، شعوره بأن كل جريمة لم تُحل تُذكّره بفقدان أخته. كل خطوة في التحقيق كانت بمثابة مواجهة مع شياطينه الداخلية.
ليلة أخرى، جلس سامر على سريره، يفكر في كل ما جرى. صورة النجمة الحمراء، دم رائد، صوت الهاتف المرتجف… كل ذلك يضغط على صدره. لكنه قرر أن لا يسمح للخوف أن يسيطر عليه. هذه الجريمة، كما كل الجرائم التي سبقته، ستُحل. وهذه المرة، لن يكون هناك مكان للاختباء، سواء للقاتل أو لماضيه الذي يطارده.
مع إشراقة الفجر، كان سامر مستعدًا للعودة إلى التحقيق. كان يعرف أن الطريق سيكون طويلًا، محفوفًا بالمخاطر، وأن كل خطوة تقوده إلى مواجهة ليست فقط مع القاتل، بل مع نفسه وماضيه.