الفصل الرابع
الفصل الرابع: موازين القوى
لم تكن "ليلى" التي خرجت من غرفتها في ذلك الصباح هي ذاتها الفتاة المنكسرة التي دخلتها قبل ثلاثة أيام. ارتدت بذلتَها الرسمية السوداء، ورفعت شعرَها في كعكةٍ مشدودةٍ بصرامة، ورسمت على وجهِها ملامحَ جليديةً لا تُخفي خلفها سوى نارٍ تشتعل. كانت نظراتُها حادةً كأنها نِصالُ سيوفٍ سُلت من أغمادِها، وعطرُها يفوحُ بقوةٍ تفرضُ حضورَها في كلِّ ركنٍ تمرُّ به.
دلفَت إلى مقرِّ الشركة، فخفتتِ الأصواتُ وتعلقت بها الأبصار. لم تلتفت لأحد، بل اتجهت مباشرةً نحو مكتبِ والدها، حيثُ كان "محمد" يقفُ وسطَ الموظفين كأنه "الوريثُ المنتظر"، يوزعُ الأوامرَ بابتسامةٍ واثقةٍ مستفزة.
توقفت ليلى عند بابِ المكتب، سكنتِ الحركةُ في المكانِ كأنَّ الزمنَ قد تجمد. نظر إليها محمد بذهول، حاول أن يرسمَ على وجهه ملامحَ "الشفقة" المزيفة، وتقدمَ نحوها بخطواتٍ واثقة ليُسلمَها بعضَ الأوراق، ظناً منه أنها جاءت لتستجدي عطفه.
محمد (بصوتٍ منخفض وفيه نبرة سخرية مكتومة): "البقاء لله يا ليلى.. شدي حيلك. كنت لسه بجمع لك أوراق الشغل اللي محتاجة توقيعك عشان الأمور تمشي في غياب باباكي."
لم تمد يدها لتأخذ الأوراق فوراً، بل نظرت إليها بنظرةٍ فاحصة، ثم سحبت الملف وبدأت تقلب صفحاته ببطءٍ وبرودٍ شديد أمام أعين الجميع. كانت تمرر عينيها على الأرقام بدقة أربكت محمد، قبل أن تغلق الملف بقوة.
ليلى (بصوتٍ عالٍ وصارم هزَّ أرجاء المكتب): "إيه ده؟ الورق ده مش كامل ليه يا أستاذ محمد؟ مش معنى إن صاحب الشركة مات يبقى تقصروا في شغلكم وتفتكروا إن الدنيا سابت!"
ساد الصمتُ المطبق، وبدأ الموظفون يتبادلون النظراتِ بذهول. ارتبك محمد، وتلاشت ابتسامتُه تدريجياً.
ليلى (مكملة بلهجةٍ آمرة): "من هنا ورايح، أنا هكون موجودة في الشركة أغلب الوقت، وأستاذ مصطفى هو اللي هيكون المدير التنفيذي والمسؤول الأول عنكم ومكانه هو مكتب والدي.. بلاش استهتار، لأن الحساب المرة دي مش هيكون سهل."
محمد (بضحكة سخرية محاولاً استعادة توازنه): "مدير؟ وأستاذ مصطفى؟ وانتي يا ليلى هتفهمي إيه في الشغل؟"
تقدمت ليلى نحوه بخطوةٍ واحدة، جعلت المسافةَ بينهما تتلاشى، ونظرت في عينيه بقوةٍ جعلته يتراجعُ لاإرادياً.
ليلى (بفحيحٍ هادئ ومرعب): "إنت نسيت نفسك يا أستاذ محمد؟ إزاي تسمح لنفسك تتكلم كدة مع صاحبة الشركة؟! أصلك نسيت إن بابا كتب لي كل حاجة باسمي قبل ما يسافر.. الزم حدودك وشوف بتكلم مين، وعلي شغلك يلا.. مش ناقصة تقصير.. كتر ساعة والورق الكامل يكون على مكتبي، وإلا هعتبر ده استقالة رسمية منك."
كانت كلماتُها كالسياطِ التي تلهبُ كبرياءه، احتقنَ وجهُ محمد بالدماء، وشعرَ بذلٍ لم يذقْ مثلهُ قط أمام الموظفين. تراجعَ وهو يشعرُ بأنَّ الأرضَ تهتزُّ تحت أقدامه.
محمد (بصوتٍ مخنوق من الغيظ): "حاضر يا أستاذة ليلى.. طبعاً.. اللي تشوفيه."
ا
خرج محمد من المكتب وهو يكادُ ينفجرُ من الغضب، يدورُ في عقله سؤالٌ واحدٌ يكادُ يقتله: "إيه اللي غيرها كدة؟ معقول تكون عرفت حاجة؟ ليه فجأة بقت بالقوة والبرود ده؟"