رواية تاج في الظل - الفصل التاسع والعشرون - بقلم هبة نبيل | روايتك

اسم الرواية: رواية تاج في الظل
المؤلف / الكاتب: هبة نبيل
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: الفصل التاسع والعشرون

الفصل التاسع والعشرون

"ظل التهديد" ليل اليمامة يغطي الأزقة الملتوية بسواد دامس، والهواء مشبع برائحة التراب والدخان من النيران المشتعلة في المصابيح على أطراف السوق. كل خطوة على الحجارة القديمة تصدر صدى خافتًا، كأن المدينة نفسها تخشى الحركة. في زاوية مظلمة، جلس رجل منحني على الأرض، عيناه تتفحصان كل شيء حوله بلا انقطاع، جسده مشدود، كل أذن تصغي، وكل حاسة في حالة تأهب قصوى. هذا الجاسوس، أحد أتباع بلال، لا يبتغي سوى أن يظل في الظل، يراقب ويجمع أي خبر عن أي تهديد محتمل للملك. كان قلبه يخفق بعنف عندما رأى بين الحشود الرجل الغريب، القميص الداكن، الشال الأسود ملفوف بإحكام حول رأسه، والعينان تتلألأان في الظلام. كلمات الرجل، التي كانت تتسرب إلى آذان العامة، كانت صاعقة على صمت السوق: سليمان (متنكرًا): —إلى متى ستُسحقون تحت أقدام بلال ورجاله؟ إلى متى تتركون أعناقكم لهم، ينهبون خبزكم ودماءكم؟ الجاسوس كان يدون كل شيء بسرعة في دفتر صغير أخفى بين ثيابه: كل كلمة، كل هتاف، كل نظرة، كل ارتجاف. هتافات الحشد بدأت تتصاعد: الحشد: —لن نخضع… لن نخضع… يسقط بلال وأعوانه لن نصمت بعد الآن ارتجف الجاسوس، وعرف أن هذا الرجل ليس مجرد ثائر عابر، بل نار في الظل، وأن كل كلمة، كل حركة ستصل قريبًا إلى قصر بلال لتغير مجرى الأحداث. بعد لحظات، ومع نهاية تجمّع الحشد وتفرقهم بين الأزقة، نهض الجاسوس، قلبه مثقل بالخوف والاندهاش، وعيناه لم تفلت صورة الرجل الغامض، التي بقيت محفورة في ذهنه. كان يعرف أن الوقت لا يسمح بالتأجيل، وأن الخبر يجب أن يصل إلى الملك فورًا. ولم يكن يُدرك ان سليمان كان يراه بطرف عينه من على بعد سار بخطوات متسارعة بين الأزقة المظلمة، متجنبًا أي عين تتطلع إليه، حتى وصل إلى أسوار قصر اليمامه الضخمة، حيث المصابيح المعلقة على البوابات ترسل خيوط الضوء على الحجارة القديمة. وقفت الحرسة أمامه، ورفع رايته الصغيرة، متحدثًا بصوت مرتعش لكنه حازم: الجاسوس: —أطلب مقابلة الملك بلال على الفور… لدي خبر عاجل يخص تهديدًا يلوح في اليمامة. أخذ الحرس يبادله النظرات، ثم أشاروا له بالدخول بحذر. قصر اليمامه كان صامتًا إلا من أصوات خطوات الحرس داخل الممرات الطويلة، والديكور المهيب يزيد من توتره. وصل إلى قاعة العرش، حيث جلس بلال، عينه مليئة بالجبروت المعتاد، لكنه لاحظ توتر الجاسوس فور دخوله. بلال: —من هذا الذي يجرؤ على الدخول في هذا الوقت؟ وما شأنك؟ الجاسوس(وهو يرفع رأسه بتردد لكنه يحاول إظهار قوة): —مولاي… جئت لأحملك خبرًا عن رجل غريب، ثائر غامض ظهر بين الناس في السوق. يتحدث بكلمات أشعلت قلوب العامة ضدك أنت ورجالك، حثّهم على الثورة وحرّضهم على رفض سلطتك بلال اتسعت عيناه، شعر بوخز الخطر يتسلل إلى داخله، وعيناه تجوبان القاعة تبحث عن أي مؤشر للخيانة. صوته ارتفع بنبرة تتقاطع بين الغضب والقلق: بلال: —رجل غريب؟ كيف ظهر بين شعبي دون أن أسمع عنه؟ وكيف يجرؤ على رفع صوته ضدي؟ الجاسوس يميل للأمام، يلتقط أنفاسه بسرعة، ويواصل: —مولاي… هو ليس مجرد متظاهر، كلماته ألهبت الحشود، والناس هتفوا ضدك، ولم يكن أحد يجرؤ على الرد عليه. رأيت عيناه، كل كلمة خرجت من فمه كانت مدروسة… إنه أكثر من مجرد ثائر… إنه خطر مخفي، ظل يتربص في الازقه بلال تراجع قليلًا على عرشه، صوته أصبح هادئًا لكنه حاد: —ظل؟! هل تقول إن هناك من يجرؤ على تحدي؟ من هذا الرجل الذي أسمع عنه؟ الجاسوس: —لم أعرف اسمه، مولاي… لكن تأثيره واضح، والحشود استجابت له. أعتقد أنه يختبئ في الظلال… ربما رجل واحد، ربما أكثر، لكنه يملك قدرة على النفوذ بين الناس لم أر مثلها. بلال ضغط على ذقنه بيديه، يتنفس ببطء، أعين الحرس تتجه نحو وجهه، يراقبونه وكأنهم ينتظرون قراره. قال أخيرًا، كان صوته منخفضًا لكنه حازم: بلال: —إذاً… لقد حان الوقت لأن أرى من يجرؤ على تحديني بهذه الجرأة. تأكد أن من يمسني سيعرف من أنا… وسترى اليمامة أن الملك لا يرحم من يهدد سلطانه أأتوه بي إلي هنا الجاسوس، مرتجفًا لكنه ملتزم، انحنى باحترام: —على الفور يا مولاي ابتسم بلال ابتسامة باردة، عينيه تتوهجان بالغضب والريبة، وتملأ القاعة صمت ثقيل، كأن المدينة نفسها توقفت لتسمع قرار الملك، بينما في أزقة اليمامة لا يزال الثائر الغامض يتلاعب بالظلال، مجهولًا، لكنه حاضر في كل قلب ينبض بالحرية. "فخ مملكة الفيروز" في قصر الفيروز، حيثُ الأروقة الواسعة تعكس ضوء المشاعل على الجدران المزخرفة، والهدوء يسود المكان إلا من صوت خطوات الملك هاشم الواثقة على الأرضية الرخامية. جلس على عرشه، عينيه تتأملان النقاط على الخريطة، يخطط بعناية لكل حركة، وكل فخ يمكن أن يُوضع أمام بلال. هاشم: —سيأتي كما أتوقع… عقل الملك لا يترك فرصة دون أن يغريه، ورسائلي ستصنع تلك الفرصة. أمسك الرق، وبدأ يكتب رسالة بعناية، كل كلمة فيها مدروسة، كل سطر يزرع الفضول في قلب بلال أكثر هاشم: —هذه الرسالة ستجعله يأتي إلى هنا بنفسه… سيراوغ بدهاء، ولن يعرف أن كل خطوة يقودها حين يصل، سأكشف له… عن خيانته وخيانته رجاله… عن كل ما خبأ من ظلم وطمع وقف خادمه المخلص إلي جانبه، مندهشًا من هدوء الملك وتركيزه: —مولاي… هل أنت متأكد أن بلال سيأتي؟ هاشم (يبتسم ابتسامة خبيثة، عيناه تتوهجان بدهاء): – متأكد تمامًا… هذا الطبع فيه. لا يمكن لفضوله أن يقاوم فرصة التحدي. سأجعله يظن أنني أمدحه أو أقدّر سلطته، بينما الحقيقة أنني سأكشف له كل خيانته. رفع يده نحو الخريطة، وأشار إلى حدود المملكة وطرقها: هاشم: —سأجعله يخطو خطوة خلف خطوة، يعتقد أنه المتحكم، لكنه في كل لحظة… في قبضتي أنا. والآن… خذ الرسالة، دعها تصل إليه كما رُسمت… ودعه يأتيني بنفسه. ابتسم الخادم بارتياح، وهو ينسحب لتنفيذ أوامر الملك. هاشم جلس مرة أخرى، يضع ذقنه على يده، ينظر عبر نافذة القصر إلى الأفق البعيد، ويهمس لنفسه: —بلال… حين تصل، سترى أن مملكة الفيروز ليست مجرد أرض… إنها فخّ مرسوم لكل من يظن أنه يفلت من الخيانة. وستعرف أن من ظن نفسه قويًا… هو في الحقيقة على أعتاب فضيحة ستكشف كل أوراقه. الهدوء يملأ القصر، لكن في الهواء توتر خفي، الرسالة في الطريق، والملك بلال سيخطو إلى مملكة الفيروز… ليجد نفسه بين شباك الذكاء والدهاء، حيث الخيانة والتحدي بانتظاره في كل خطوة. "قرب الظل" قصر النور، جناح الملك فهد. الشموع المعلقة على الجدران ترسل وهجًا خافتًا، والظلال تتراقص على الأرض والسقف. فهد يجلس في جناحه خلف مكتبه الخشبي الثقيل، عينيه تتبعان كل حركة في الغرفة، صوته منخفض لكنه حازم. فهد: —معوض… أريد أن يأتي ليث إلى هنا. أريد أن أراه عن قرب، أن ألاحظ كل حركة، كل كلمة، كل نظرة. معوض (ينحني باحترام، صوته متردد): —مولاي… هل تعتقد بأنه سيكون مستعد للمقابلة؟ قد يشعر بالارتباك أمامك. فهد يبتسم ابتسامة خفية، عيناه تتوهجان بشغف دفين: فهد: —هذا ما أريده بالضبط يا معوض… أريد أن أراه كما هو، بلا وسطاء، بلا تقارير.اريد ان اراه طبيعياً، دعوه ان يأتي، وسأرى من هو هذا الشاب الذي يتحرك بين جنود المملكة بصمت وقوة. معوض يحرك رأسه: —كما تأمر يا مولاي. سأرتب له القدوم فورًا. فهد يضع كفه على الطاولة، صوته أخف من همسة لكنه يحمل لهفة الأب الذي يراقب وريثه لأول مرة: —أريد أن أعرفه عن قرب، أن أرى كيف يفكر، كيف يتصرف… كل التفاصيل مهمة، حتى ولو لم يعرف أنه وريثي، سأتعرف عليه خطوة خطوة، سأعرفه كما لم يعرفه أحد من قبل. معوض يبتسم بعمق، يعرف شغف الملك، ويغادر ليجهز اللقاء، بينما فهد يبقى جالسًا، عيناه معلقتان بالفراغ، كأنه يرى في كل ظل حركة لابنه ، قلبه يتخبط بين حذر الملوك ولهفة الآباء. "وصول الرسالة" داخل قصر اليمامه وفي قاعة العرش.الليل يثقل على الجدران العالية المزينة بالرايات السوداء، والمشاعل المعلقة تبعث لهبًا يرتجف على الأرضية الحجرية وكأنه أرواح هائمة. يدخل مبعوث ملك الفيروز بخطوات مترددة، يحمل في يده لفافة مختومة بالشمع الأخضر الحارس الأكبر يضع رمحه عرضًا أمامه. الحارس: —قف، من أنت؟ المبعوث (ينحني قليلًا): —مبعوث من عند الملك هاشم… أحمل رسالة عاجلة إلى مولاي الملك بلال. تتبادل العيون حوله نظرات ارتياب، قبل أن يسمحوا له بالعبور. يدخل بخضوع إلى القاعة الملكية برفقه الحراس حيث يجلس بلال على عرشه، ظهره مستقيم وعيناه حادتان. إلى جانبه يقف حارسه الخاص سليمان، متخفيًا خلف قناعه الأسود، ساكنًا كتمثال، لا يظهر منه سوى بريق عينين تراقبان كل شيء. المبعوث (ينحني قليلا ، ثم يمد يده باللفافة): —هذه رسالة شخصية من الملك هاشم يا مولاي. بلال يمد يده الثقيلة ويأخذ الرسالة. يتفحص الختم الأخضر لثوانٍ قبل أن يكسره. يسحب الورقة ببطء، يبدأ بالقراءة بصوت منخفض. عيناه تتحركان بين السطور ببطء شديد، وكلما تقدم في القراءة، بدا التوتر على ملامحه. بلال (بصوت خافت يقرأ وكأنه يتهجّى المعنى): — من هاشم بن حماد الساري ملك الفيروز إلى أخي ورفيقي في العهد الملك بلال ملك اليمامه… آن الأوان أن نتحاور وجهًا لوجه. أدعوك للحضور إلى مملكة الفيروز، فهناك أمور جلل لا تُحكى بالرسائل. احذر من رجالك قبل أعدائك… فالخيانة أقرب إليك مما تظن. يصمت بلال فجأة. تتجمد القاعة للحظة. يطوي الرسالة بعنف حتى تتكسر حوافها. عينيه تشتعلان بوميض الشك، وصوت أنفاسه يعلو. سليمان يخطو خطوة صغيرة للأمام، ينحني قليلًا بصوت مطمئن، لكنه يضع كلماته بحذر: —مابك يا مولاي هل حدث شئ؟ بلال يرفع رأسه إليه ببطء، عيناه تتقدان بلمعة غامضة: —سأذهب بنفسي إلي مملكة الفيروز أريد أن أعرف ما الذي يدبّره هاشم ولماذا يردني المبعوث ما يزال منحنيا ينتظر. يلوّح بلال بيده بصرامة. بلال: —انصرف… وقل لملكك، إنني قادم. المبعوث ينحني بعمق أكثر ثم ينسحب سريعًا، كمن يهرب من فم الوحش. الباب يغلق خلفه بصرير ثقيل. يسود صمت. يظل بلال ممسكًا بالرسالة، يطرق بأصابعه على ذراع العرش، بينما عيناه معلقتان في الفراغ. سليمان يتأمل ملامحه من وراء القناع، ثم يخفض بصره قليلًا، وكأنه يحدث نفسه في أعماق قلبه: —لماذا يستدعيك هاشم يا بلال؟ هل هو فخ ينصبه لك، أم لعبة أكبر بين الممالك؟ ولماذا الآن… والدم ما زال ساخنًا بينك وبين خصومك؟ يميل رأسه قليلًا، يحبس أنفاسه للحظة، ثم يرفع عينيه ثانيةً ليراقب بلال، متأكدًا أن الرحلة القادمة نحو مملكة الفيروز ستفتح أبوابًا مظلمة لم يكن يتوقعها أحد. "عرض الملك" قصر النور وفي قاعة العرش الأعمدة البيضاء ترتفع شامخة، يتدلى منها ستائر حريرية بلون الأحمر والشموع تضيء بألسنة هادئة تنعكس على الزجاج المزخرف. يقف الحرس على جانبي القاعة في صمت مهيب. يدخل ليث بخطوات واثقة، صدره مرفوع، عيناه ثابتتان رغم شعوره برهبة الموقف. يقف أمام العرش حيث يجلس الملك فهد، تاجه الذهبي يلمع تحت الضوء، وملامحه مشدودة بين الوقار والدفئ والبحث في الملامح. بجانبه يقف معوض، عاقدًا يديه خلف ظهره. ونزار على الجانب الأخر فهد ينظر إليه مطولًا، صوته