الفصل السابع والعشرون
"بين الشك والدهاء"
في قاعة العرش المهيبة بمملكة اليمامة، حيث تتدلى الأعلام من السقف العالي وتتصاعد أصداء وقع الأقدام في فراغ المكان، جلس بلال على عرشه المزخرف بالذهب والعاج، متكئًا إلى الخلف كمن يملك الدنيا بين يديه. وإلى جواره، واقفًا في ثيابه السوداء المهيبة، كان سليمان في هيئة الحارس الغريب، كظلٍّ لا يفارقه، عيناه تترصد كل حركة، ونبضه يسبق كل خطوة.
رفع بلال يده إشارة إلى أحد قواده الذي تقدّم بخضوع، ثم قال بصوت يقطر كبرياءً:
بلال:
—لقد بلغني أن بعض التجمعات في الأسواق تتحدث باسم "سليمان"، وكأنهم يتمنون عودته من جديد. ألا يعلم هؤلاء أن من يحكمهم الآن هو بلال وحده؟!
انحنى القائد بسرعة، صوته مرتجف:
—نعم يا مولاي، همساتٌ متفرقة لا أكثر… سنقضي عليها في مهدها.
ابتسم بلال ابتسامة ماكرة، ثم التفت ببطء نحو سليمان، وكأنما أراد أن يقرأ في عينيه ما لا يُقال.
بلال:
—ما رأيك أيها الحارس؟… هل ترى أن هؤلاء الغوغاء يستحقون العقاب؟
تقدّم سليمان خطوة للأمام، صوته هادئ لكن يحمل وقعًا أثقل من السيوف:
سليمان:
—الخوف لا يُسكِت القلوب يا مولاي… قد يُخرس الألسنة، لكنه يزيد النار اشتعالًا في الصدور. وإن أردت أن تدوم لك السيطرة، فلتكن عيناك سابقة على كل خطر، لا سوطك وحده.
تغيّر وجه بلال قليلًا، ارتسمت على شفتيه نصف ابتسامة لم تُخفِ ارتباكه. تظاهر بالضحك، وضرب بيده على ذراع العرش:
بلال:
—كلماتك حادة أيها الغريب… لكن فيها حكمة. ربما لهذا صرت لا أطيق بُعدك عن ناظري.
ساد صمت قصير، قطعه دخول مبعوث يحمل رقعة مختومة بالشمع. انحنى وقدّمها لبلال.
المبعوث:
—مولاي، أخبار عاجلة من أطراف المملكة.
مدّ بلال يده، لكن سليمان كان أسرع كعادته؛ التقط الرقعة، فحص الختم بعينٍ مدققة، ثم قدّمها للملك. لحظة قصيرة مرّت، لكنها جعلت بلال يعضّ على شفتيه غيظًا، فهو لم يعتد أن يسبقه أحد.
فتح بلال الرسالة، قرأها ببطء، ثم نهض من مكانه غاضبًا.
بلال:
—رجاله ينهبون الأسواق بلا إذن! هؤلاء القادة يظنون أن بلال غافل؟!
سليمان (بنبرة حادة لكنها متزنة):
—إن لم تُمسك بزمام رجالك، يا مولاي، فستجد نفسك محاطًا بذئاب تنهشك من الداخل قبل أن يجرؤ أحد على الهجوم من الخارج.
ارتجف الجو في القاعة، وكأن الجدران ابتلعت كلماته. نظر بلال إلى سليمان طويلًا، وكأن عقله يصرخ: من يكون هذا الغريب الذي يتكلم كأنه يملك العرش؟… لكنه أخفى شكوكه بابتسامة متكلّفة، وأشار إلى الجميع بالانصراف.
أما سليمان، فقد بقي واقفًا، عيناه تلمعان ببريقٍ غامض، كأنما يعرف أن كل كلمة قالها لم تكن إلا خطوة أخرى في طريقٍ خطّته الأقدار… ليكون أقرب ما يكون من قلب عدوه، وأسبق منه بخطوة.
