الفصل السادس
الفصل السادس: اللعبُ بالنار
خرجت ليلى من مكتبِ والدها، مشت في ممراتِ الشركةِ بخطواتٍ بدت للجميعِ رتيبة، لكنَّ عقلَها كان يغلي كمرجلٍ من الأفكار. كلماتُ مصطفى عن الحادثةِ المدبرة، وعن الفواتيرِ الوهمية، زرعت في قلبِها يقيناً جديداً.. هي الآن في "ساحةِ معركة"، والعدوُّ يراقبُ كلَّ رمشةِ عين. دخلت مكتبَها الخاص، وجلست خلفَ طاولةِ الاجتماعاتِ الصغيرة، أغمضت عينيها وهي تستحضرُ القوة؛ لابد أن يظنوا أنها ما تزالُ تلك الفتاةَ التي كسرها الفقد، لابد أن يطمئنوا لغفلتِها حتى يسقطوا في شرِّ أعمالهم.
قطعَ حبلَ أفكارِها طرقٌ خفيضٌ على الباب، ثم دلفَ "محمد" وهو يحملُ ملفاً بيده، وعيناه تلمعانِ بفضولٍ يكادُ يحرقه. وضعَ الملفَّ أمامها، وحاول أن يقرأَ ملامحَ وجهِها التي بدت كلوحِ ثلجٍ صامد.
محمد (بنبرةٍ يحاول جعلها حنونة): "أنا خلصت الورق يا ليلى.. راجعت كل حاجة بنفسي عشان أتأكد إن مفيش غلطة."
سحبت ليلى الملف، قلبت صفحاته بآليةٍ دون أن تبدي أي ملاحظةٍ تذكر، ثم أغلقته بهدوءٍ يثيرُ الريبة.
ليلى (ببرود): "تمام.. ياريت تاخد بالك من الشغل أكتر من كدة بعدين، مش عايزة أي ورق ينقص تاني."
سكت محمد للحظة، ثم اقترب خطوةً نحو المكتب، وكأنه يحاول استعادةَ أرضٍ فقدها.
محمد: "ليلى.. أنا عارف إنك اتعصبتِ الصبح عشان موت باباكي، وإن أعصابك تعبانة والظروف صعبة.. عشان كدة زعقتِ، وأنا مقدر ده ومش زعلان منك."
رفعت ليلى عينيها نحوه، لمحت في نظرته رغبةً في الانتصار، رغبةً في أن يسمعَ منها كلمةَ اعتذارٍ أو ضعف.
ليلى (ببساطة): "أيوة.. حقيقي الموضوع تاعبني شوية."
محمد (بخبث): "طيب.. إنتي لسه زعلانه إني سبتك؟"
هنا، ارتسمت على شفتي ليلى ابتسامةٌ ساخرة، ابتسامةٌ لم تصل لعينيه، لكنها طعنت كبرياءه في مقتل.
ليلى: "أزعل؟ لا.. تعرف لما فكرت فيها لقيت إني المفروض مزعلش أصلاً، إيه اللي يجبرني أفضل مع حد مابيحبنيش؟ فعادي خلاص، ربنا يوفقك.. واه، متنساش تعزمني على فرحك إنت وسيرين."
وقعَ كلامُها عليه كدلوٍ من الماءِ المثلج. تجمدتِ الكلماتُ في حلقه، وشعرَ بذلٍّ لم يكن يتوقعه. كانت ليلى تنظرُ إليه بلامبالاةٍ تامة، وكأنه مجردُ موظفٍ عابرٍ لا يملكُ من أمرِ قلبِها شيئاً. خرج محمد من المكتب، يجرُّ أذيالَ غيظِه، وصدرُه يضيقُ بضجيجِ أفكارهِ السوداء.
محمد (في نفسه بغضب مكتوم): "إزاي؟ إزاي قدرت تقابلني بالقوة دي؟ دي كانت بتموت فيا! معقول مش فارق معاها كدة؟ أنا متعصب ليه؟ أنا أصلاً مكنتش بحبها، وكان هدفي أكسرها.. بس هي ليه مش مكسورة؟ ممكن تكون بتخبي؟ أكيد بتمثل الوجع عشان كرامتها.. بس نظرتها مكنش فيها تمثيل، كان فيها (استغناء) مرعب!"
ضرب بقبضته على حافةِ مكتبه وهو يشعرُ بالهزيمةِ لأولِ مرة في لعبته القذرة، بينما كانت ليلى في مكتبِها، تتنفسُ الصعداء، وتستعدُّ للخطوةِ التالية مع مصطفى
في الجانبِ الآخرِ من المدينة، كانت "سيرين" تعيشُ جحيماً من نوعٍ خاص. منذُ تلك الليلةِ التي عاد فيها محمد صامتاً، وهي تشعرُ بأنَّ روحَهُ غادرت جسدَه لتسكنَ مكتبَ ليلى. كانت تراقبُ هاتفَه، رسائلَه، وحتى نظراتِه التي تزوغُ منها كلما ذُكرَ اسمُ "الشركة".
دخلت سيرين غرفتَها، أغلقت البابَ بعنف، ونظرت للمرآة.. رأت وجهَها الجميلَ يتشوهُ بالغيرةِ والهوس. فجأة، انفجرت كبركانٍ خامد. سحبت زجاجةَ عطرٍ غالية الثمن وقذفت بها نحو المرآةِ لتتحطمَ إلى ألفِ قطعة، تماماً كما تحطمت ثقتُها بنفسِها.
سيرين (بصرخةٍ هستيرية وهي تكسرُ محتوياتِ تسريحتها):
"لسه بيفكر فيها! لسه شايفها أحسن مني! أنا عملت كل ده عشانك.. أنا وافقت أسرق مع عمك عشانك! ليه عيونك لسه بتدور عليها؟!"
سقطت على الأرضِ وسطَ حطامِ الزجاجِ والتحفِ المكسورة، أظافرُها تغرسُ في السجادِ بغل، وصوتُ شهقاتِها المكتومةِ تحولَ لضحكاتٍ مريضة. بدأت تمزقُ إحدى صورِ "حفل الخطوبه "، وهي تهمسُ لنفسِها:
"مش هتاخديه يا ليلى.. لو مش هيكون ليا، مش هيكون ليكي ولا لغيرك.. أنا هحرق الكل!"