عميق يملأ القاعة: —اقترب يا عمار ليث (يتقدم بخطوة ثابتة، ثم ينحني برأسه احترامًا): —أمر مولاي. فهد يبتسم ابتسامة خفيفة، لكنها تخفي توترًا داخليًا، يتأمل عينيه طويلاً كأنه يفتش عن ظل من ماضيه: —لقد سمعت عنك الكثير… شجاعتك، براعتك في القتال، وولاؤك للمملكة. ليث (يرفع بصره بثبات): —شرف لي أن يسمع مولاي عني. فهد ينهض من على العرش، يخطو نحوه ببطء، وكل خطوة تحمل وزن مملكة كاملة. يقف أمامه مباشرة، يمد يده الأثنان ويضعهما على كتفه بقوة خفيفة: —أريدك أن تكون قربي، يا عمار… ليس جنديًا عاديًا بين الصفوف، بل حارسي الشخصي. ذراعي الذي يصد عني الشرور، وعيني التي لا تنام. يتوقف، يحدق في عينيه عن قرب بلمعة مشاعر مكبوتة ثم يتابع قائلاً: —أحتاج إلى رجل مثلك… بجانبي دائمًا. ليث يتردد للحظة، ينظر إلى الأرض ثم يعود ببصره نحوه: —هذا شرف عظيم يا مولاي، ولكني أخشى أن لا أكون أهلًا لهذه الثقة الكبيرة. فهد( يبتسم نصف ابتسامة، صوته يخرج بحنان مبطن بصرامة): —ستكون أهلًا وأكثر، وستعرف قريبًا أن هذه الخطوة قد تغير قدرك كله. معوض يتابع بصمت، يخفي ارتجاف عينيه، كأنه وحده يعرف أن هذه اللحظة ليست مجرد تكليف… بل بداية لقاء الأب بابنه دون أن يُدرك الابن ذلك بعد. القاعة تصمت من جديد، والقرار أصبح مُعلنًا: عمار هو… حارس الملك فهد الشخصي "اعترافات متقاطعة" داخل قصر النور في شرفة عالية مطلة على حدائق غارقة في السكون. الليل ناعم والنجوم متلألئة، والقمر كأنه مرآة فضية تراقب بصمت. نسيم بارد يتخلل الأزهار المعلقة على الشرفة فيحمل عبير الياسمين إلى صدري سهام وغفران. جلستا متقاربتين، كل منهما غارقة في دوامة مشاعرها. سهام تنظر إلى الفراغ أمامها، ثم تعود بعينيها إلى يديها المرتجفتين. سهام: —غفران… هناك شخص قلب حياتي رأسًا على عقب. لم أعد أفكر إلا فيه، حتى صوت خطواته صار يملأني راحة وكأنني أسمع موسيقى خفية. غفران تلتفت إليها ببطء، وعيناها تتسعان قليلًا، يخفق قلبها أسرع. في داخلها تتوهم أن سهام تتحدث عن سليمان. تبتسم بخفوت يخالطه القلق. غفران: —كأنك تعبرين عني… فأنا أيضًا هناك شخص، إذا غاب شعرت أنني وحيدة، وإذا حضر لا أقوى على النظر في عينيه، أخشى أن يفضحني صمتي. سهام تتنفس بعمق، يعلو وجهها خجل رقيق، تتذكر لقاءاتها مع عمار: —أخاف من هذا الشعور يا غفران، أخاف أن يُفهم خطأ لكن كلما ابتعد عني… أشتاق أكثر. كأنه شيء فوق إرادتي. غفران تخفض بصرها نحو يديها المشدودتين، تستحضر صورة سليمان في مخيلتها، وتغالب دمعة تهدد بالسقوط: —وأنا… كل لحظة تمرّ أشعر أنني على وشك فقدانه. كأن القدر يترصدني ليحرمني منه. لا أعلم كيف أعيش بدونه، ولا أملك الشجاعة أن أقول له ما في داخلي. صوت الريح يمر بين أغصان الأشجار، يملأ الفراغ بصدى