"غفران بين الصدمة والحنين"
في جناح صغير يطل على حدائق القصر الغنّاء، جلست غفران وحدها قرب النافذة، والضوء الذهبي لشمس المغيب يتسلل عبر الستائر نصف المسدلة، يرسم خيوطًا متكسّرة على أرضية الرخام. كانت أصابعها تعبث بلا وعي بخيوط ثوبها، وعيناها زائغتان كأنهما تلاحقان أطيافًا بعيدة.
تتردّد في ذهنها كلمات كارمن الثقيلة: هو ليس نصر الدين كما تعرفينه… هو سليمان، ملك اليمامة.
تسارعت أنفاسها وهي تستعيد ذلك المشهد؛ قلبها لم يعد قادرًا على التفرقة بين فرحة المعرفة ومرارة الخوف. رفعت يدها إلى صدرها كأنها تحاول تهدئة دقاته الهائجة، ثم همست لنفسها:
غفران:
—سليمان… ملك؟! وكيف لي أن أصدّق أن الرجل الذي قاتل بجانبي، وحمل عني السيوف، كان يخفي كل هذا عني؟
خرجت من الغرفة متثاقلة الخطوات، وجالت في ممرات القصر كمن يهرب من صوته الداخلي. كل زاوية مرّت بها بدت كأنها تذكّرها بلحظة جمعتها به: عند البحيرة، في المعركة، في نظرة صامتة عبر الأعين.
توقفت عند نافورة في قلب الحديقة، وجلست على حافتها، عيناها تتأملان الماء المتراقص. لم تشعر بدموعها وهي تسيل حتى بلّلت وجنتيها.
غفران (بصوت مرتعش):
—لماذا لم تقل لي يا سليمان؟! أكنت تخشى ضعفي… أم كنت تخشى أن أخذلك إذا عرفت حقيقتك؟
في تلك اللحظة مرّت سهام بخفة، وقد التقطت لمحة من دموع غفران اقتربت مسرعة، وضعت يدها على كتفها بحنان.
سهام (بقلق):
—غفران… ما بكِ؟ منذ أيام وأنتِ شاردة الذهن، وكأنك تهيمين في عالم آخر.
ابتسمت غفران ابتسامة باهتة، وأجبرت نفسها على مسح دموعها.
غفران (بهدوء مصطنع):
—لا شيء… فقط بعض التعب. لا تقلقي، يا سهام.
لكن سهام لم تقتنع، فجلست إلى جانبها، تحاول استدراجها إلى الحديث، بينما غفران كانت تصغي بجسدها وتغيب بعقلها، قلبها يتأرجح بين فرحة وبين رعبٍ مما ينتظره إذا استمر في طريقه كانت تعرف في أعماقها أن هذا الصمت لن يدوم، وأنه سيحين وقت المواجهة، سواء بينها وبينه… أو بينها وبين القدر الذي قرّر أن يجعلها شاهدة على سرّ لا تحتمله.
"نداء بالأعتذار"
في كوخها القابع بين غيطان الزيتون، جلست كارمن أمام بلورتها، والنيران الصغيرة في الموقد تلقي بظلال راقصة على جدران الطين. كانت ملامحها هذه المرّة مختلفة، لم يكسها المكر المعتاد ولا الغموض المثير، بل خليط من الأسى والاعتذار.
وضعت كفيها على البلورة، وأغمضت عينيها ببطء، ثم همست بنداءٍ خافت، كأنها تخاطب روحًا بعيدة تعرف أنها ستصغي:
كارمن ( بصوتٍ متهدّج):
—سليمان… يا ملك اليمامة، يا من خبّأت اسمك خلف قناع القائد نصر الدين… اعذرني. لم يكن في نيّتي أن أفضح سرك لغفران.
