الفصل التالت
الفصل الثالث: رائحةُ الورقِ القديم
مرَّ يومان.. ولم تكن "ليلى" تعلمُ إن كان العالمُ بالخارجِ لا يزالُ يدور، أم أنَّ عقاربَ الساعةِ قد تسمرت هي الأخرى عند لحظةِ ذاك الخبرِ المشؤوم. كانت تقضي أغلبَ وقتِها صامتة، تُحدقُ في فراغِ الغرفةِ بعينين ذابلتين، تنفجرُ منهما الدموعُ بصمتٍ مهيب، كشلالاتٍ لا تجفُّ ولا يهدأُ ضجيجُها الداخلي. غابت عنها ملامحُ النهار، ولم يعد لليلِ رهبة، فكلُّ الأوقاتِ صارت في نظرِها "سواداً" واحداً لا ينقطع.
كانت "مليكة" تترددُ عليها، تضعُ الطعامَ الذي لا يُلمس، وتهمسُ بكلماتِ المواساةِ التي لا تُسمع. كانت ليلى فاقدةً للإحساسِ بكلِّ شيء، حتى بجسدِها الذي صار هزيلاً كخيالِ مآتة. كانت روحُها تحومُ في مكانٍ آخر، تبحثُ عن وجهِ والدِها في كلِّ ركن، وتنتظرُ معجزةً تُخبرُها أنَّ كلَّ ما حدثَ كان مجردَ "مزحةٍ سمجة" من القدر.
وفي مساء اليوم الثالث، اشتدت الرياحُ بالخارج، كانت تصفرُ خلف النافذةِ كأنها صرخاتٌ مكتومة. تسللَ هواءٌ باردٌ وقويٌ من فتحةِ الشباكِ التي تُركت مواربة، فاهتزت ستائرُ الغرفةِ بعنف، وأخذت تعبثُ بأوراقِ المكتبِ المركونِ في الزاوية.
عصفتِ الرياحُ داخلَ الغرفة، فتناثرت بعضُ الأوراقِ البيضاءِ كأنها طيورٌ مذبوحة. وفجأة، سقطَ كتابٌ ضخمٌ من فوقِ الرفِّ العلوي، ارتطمَ بالأرضِ بقوةٍ أحدثت صوتاً شقَّ سكونَ المكان.
نظرت ليلى لمصدرِ الصوتِ ببطء، وكأنَّ رقبتَها ترفضُ التحرك. كان الكتابُ ملقىً على ظهره، وقد انفتحَ على صفحةٍ مليئةٍ بخطِّ يدٍ تعرفهُ جيداً.. خطُّ والدها. لم يكن كتاباً عادياً، بل كانت "مذكراتُه" التي لم تكن تجرؤ يوماً على الاقترابِ منها.
ليلى (بهمسٍ مرتجف): "بابا؟"
سحبت جسدَها المنهك، واقتربت من الكتابِ الملقى على الأرضِ كأنها تقتربُ من لغمٍ موقوت. وضعت يدَها المرتعشةَ على الورقِ المصفر، وشعرت برعشةٍ تسري في أوصالِها حين قرأت أولَ سطرٍ في تلك الصفحة، سطرٌ كُتبَ بحبرٍ جافٍ أسود، وكأنه كُتبَ لها هي، في هذه اللحظةِ بالذات.
ليلى بتكلم نفسها):
"مذكراتك يا بابا؟ إنت كنت شايل فيها إيه؟ معقول سيبتها تقع قدامي دلوقتي عشان تقولي حاجة؟"
نزلت دموعُها فوق الورق، فابتلَّ الحبرُ قليلاً، وبدأت تقرأ بذهول..