الفصل الخامس
– طقس الانضمام
الضباب كثيف، يلتف بين الأشجار كما لو أنه حيّ،
يهمس بأصوات غريبة، غير مفهومة، لكنها تزرع الخوف في القلب قبل العقل.
وقفت ليلى في وسط دائرة مرسومة على الأرض بحجارة سوداء،
أما هيثم فوقف خلفها، قلبه يضطرب، عينيه تلاحقان كل حركة.
قال صوتٌ غامض من بعيد، يأتي من بين الأشجار:
"لقد اخترتِ… والآن عليكِ أن تثبتي استعدادك."
ابتسمت ليلى ببرود، ولم تلتفت إليه:
"أنا مستعدة."
بدأ الطقس…
💨 الهواء اهتز فجأة،
وتحركت الأشجار بطريقة غير طبيعية،
كأنها تراقب كل خطوة،
وفي كل مرة يلمس فيها أحدهم التراب… يعلو صوت همساتٍ غريبة.
أخرج الشخص المسؤول عن الطقس، من بين الظلال، كتابًا قديمًا،
صفحاته مهترئة،
وكل كلمة مكتوبة بحبر أسود لم يختفِ مع الزمن.
قرأ بصوت عميق:
"المنضم للقوة يجب أن يتخلى عن ضعفه…
ويواجه قلبه… ومخاوفه… ورغباته المظلمة."
رفعت ليلى رأسها بثقة،
لكن قلبها كان يخفق بشدة.
عرفت أن كل كلمة من الكتاب ليست مجرد نص،
بل وعد… أو لعنة.
ثم بدأ الطقس يتصاعد:
🌫️ الضباب أحاط بالدائرة،
وأصبحت الأصوات أعلى،
حتى بدأ صدى خطواتهم يختفي…
وصوت أنفاسهم يبدو غريبًا، كأنه يخرج من أعماق الغابة نفسها.
قال الرجل:
"الآن… خذي الحجر الأسود،
وامسكيه بقوة،
فهو الجسر بين عالمك القديم… والقوة التي ستصبحين جزءًا منها."
مدت ليلى يدها،
والحجر ارتعش في راحة يدها،
وكأن شيئًا بداخله يختبرها،
ينظر إلى نواياها، يقرأ قلبها.
💀 فجأة، ارتفع صوت همسٍ مخيف من جميع الاتجاهات:
"هل أنتِ مستعدة للتخلي… عن كل ما تحبين؟
هل أنتِ مستعدة لأن تُصبحِي… القوة نفسها؟"
أغلقت ليلى عينيها،
تنفست بعمق…
ثم همست:
"نعم… أنا مستعدة."
الضباب انحسر فجأة…
والأشجار هدأت…
والحجر الأسود أصبح دافئًا في يدها،
مشرقًا بضوء خافت…
وكأن القوة قبلتها رسميًا.
هيثم وقف صامتًا،
قلبه يقطر ألمًا…
فقد كانت ليلى أمامه، لكنها لم تعد كما عرفها…
لم تعد بشرية بالكامل…
لقد بدأت تتحوّل إلى شيء آخر…
إلى القوة نفسها التي طالما أراد العالم أن يختبئ
بعد انتهاء الطقس، كانت ليلى واقفة وسط دائرة الحجارة السوداء،
والحجر في يدها ينبض بضوء خافت…
كأنه يتنفس معها، يختبرها، يقرأ نواياها.
لم تعد ليلى كما كانت…
لم تعد الفتاة الخائفة التي يعرفها هيثم…
لقد أصبحت مختلفة…
مرت بعملية اختيار رسمية…
أصبحت مرتبطة بالقوة الغامضة، جزءًا منها.
رفع هيثم يده، يريد لمسها، لكن شيئًا ما داخلهه منع.
كان يشعر بحاجز غير مرئي، قوة لا تُقاوم، تحيط بها وتحميها… وتفصله عنها.
نظر إليها بعينين مملوءتين بالصدمة والحيرة:
"ليلى… ماذا حدث؟! لم أعد أعرفك!"