تنهّدت بعمق، ثم أضافت، وكأنها تسوّغ فعلتها:
كارمن:
—لكنها تحبك، وقلبها معلّق بك كما الروح بجسدها. كان لزامًا أن تعرف حقيقتك، لئلا يلتهمها الغموض ويثقل صدرها بالانتظار. لم أرد لها أن تحارب وحدها في ظلال الحيرة، أو أن تظل سجينة السؤال.
رفعت رأسها قليلًا، وحدّقت في النيران، كأنها تنتظر ردًّا لا يأتي.
كارمن (بنبرة أصدق من أي وقت مضى):
—ربما أخطأت… وربما تجاوزت حدودي. لكني أقسم أن دوافعي لم تكن إلا من أجل قلبها، ومن أجل قلبك أنت أيضًا. أردت أن تصير الحقيقة جسرًا بينكما، لا جدارًا يفصل بين خطاكما.
سكتت لحظة، ثم وضعت يدها على قلبها، وابتسمت ابتسامة حزينة:
كارمن:
—إن كان لا بد من عتابك لي… فليكن الآن، في هذا السكون. لكن اعلم، يا سليمان، أنني لم ولن أكن خصمًا لك. أنا فقط العرّافة التي ترى القلوب، وتختار أن تقول ما تراه حين يحين وقته.
وبينما انطفأت جمرة في الموقد، بدا كأن النداء قد وصل إلى وجهته، وأن كلماته ستعانق قلب سليمان في مكانه، ليعرف دوافعها ويستشعر صدق اعتذارها.
“المطالبة بالحرية"
في الغرفة السرية بالقصر، وقف سليمان أمام الصندوق الخشبي الذي اعتاد أن يخفي فيه ملابسه البسيطة. خلع ثوب الحرير الملوكي، وارتدى قميصًا قطنيًا قديمًا وبنطالًا داكن اللون. شدّ حزامًا بسيطًا حول خصره، ثم أخذ شالًا أسود ولفّه بإحكام على وجهه، تاركًا عينيه فقط تشعان بوهجٍ غامض.
فتح الباب الخفي بخطوات حذرة، وسلك الممر الطويل الذي يقوده إلى خارج أسوار القصر. وما إن وطئت قدماه أزقة المملكة حتى استقبله صخب الحياة اليومية؛ أصوات الباعة تنادي بسلعها، صرخات الأطفال تملأ الفضاء، وأنين النساء يتردد مع رائحة الخبز المحترق. مشى بينهم كواحدٍ منهم، حتى بلغ الساحة القديمة حيث اعتاد الناس التجمع.
توقف، وحوله بعض الرجال الذين أثقلت وجوههم الهموم. وقف بينهم شامخًا، صوته هادئًا في البداية ثم أخذ يزداد قوة وثباتًا:
سليمان:
—إلى متى ستظلون أسرى للجوع؟ إلى متى ستصمتون على حقٍ مسلوب؟ إن بلال يظن نفسه ملكًا عليكم، ولكنه في الحقيقة يعيش على ضعفكم. يوم تجتمعون صفًا واحدًا، لن يجرؤ على الوقوف في وجهكم.
شيخ مسن، بعينين متوجستين:
—كلامك هذا خطر يا بني… من حاولوا قبلك انتهى بهم المطاف في السجون أو المقابر.
سليمان، وعيناه تلمعان خلف الشال:
—لا جئت أخيفكم، بل جئت أطمئنكم. الثورة قادمة، وموعدكم معها قريب. وحين يحين وقتها… ستجدونني في الصف الأول معكم.
ساد صمتٌ ثقيل، تبادلت العيون نظرات مترددة، ثم ارتفع همسٌ بين بعض الشبان، كأن الأمل بدأ يتسلل إلى صدورهم. ومن الخلف انطلقت همسة خافتة من امرأة عجوز:
—لعلّه الرجل الذي ننتظره.