يضاعف وقع الكلمات. لحظة طويلة من الصمت تسود بين الأختين، لا تسمع فيها إلا نبضات قلبيهما المتسارعة. سهام ترفع رأسها وتنظر إلى السماء المرصعة بالنجوم، يعلو وجهها نور رقيق، ثم تقول وكأنها تبوح بسر دفين: —أحيانًا أتخيله يقترب مني ليحميَني من كل شيء. أرى في عينيه وعدًا بالأمان. غفران تغمض عينيها، ترى في مخيلتها وجه سليمان. تهمس بصوت مرتجف: —وأنا أراه دائمًا فارسًا، لو علم بما في داخلي… ربما تغير كل شيء. كلمات تتقاطع، لكن دون أن تلتقي. كل واحدة تظن أن الأخرى تتحدث عن نفس الشخص، بينما القدر ينسج خيوطًا متباعدة، قريبة حدّ الالتباس، وبعيدة حدّ الفقد. في النهاية، سهام تبتسم وهي تضم كفيها إلى صدرها. غفران تترك تنهيدة حبيسة تتسرب ببطء من بين شفتيها. كلاهما غارق في وهم أن الأخرى تشعر بما تشعر به هي نفسها. "كابوس العرش" قاعة العرش وفي مملكة اليمامة كان الليل يطبق على المكان ككفن أسود، والمشاعل المعلقة على الجدران ترسل ضوءًا مرتجفًا متقطعًا، كأنها تلهث من شدة التعب. أصداء الريح تتسرب من بين النوافذ العالية، فتزيد من رهبة القاعة التي بدت كمدينة أشباح. خطوات بلال تتردد وهو يدخل ببطء، جسده مثقل بالريبة وعيناه تتفحصان المقاعد المزخرفة والأعمدة الصامتة، وكأنها عيون خفية تراقبه. قلبه يخبط في صدره كطبل حرب، والعرق يتصبب من جبينه حتى سال على وجنتيه. فجأة… تتجمد عيناه. هناك، في نهاية القاعة على العرش الملكي. يجلس سليمان … بلا قناع هذه المرة، بوجه مكشوف يفيض مهابة. ملامحه صارمة كقوانين القدر، وعيناه تتقدان بوميض يفضح ضعف خصمه. بدا كأنه خارج من بين دخان الأساطير، مبعوثاً للعدالة لا يعرف الرحمة. يتنفس بلال بصعوبة، يتراجع خطوة، لكن قدميه تقودانه للأمام رغمًا عنه. يمد يده المرتجفة كأنه يريد لمس العرش ليتيقن من الحقيقة. وفجأة، ينهض سليمان. صوته في الداخل يدوي كالبرق، ووقع خطواته يهز القاعة. يقترب بخطوات متزنة، ثم يندفع في لحظة كالصاعقة، يمسك بلال من ثوبه ويجذبه نحوه حتى يسقط أرضًا كمن جرفه طوفان. صرخة مذعورة تتعلق في حلق بلال، لا تخرج كاملة، تنكسر كأنها ماتت قبل أن تولد. سليمان يضع حذاءه فوق رأس بلال، يضغط بقوة بطيئة، كأنه يسحق كبرياءه ويطأ تاريخًا كاملًا من الطغيان والدماء. سليمان بصوت جهوري كالقدر: —لن أسمح لك أنت ولا رجالك أن تقتربوا من شعبي بعد الآن. كل قطرة دم ارقتها ستعود إليك لعنة لن تُدنس مملكتي وان فعلت لإجعلك عبره لمن لا يعتبر… وأنا أمامك الدليل يتشنج جسد بلال، يرتعش كأنه تحت بركان يغلي. عيناه تكادان تخرجان من محجريهما، وأنفاسه تتقطع في لهاث مذل. يحاول أن يصرخ، أن يطلب من ينجده، لكن لا يخرج منه سوى أنين مختنق. ينحني سليمان فجأة، يضع كفه الثقيلة على فم بلال، فيخنق آخر خيط