ابتسمت له، ابتسامة هادئة، لكنها تحمل شيئًا من البرودة:
"هيثم… أنا لم أعد أنا فقط…
أنا القوة الآن… وأنا جزء من الغابة…
كل ما كنا نخافه… كل ما كنا نجهله… أصبح حقيقيًا بداخلي."
تقدم هيثم خطوة نحوها، صوته مكسور:
"يعني… ماذا عني؟
هل سأظل أنا الإنسان… وأنتِ… شيء آخر؟"
نظرت إليه بعينين لا تخفيان القوة، ولا الإنسانية بالكامل:
"أنت… كنت نقطة ضعفي… لكن الآن… أنا أقوى من أي شعور…
أنا هنا… لأكمل ما بدأته الغابة…
وليس هناك رجوع."
🌫️ تحرك الضباب من حولها… يلتف بها كأنه يحتضنها،
ويظهر الضوء القادم من الحجر الأسود وكأنه علامة رسمية على ارتباطها.
ليلى رفعت يدها، والضوء امتد حولها،
والهواء اهتز كما لو أن الغابة كلها تعترف بانضمامها.
💀 هيثم شعر بالوحدة لأول مرة،
معرفة أن الفتاة التي أحبها أصبحت شيئًا آخر… شيئًا خارج عالم البشر.
لكن في عينيه، لم يكن خوفًا فقط…
كان تحديًا داخليًا… رغبة في إيجاد طريقة لإعادتها… أو فهمها.
كان هيثم يقف بجانب ليلى، يشعر بفراغ غريب…
شيء ما بينهما قد تغيّر،
شيء لا يستطيع فهمه بعد الآن.
ليلى نظرت إليه بعينين هادئتين،
لكن في أعماقه شعر ببرودة لم يعرفها فيها من قبل.
"هيثم…" قالت بصوت ناعم، لكنه بعيد…
"لقد أصبحتُ جزءًا من شيء أكبر… شيئًا يفوقنا."
هيثم اقترب منها، أمسك يدها:
"ليلى… لا يمكن أن تتصرفي هكذا…
أنا لا أستطيع أن أفقدك!"
ابتسمت، ابتسامة حزينة، لكنها تحمل قوة لا يُستهان بها:
"لقد خسرتَني بالفعل…
قلبي لم يعد ملكًا لك بالكامل…
لقد أصبح للقوة… وأنا اخترت هذا الطريق."
💀 الصدمة ضربت هيثم في قلبه…
لم يصدّق ما يسمع…
الشابة التي أحبها كانت أمامه،
لكن جزءًا كبيرًا منها… غريب، بعيد، لا يمكن لمسه.
في الأيام التالية، بدأ هيثم يلاحظ تصرفات غريبة في ليلى:
لم تعد تهاب أي شيء، حتى الموت بدا لا يثيرها.
تتحدث عن الغابة وكأنها كيان حيّ، يشاورها ويقودها.
تبدأ في اتخاذ قرارات بدون التفكير في البشر حولها… حتى هيثم.
في إحدى الليالي، وبينما كان هيثم يحاول التحدث إليها بهدوء:
قالت له ليلى:
"هيثم… أنت لا تفهم… لن أعود كما كنت.
لقد أصبحتُ القوة، والغابة تختار من يبقى ومن يذهب…
وأنا الآن أرى ما كان مخفيًا عنك."
نظر إليها هيثم بعينين دامعتين:
"يعني… أنا فقدتك؟"
ابتسمت ابتسامة حزينة:
"ليس كليًا…
لكنك لم تعد تعرفني بعد الآن."
🌫️ في تلك اللحظة، هبت رياح غريبة،
والضباب المحيط بهم تحرك بسرعة…
كما لو أن الغابة نفسها تصادق على كلامها،
وتعلن بداية فصل جديد…
حيث هيثم سيعرف أن حبه لليلى أصبح مهددًا بخيانة لا إرادية…
ليس من قلبها البشري، بل من القوة التي أصبحت جزءًا منها.
🔥 نهاية الفصل
🌑