ابتسم سليمان تحت الشال ابتسامة لم يرها أحد، ثم بدأ ينسحب بخطوات هادئة. غير أنّ جسده ارتجف فجأة، إذ اخترق روحه صوتٌ داخلي، ناعمٌ كالنسيم، لكن قويّ في أثره. لم يكن من بين الناس ولا من الساحة، بل نداءً روحيًا تسلل إلى أعماقه:
نداء كارمن:
سامحني يا سليمان… لقد كشفت سرك لغفران. لم أستطع أن أتركها تائهة في الظلام، وهي أشد الناس حاجةً إلى أن تعرف حقيقتك. لم أفعلها خيانة، بل فعلتها لتبقى حيًا… ولتجد من يسندك حين تضعف.
توقف سليمان في منتصف الطريق، عيناه تشتعلان بالحيرة خلف الشال. خفق قلبه بعنف، وحدث نفسه في صمتٍ متألم:
—كارمن… حتى أنتِ؟
شدّ الشال أكثر على وجهه، وأسرع بين الأزقة كظلٍّ يتوارى، فيما العاصفة في داخله تعصف بين غضبٍ مكتوم وإيمانٍ بأن طريقه لم يعد خفيًا كما كان.
"نزهة في الليل"
كانت حدائق القصر مغمورة بضوء القمر، تتلألأ أوراق الأشجار كأنها مصقولة بالفضة، وتتمايل الزهور برفق مع نسيم الليل. سارت سهام بخطوات هادئة إلى جوار عمار، والهدوء يلف المكان إلا من خرير نافورة صغيرة في الوسط.
سهام (مبتسمة بخجل):
—الليل هنا يختلف يا عمار… كأنه يهمس للقلوب ويكشف ما تخفيه.
عمار (وهو يشيح بوجهه قليلًا كأنه يخفي اضطرابًا):
—الليل مرآة يا سهام، يريكِ حقيقتكِ حين يهدأ كل شيء. ربما لهذا أحب التجول فيه.
توقفت سهام لحظة، ونظرت إلى السماء حيث النجوم متناثرة، ثم قالت( بصوتٍ يحمل شيئًا من الصدق الطفولي):
—أشعر أنني أتعرف على نفسي من جديد منذ عرفتك… كأن هذه الأيام تعيدني إلى حياةٍ لم أذقها من قبل.
عمار (بابتسامة دافئة):
—وأنا أيضًا… لم أظن أن القصر يمكن أن يمنحني لحظات سلام كهذه.
في هذه اللحظة، كان الملك فهد يقف عند إحدى نوافذ جناحه العالي، يراقب بصمت. انعكست صورة القمر على زجاج النافذة، فيما عيناه تتابعان خطواتهما المتناغمة. ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيه، مزيجٌ من رضا وحنين، كأنه يرى في ذلك المشهد ذكرى بعيدة مضت من عمره.
ظل واقفًا للحظة، ثم تنهد بعمق وهمس لنفسه:
—لعل القدر يمنح هذه القلوب ما حُرمت أنا منه.
وأدار ظهره ببطء، تاركًا ضوء القمر ينساب عبر النافذة ليبقى شاهدًا على تلك اللحظة الدافئة.
"وجهاً لوجه"
كان الليل قد أثقل جدران القصر الملكي، وألقي على أروقته هالة من الصمت الموحش. في الخارج، كانت خطى الحراس تتردد بانتظام على أرضية الممرات، وصوت الريح يتسلل من بين النوافذ العالية كأنها همس مجهول. أما داخل الجناح الملكي، فقد كان السكون أعمق، لا يُسمع سوى أنفاس بلال وهو يغرق في نومٍ مضطرب، كأن كوابيسه لا تفارقه.
تسلّل سليمان في خفاء، خطواته ثابتة لا تُسمع، حتى بلغ الباب الثقيل. دفعه برفق، وانساب داخل الجناح، عينيه تشعان بوميضٍ حاد كأنه قادم من ظلامٍ أبعد من الليل. اقترب من السرير الملكي، حيث استلقى بلال مستسلمًا لسلطانه ولأوهامه، حتى جلس سليمان إلى جانبه بوجه مكشوف.
