رماد الوعود - الفصل التاني - بقلم Mariam | روايتك

اسم الرواية: رماد الوعود
المؤلف / الكاتب: Mariam
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل التاني

الفصل التاني

​كانت خيوطُ الشمسِ تقتحمُ الغرفةَ بوقاحة، تُنيرُ بقايا ليلتِها الحزينة، وكأنَّ الطبيعةَ تجبرها على الاستيقاظِ في عالمٍ لم تعد تعرفه. ظلت "ليلى" في وضعيتِها، عيناها مجهدتان، حمراوان من فرطِ التحديقِ في الفراغ. لم يكن هناك دمع، بل كان هناك "خشب" يسكنُ ملامحها. ​فجأة.. شقَّ صمتَ الشقةِ صوتُ طرقاتٍ عنيفة، طرقاتٌ لم تكن تطلبُ الإذن، بل كانت تخبرُ بالرحيل. قامت ليلى، ترنحت كأنَّ الأرضَ تحتها لم تعد مستوية، وجرّت قدميها لتفتحَ الباب. ​كان الواقفُ هناك هو "الأستاذ شاكر"، محامي والدها وصديقُ عمره. لم يكن بحاجةٍ لأن يتكلم، فوجهه كان عبارةً عن "نعيٍ" مكتوبٍ بحروفٍ من كسرة. كان يرتجف، وقبعته في يده تكادُ تتمزقُ من شدةِ ضغطِ أصابعه. ​ليلى (بصوتٍ مهتز، كخيطِ حريرٍ يوشكُ على الانقطاع): "عمو شاكر؟ بابا فين؟ هو كلمني وقال إنه هيوصل الفجر.. هو.. هو اتأخر ليه؟" ​لم يُجب، بل انطلقت منه شهقةُ بكاءٍ كتمها في صدره طويلاً، ثم انحنى برأسه للأرض. ​الأستاذ شاكر (بصوتٍ مبحوح): "ليلى.. يا بنتي.. وحدي الله.. الموت حق.. أبوكي راح يا ليلى.. راح في حادثة على الطريق." ​سادَ صمتٌ كاحلٌ كليلِتها الماضية، لم تصرخ ليلى، بل شعرت ببرودةٍ تسري في أطرافِها كأنها هي من فارقتِ الحياة. تراجعت للخلفِ بخطواتٍ مهزوزة، وعيناها مثبتتانِ على وجهِ الأستاذ شاكر بجمودٍ يُثيرُ الرعب. ​ليلى (بهمسٍ متقطع وابتسامةٍ باهتة لا معنى لها): "يعني إيه؟ يعني سابني ومشي؟ هو قالي إنه عمره ما هيسيبني أبداً.. قالي إنه جاي ومعاه مفاجأة.. المفاجأة طلعت إنه مشي؟" ​انطلقت منها ضحكةٌ هستيريةٌ خافتة، ضحكةٌ تخرجُ من بئرٍ سحيقٍ من الألم، كانت تقطعُ نياطَ القلبِ أكثر من أي عويل. ​ليلى (تستمر في الضحكِ والدموعُ تنهمرُ بغزارة): "كلهم سابوني و مشوا يا عمو.. كلهم اتفقوا عليا في ليلة واحدة؟ هو يبيعني وبابا يسيبني؟ هي الحكاية كدة خلاص؟" ​فجأة، انطفأت ضحكتُها وحلَّ محلَّها شهيقٌ مخنوق، كأنها تحاولُ استنشاقَ الهواءِ وسطَ محيطٍ من الرصاص. ارتمت فوق المقعدِ بانهيارٍ تام، انحنى جسدُها للأمام وكأنها تحاولُ لمَّ أشلاءِ روحِها المتناثرة. كانت تهتزُّ بعنف، وصدرُها يرتفعُ وينخفضُ في صراعٍ مع أنفاسِها التي أبت أن تستقر. ​كان الوصفُ الداخلي لقلبِها في تلك اللحظة يشبهُ بيتاً زجاجياً تَهدمَ فوق رُؤوسِ ساكنيه؛ لا يوجدُ ركنٌ واحدٌ سليم، ولا توجدُ صرخةٌ تكفي لوصفِ ذاك الخراب. ​ليلى (بصوتٍ ميت): "ممكن تمشي يا عمو شاكر؟" الأستاذ شاكر (بفزع): "يا بنتي ما ينفعش أسيبك لوحدك في الحالة دي!" ليلى (صرخت فجأة بصوتٍ مبحوح): "عشان خاطري سيبني لوحدي! مش عايزة حد.. اخرج واقفل الباب.. مش عايزة حد!" ​خرج الأستاذ شاكر وهو يجرُّ أذيالَ الخيبةِ والقلق، وبمجردِ أن انغلقَ الباب، سقطت الحواجزُ الأخيرة. ارتمت ليلى بكاملِ ثقلِها على الأرض، انكمشت على نفسها كجنينٍ فقدَ رَحِمَهُ، وظلت تنهارُ في صمتٍ مرير، صمتٌ لم يقطعهُ سوى صوتِ أنفاسِها الممزقة ورائحةِ المطرِ التي كانت لا تزالُ عالقةً بملابسِها، تُذكرُها بأنَّ العالمَ الخارجي لا يزالُ مستمراً، بينما عالمُها هي قد انتهى تماماً.