لصوته. يتسارع خفقان قلب بلال حتى يكاد يقتله من الداخل. العرق يغمره، ودموع صغيرة تتجمع في عينيه، وهو عاجز بين يدي رجل يطأه بقدمه القاعة تسكن تمامًا. حتى اللهب في المشاعل يخفت، الظلال تزحف كأنها تحيط ببلال وتحبسه في قفص من لهب.. وفجأة… يصرخ بلال صرخة هائلة، فينتفض من نومه جالسًا على فراشه. جسده مبلل بالعرق، عيناه تدوران في أرجاء الغرفة بجنون، يبحث عن العرش، عن سليمان، عن أي أثر للقاعة… فلا يجد إلا نفسه وسط ظلام جناحه يضع يده المرتجفة على صدره، أنفاسه تتلاحق، وصوته يخرج متهدجًا مرتعشًا: —كان هنا… سليمان كان هنا ثم يدفن وجهه بين كفيه، جسده ما زال يرتجف، يوسوس لنفسه أن ما رآه لم يكن حلمًا عابرًا، بل نذيرًا من الغيب، إنذارًا صريحًا باقتراب هزيمته وسقوط عرشه. "يقظة المرتعش" جلس بلال على حافة فراشه، يلهث وكأن صدره يشتعل من الداخل. مازال العرق يتصبب من جبينه وينحدر على وجنتيه، بلل ثوبه حتى التصق بجسده. يداه ترتعشان وهو يمسح وجهه بعنف كأنه يريد محو صورة سليمان من أمام عينيه. قام مترنحًا، اقترب من إبريق الماء الموضوع على الطاولة، صبّ بيد المرتجفة في الكأس وسكبه دفعة واحدة في حلقه، لكن حتى الماء لم يطفئ النار المشتعلة في صدره. بلال بصوت مرتجف، يحدث نفسه: —كان هنا… رأيته… جلستُ عند قدميه كعبد ذليل… لا، لا يمكن أن يكون حلمًا فقط… لا يمكن. توجه بخطوات متعثرة نحو النافذة الكبيرة، دفع الستائر الثقيلة بعنف، فاندفع ضوء القمر يغمر الغرفة. وقف يحدق في الساحة المظلمة أسفل القصر، يبحث بعينيه في كل ظل، في كل زاوية، كأنه يتوقع أن يرى سليمان يخرج من العتمة الآن ويقف أمامه. لكن الساحة ساكنة… لا أحد. سوى صمت يثقل الليل. عاد إلى الداخل، جلس على كرسي ويداه تغطيان رأسه. أنفاسه كانت متلاحقة، عيناه زائغتان. فجأة، رفع رأسه ببطء، وكأن فكرة قاتلة غزت عقله. بلال (بهمس حاد): —سليمان لا ينام… هو يطاردني حتى في أحلامي. إنه يقترب… يقترب أمسك جرسًا صغيرًا بجانبه، دقّه بعنف، فدخل أحد الخدم على الفور، ينحني بوجل. احدي الخدم: —أمرك يا مولاي؟ يركض بلال نحوه فجأة، يمسكه من كتفيه بعينين متسعتين من الرعب. بلال: —قل لي… هل رأيت أحدًا يدخل القصر الليلة؟ هل كان أحد هنا؟! ينظر الخادم بخوف، يتلعثم: —لا يا مولاي… لم يدخل أحد. القصر في حراسة مشددة… يتركه بلال ببطء، يترنح للخلف، يضحك ضحكة قصيرة مجنونة، ثم يسقط على الكرسي من جديد. بلال (مخاطبًا نفسه): —لا أحد يراه غيري… لا أحد يسمع صوته غيري… لكنه حقيقي… حقيقي أكثر من كل شيء. يرفع رأسه للسماء، عيناه دامعتان، وصوته يخرج كأنه اعتراف مذل: بلال: —سليمان… سيأخذ عرشي… سيقتص مني. جلس وحده، ضوء القمر يغطي وجهه الشاحب المرتعش، كملكٍ مطاردٍ من شبحٍ لا يرحم، لا يختفي حتى في صحوه.