رفع يده، ثم هوت صفعة قاسية على خدّ بلال، تبعتها أخرىات أشد إيلامًا، فتقلب الملك في نومه مذعورًا، حتى فتح عينيه فجأة، واتسعت حدقتاه كمن يرى شبحًا خرج من أعماق كوابيسه.
بلال ( متلعثمًا، عيناه جاحظتان):
—لا… لا يمكن… أنت… أأنت سليمان؟!
سليمان ( بصوت عميق حاد، فيه قوة العاصفة):
—أنا هنا، وسأظل هنا… سأظهر في كوابيسك، وحتي فى صحوك. أردتَ أن تطفئ اسمي؟ لكنني عدت… وها أنا أمامك وجهًا لوجه
ارتعد جسد بلال، حاول أن يتراجع إلى مؤخرة السرير، لكن نظراته بقيت مشدودة إلى عيني سليمان، وكأنهما سلاسل تكبّله.
بلال (بصوت مبحوح يرتجف):
—ماذا… ماذا تريد مني؟!
سليمان ( يلوح بيده كمن ينذر بالهلاك):
—أريدك أن تدرك أن ساعة القصاص تقترب… وأن دماء الأبرياء التي سفكتها لن يبتلعها التراب. اليمامة ليست لك، ولن تكون.
ارتفع صوت بلال فجأة وهو يصرخ بجنون:
—الحراس! أسرعوا! إلي هنا
لكن قبل أن تصل الخطوات، ارتفع دخان غامض، كثيف كستارٍ أسود، وتلاشى سليمان أمام عينيه. صرخة بلال دوّت في الجناح، عرقه يتصبب، وعيناه تبحثان بجنون في الأركان الخالية.
بلال ( متمتمًا، ثم صارخًا):
—كان هنا… كان هنا! سليمان… رأيته… بعيني رأيته!
اندفع الحراس إلى الداخل، وخلفهم ظهر سليمان من جديد، لكن بهيئة حارسه الشخصي، ملامحه محجوبة، وصوته بارد كالمعدن.
سليمان (منحنٍ قليلًا وكأنه يتفقد):
—ما الأمر يا مولاي؟ سمعت نداءك يرتفع.
بلال ( يتلعثم، يتنفس بصعوبة):
—س… سليمان… كان هنا! رأيته… أمامي… جلس بجانبي وصفعني… لا تقولوا إنه وهم!
تبادل الحراس النظرات المرتبكة، بعضهم يخفي ابتسامةً خوفًا من أن يُتهم بالجنون، وآخرون رمقوا سيدهم بعيونٍ مرتجفة.
سليمان ( بثبات، متظاهرًا بالقلق):
—لعلها هلاوس من أثر السهر يا مولاي… لا أحد دخل الجناح سواك انا هنا ولم اري اي احد دخل إلي الجناح لا تقلق يا مولاي ربما كابوسا لأ أكثر
بلال ( يضرب كفيه على الفراش كالمذعور):
—لا! لا… كان هنا! سليمان… سليمان عاد…!
اقترب الحارس المتنكر، أي سليمان نفسه، وأشار للحراس بالانصراف. خرجوا على مضض، بينما ظل هو واقفًا كظلٍ أسود، يراقب ارتجاف الملك ورجفته التي لم تهدأ.
بلال ( يردد بصوتٍ منكسر كمن يواجه جنون عقله):
—سليمان كان هنا… أنا لم أجنّ… لقد رأيته… بعيني رأيته.
أما سليمان، فقد انحنى قليلًا، وأخفى ابتسامة خافتة تحت قناعه، قبل أن يستدير نحو الباب، تاركًا بلال يغرق في خوفه الذي لن يزول.
