الفصل الأول
الفصل الأول: رماد الوعود
في ليلةٍ قاحلةٍ اتشحت بالسواد، كان البردُ يتسللُ عبر الشقوقِ لِيملأ الأركانَ بقسوة. تفوحُ في الأفقِ رائحةُ الترابِ المبللِ بقطراتِ المطرِ التي كانت تهطلُ برتابةٍ على زجاجِ نافذتها، كأنها دقاتُ ساعةٍ تُعلنُ نهايةَ زمنٍ ما. كانت "ليلى" تجلسُ في سكونٍ تام، لا تعلمُ أنَّ هذا الهدوءَ ما هو إلا "استراحةُ محارب" قبل أن يبدأَ إعصارُ الدمارِ في اقتلاعِ جذورِ حياتِها. فجأة، شقَّ صمتَ الغرفةِ رنينُ هاتفِها.. كانت "مليكة".
ليلى (بصوتٍ هادئ): "ألو.. ازيك يا مليكة؟ أخبارك إيه؟"
مليكة (بترددٍ واضح): "ازيك يا ليلى.."
ليلى (وقد بدأت نبضاتُ قلبها تتسارع): "إيه يا مليكة؟ مال صوتك؟"
مليكة: "الصراحة مش عارفة أقولك إيه.. هو إنتي مابصيتيش في الموبايل خالص النهاردة؟"
ليلى: "لا.. في حاجة حصلت؟ قوليلي قلقتيني!"
مليكة (بنبرةٍ يعصرها الأسف): "ليلى.. الحقيقة إن محمد.. محمد خطب النهاردة."
سكتتِ الأرضُ عن الدورانِ في مخيلةِ ليلى، شعرت ببرودةِ الهاتفِ تخترقُ كفَّها، لكنَّ عقلَها رفضَ التصديق، فخرجت ضحكتُها باهتةً مهتزة.
ليلى: "ههههه.. إنتي بتهزري صح؟ مليكة أنا مابحبش الهزار ده.. إنتي عارفة إن محمد بيحبني، وإننا مستنيين بس يظبط ظروفه ويتقدم.. بطلي هزار بقى."
مليكة: "أنا آسفة يا ليلى.. والله ما كنت عايزة أقولك الخبر ده، بس دي الحقيقة.. الصور ملت الفيس بوك."
سقطت الكلماتُ كالصواعق، تجمدتِ الدماءُ في عروقِ ليلى وصار وجهُها كلوحِ رخامٍ متخشب. انقبضت روحُها، وبيدٍ مرتجفةٍ بدأت تبحثُ عن رقمه، تتشبثُ بخيطِ أملٍ واهنٍ أنَّ ما تسمعهُ كابوسٌ سيفنى مع أولِ صرخة. اتصلت به مرةً.. واثنتين.. وفي الثالثة، أتاها الردُّ جافاً كالأرضِ البور.
محمد (بحدة): "ألو!"
ليلى (تلهثُ كأنها كانت تركض): "ألو.. يا محمد، إيه اللي بتقوله مليكة ده؟ ينفع تخضني كدة؟ أنا مابحبش الهزار ده خالص!"
محمد (بقسوةٍ لم تعهدها): "هزار إيه؟ وانتي مين أصلاً عشان أهزر معاكي؟! بقولك إيه.. أنا خطبت فعلاً، وياريت ماتكلمينيش تاني وانسيني بقى!"
كاد الهاتفُ أن يسقطَ من بين أصابعِها التي فقدت الإحساسَ بالوجود.
ليلى (بانهيارٍ تحاول كبحه): "طب محمد.. بص.. خلينا نتقابل حالاً عشان خاطري، أنا أكيد غلطت في حاجة صح؟ وأنت زعلان مني.. نتقابل وأنا هشرحلك كل حاجة."
محمد: "أنا قولتلك خطبت خلاص! ياريت تخليكي في حالك وتفهمي بقى."
ليلى (تبتلعُ ريقها بصعوبةٍ كأنها تبتلعُ زجاجاً): "معلش.. آخر طلب.. نتقابل حالاً.. لآخر مرة."
محمد (بنفادِ صبر): "خلاص ماشي.. بس بعدها مالكيش أي علاقة بيا تاني."
أغلقت ليلى الهاتف، وظلت عيناها مسمرتينِ على الفراغِ أمامها، تتمنى لو يبتلعُها ثقبٌ أسودُ قبل أن تواجهَ الواقع. ارتدت ملابسَها بآليةٍ ميتة، سحبت مظلتَها وخرجت تصارعُ الريح. كانت تسيرُ شاردة، تقودُها قدماها بفعلِ العادةِ إلى ذاك المكانِ المعتاد. كان المطرُ يغسلُ الشوارع، لكنَّ نيرانَ جوفِها لم تكن لتنطفئ. ها هو يقتربُ من بعيد.. بكاملِ بروده.
محمد (بلامبالاة): "نعم؟ جيت أهو.. ممكن أعرف عايزة إيه بقى؟"
ليلى (بصوتٍ يرتجفُ كوترٍ مقطوع): "هو الكلام ده بجد؟!"
محمد: "انتي جايباني المطر ده عشان تقولي كدة؟ آه بجد.. خطبت وهتجوز سيرين."
ليلى (تشعرُ بقلبِها يتمزقُ قطيعةً قطيعة): "طب وأنا؟ أنت كنت بتقولي إنك بتحبني.. إزاي هتسيبني فجأة كدة؟"
انطلقت ضحكةٌ ساخرةٌ من بين شفتيه، طعنتها في مقتل.
محمد: "ههههه.. مسكينة يا ليلى! أحبك؟ أنا عمري ما حبيتك.. انتي مغفلة أوي، فوقي بقى! أنا كل ده كنت بضحك عليكي وانتي صدقتي.. مش معقول السذاجة دي!"
ليلى (في ذهولٍ مرير): "يعني إيه؟ وكلامك ليا؟ ووعودك إنك هتفضل جنبي؟ أنت بتهزر صح.. قول إنك بتهزر والله هسامحك.. عشان خاطري!"
محمد (باستهزاء): "ليلى فوقي! أنا كنت بتسلى بيكي.. كنت بضيع وقت.. وياريت مشوفش وشك في حياتي تاني."
التفتَ ومضى، تاركاً خلفهُ بقايا إنسانة. وقفت ليلى تُحدقُ في الطريقِ المبتل، تحاولُ جمعَ شظايا الكلماتِ التي قيلت لتفهمَ بشاعةَ ما حدث. عادت إلى منزلِها بخُطىً ثقيلة، والسماءُ تزدادُ غضباً وصراخُ الرعدِ يملأُ المدى، لكنَّ صوتَ التحطمِ بداخلِها كان أعلى وأقسى. دخلت غرفتَها، ارتمت فوق مقعدِها وظلت تحدقُ في اللاشيء. مرت الساعات، انزاحَ سوادُ الليلِ وطلعت شمسُ الصباحِ معلنةً يوماً جديداً للعالم، لكنها كانت ما تزالُ جالسةً في نفسِ موضعِها، جثةً هامدةً فوق مقعدِ الانتظار.