الفصل 49
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
↓
كانت القاعة ساكنة على نحوٍ ثقيل، يلفّها صمتٌ مشدود لا يوحي بالهدوء بقدر ما يُخفي احتدامًا وشيكًا. جلست ساندرا إلى جانب سيلينا، تتبادلان حديثًا منخفضًا، نبراته محسوبة، وابتساماتهما لا تخلو من ترقّبٍ بارد.
انقطع الصوت فجأة.
حين انفتح الباب.
دخل ريكاردو أولًا، بخطواتٍ ثابتة، ملامحه منغلقة على برودٍ حاد، وخلفه داميان، أكثر تهاونًا في مشيته، غير أنّ قبضته كانت محكمة حول يد دالين.
ارتفعت ساندرا وسيلينا في آنٍ واحد، ابتسامة ترحيبٍ مهذبة ترتسم على وجهيهما…
ثم تلاشت.
ببطءٍ واضح.
حين خرجت من خلفهما سابين… ودالين.
تقدّمت دالين بخطوةٍ هادئة، انسدل شعرها الأسود الطويل بانسيابٍ حريري على كتفيها، تتخلله غُرّة خفيفة تستقر على جبينها بانتظامٍ مدروس، تفتح لملامحها مجالًا أوسع لتُرى كما هي… صافية ومربكة في آنٍ واحد. عيناها الواسعتان، بلونهما العميق، كانتا تُخفيان بريقهما كلما ارتسمت تلك الابتسامة الهادئة على شفتيها الوردية الممتلئة، فتغدو ملامحها أكثر التباسًا… بين براءةٍ خادعة وفتنةٍ لا تُقاوَم .
بشرتها الناعمة بدت وكأنها تحتفظ بدفءٍ خاص، لا يبهت تحت الضوء، وأنفها المستقيم منح وجهها توازنًا دقيقًا، بينما خدّاها يكتسبان امتلاءً خفيفًا كلما ابتسمت، فيمنحانها تلك الهيئة المثيرة الفاتنة … مزيجٌ من رقةٍ
أما فستانها البني، فقد انسدل على جسدها بانسيابيةٍ محسوبة، قماشه الناعم يعانق تفاصيلها دون ابتذال، يحدد خصرها بدقة، ثم ينفتح بخفوتٍ نحو الأسفل، تاركًا حركة خطواتها حرة، أكمامه الضيقة حتى المرفق، وخط عنقه البسيط، منحاه طابعًا هادئًا… لكنه لم يُخفِ شيئًا من أنوثتها، بل صاغها في صورةٍ أكثر اتزانًا… وأكثر خطرًا.
أما سابين، فاكتفت بأن تقف إلى جوارها، حضورها مختلف… كان أكثر حدّة.
تقدّمتا.
وتقاطعت النظرات.
نظراتٌ لو كانت نارًا… لأحرقت.
نظرت دالين إلى سابين بطرف عين، فبادلتها الأخرى النظرة ذاتها، وارتسمت على شفتيهما ابتسامة خفيفة، متواطئة.
— يبدو أننا سنحظى ببعض الحركة التي افتقدناها منذ وصولنا لإسبانيا.
قالتها دالين بصوتٍ خافت، بلغتهما الخاصة، دون أن ترفع نظرها.
ضحكت سابين بخفوت، وعيناها تلمعان بتسليةٍ صريحة:
— أخيرًا… بدأت أشعر بالملل. اشتقت قليلًا للفوضى… وللألسنة الوقحة، اخخ صاحبة عيون الحلزون كان لها دور كبير في ملئ حياتنا المملة.
انطلقت ضحكتهما خفيفة، لكنها لم تمرّ دون أثر.
استدار الجميع نحوهما.
وخاصة… سيلينا.
التي كانت نظرتها كفيلة بأن تقتل لو استطاعت.
— اجلسا.
قالها ريكاردو ببرودٍ قاطع.
تحركتا دون جدال.
سحب داميان الكرسي لدالين، جلست بهدوء، دون أن تفلت يدها من يده، ونظرتها مرّت على سيلينا ببطءٍ مقصود، لا يخلو من سخريةٍ صامتة.
جلست سابين أيضًا، تراقب، دون أن تُخفي بريق الاستمتاع في عينيها.
رفعت سيلينا ذقنها قليلًا، ونظرت إليهما بنظرةٍ حادّة، وصوتها خرج مشدودًا، مغلفًا بابتسامةٍ زائفة:
— يبدو أن هناك… ضيوفًا آخرين في هذا القصر.
أومأت ساندرا بهدوء، تلتقط أدوات الطعام بلا إهتمام، ثم قالت بنبرةٍ مهذبة، ناعمة حدّ السُمّ:
— ذوقكما هذه المرة… مثير للاهتمام. لم أكن أعلم أن اختياراتكما… تميل إلى هذا النوع من العشيقات. صغيرات… أكثر مما ينبغي.
توقفت لحظة، ثم أضافت، وعيناها لا تفارقان سابين:
— يبدو أن المعايير… أصبحت أكثر مرونة.
ساد صمتٌ لثانية.
ثم—
— ما بالكِ يا مؤخرة الخنزير؟
قالتها سابين دون أن تغيّر نبرتها، كأنها تُعلّق على تفصيلٍ لا يستحق العناء.
ارتفعت عينا ساندرا ببطء، لكن سيلينا سبقتها، صوتها انفلت حادًا:
— يا لكِ من وقحة! تعلّمي كيف تتحدثين… مكانكِ ليس هنا أصلًا. أمثالكِ أيتها العاهرة في—
قاطعتها دالين، وهي تميل قليلًا للأمام، مرفقها يستند إلى الطاولة، وصوتها هادئ… لكنه يقطر استهزاءً:
— اهدئي يا عجوز… يكفي فقط أن لونكِ يذكرني بالحليب الفاسد.
تجمّدت ملامح سيلينا.
للحظة.
ثم اشتعلت.
— كيف تجرؤين—!
— بجرأةٍ كافية لأقول لكِ… أنكِ تبدين يائسة أكثر مما ينبغي.
ردّت دالين، وعيناها ثابتتان فيها.
— ومن الواضح أن الكرامة… لم تكن ضمن ما جلبته معكِ.
انفلتت ضحكة قصيرة من سابين:
— مؤسف فعلًا… لقد إقتحمها سن اليأس مبكرا يالكِ من مسكينة.
— اخرسي!
صاحت سيلينا، وقد فقدت تماسكها.
تحرك داميان أخيرًا، لكنه لم ينظر إلى دالين.
بل إلى سيلينا.
بمللٍ صريح.
— اخفضي صوتكِ… أو اخرجي.
تجمّدت.
نظر إليها بلا أدنى تردد.
— لا أحد هنا مجبر على تحمّلك.
ارتعشت شفتاها، لكن الكلمات خانتها.
في الجهة الأخرى، رفع ريكاردو كأس الويسكي ببطء، أدار السائل الكهرماني داخله، يراقب انعكاس الضوء عليه قبل أن يرتشف منه بهدوءٍ بارد.
ثم وضع الكأس.
وأخذ الزجاجة.
وصبّ قليلًا… دون أن ينظر إليهن.
— بما أن الحديث بدأ…
قالها بفتورٍ ساخر.
ثم دفع الكأسين قليلًا على الطاولة أمام سيلينا وساندرا.
— فلنختصر الطريق.
رفع نظره أخيرًا.
— هاتان…
توقّف لحظة قصيرة، كأن الكلمة لا تعنيه.
— ستكونان زوجتينا.
ساد صمت.
صمتٌ حقيقي هذه المرة.