"خطط الملوك"
كان الليل قد أحاط بالقصر كغلالة من السواد، لا يبدده سوى ألسنة الضوء المتراقصة من مصابيح الزيت. جلس هاشم في غرفة جانبية بعيدة عن الأعين، غرفة تخزن فيها عادةً لفائف البردي القديمة، لكنه جعلها مخبأً لأفكاره. الطاولة الخشبية العريضة أمامه غُطيت بخرائط ممزقة من كثرة الاستعمال، فوقها أحجار صغيرة كان يحركها كما لو يحرك مصائر الرجال.
هاشم(وهو يخط بعصبية على الورق):
—سليمان… لن أتركك رهينة بين أنيابهم. إن أراد القدر أن يسقط بلال وراجح في بعضهما، فليكن نحن من يدفعهما لذلك.
رفع رأسه، عيناه تتأملان الظلال المرتعشة على الجدار، كأنها صورٌ لخصومه يتقاتلون أمامه. أخذ قطعة فحم، رسم دائرة، كتب في طرفها بلال، وفي الطرف المقابل راجح، ثم خط بينهما سهماً عريضاً، وفي الوسط كتب كلمة واحدة: الشرارة.
هاشم يتنفس ببطء، يضع إصبعه على الاسم الأول:
—"بلال" … مغرورٌ لا يرى إلا نفسه، ضعيف إذا مست كرامته.
ثم يحرك إصبعه نحو الآخر:
"راجح" … طامع في الملك، لا يهدأ قلبه إلا إذا سمع صرخات عدوه.
ثم أطبق يده على الدائرة في الوسط:
—سنترك كلاب الصيد تنهش بعضها… وحين يسقطان معاً، يفتح الطريق أمام سليمان ليعود ملكاً بحق.
نهض من مكانه، مشى جيئة وذهاباً كأنه يخاطب جنوداً غير مرئيين، ثم توقف فجأة أمام النافذة الصغيرة المطلة على باحة القصر، قال بصوتٍ خافت وكأنه يرسل نداءً للريح:
"ستأتي ساعة لا يفرق فيها الناس بين ظالم ومظلوم… لكنهم سيتذكرون من أنقذهم من الظلام. هذا هو دورنا."
عاد إلى الطاولة، كتب رسالة قصيرة بخط متماسك لكنه مرتبك بالعجلة:
"إلى الملك فهد بن عبد العليم النوراني ملك مملكة النور، أخي ورفيقي في العهد"
اقتربت اللحظة. اجعل عينيك مفتوحتين، راجح وبلال سيقعان في الفخ الذي نصبه كلٌ للآخر. وحين يبدأ صراعهم، ستُفتح لنا الطريق.
طوى الورقة بإحكام، وضعها في أسطوانة معدنية صغيرة، أغلقها بعناية، ثم جرّ الخيط النحاسي الرفيع الممتد في الجدار. انطلقت الأسطوانة على العجلة المخبأة، لتسلك ممرًا سريًا يؤدي مباشرةً إلى غرفة فهد. صُنع خصيصاً لكلا الطرفين ليكون خيط مراسلة سريه بينهم.
جلس هاشم بعدها، وضع يديه فوق رأسه وأغمض عينيه، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وكأنها تحمل مزيجاً من الأمل والخوف. تمتم وهو يضغط على صدره:
—لقد بدأت اللعبة… لعبة الملوك. غداً لن يعلو اسم بلال ولا راجح، بل اسمٌ واحد… سليمان.
وسقط الصمت على الغرفة إلا من صوت احتكاك الخيط المعدني وهو يتلاشى في الجدار، شاهداً على بداية مؤامرةٍ جديدة
"رسائل الظلال"
في غرفة عالية بأحد أبراج قصر النور، كان فهد جالساً قرب نافذته يتأمل الليل الممتد كبحرٍ لا شاطئ له. القمر يتوارى خلف سحبٍ ثقيلة، كأن السماء تخفي سرّاً كما يخفي القصر أنفاسه. وفجأة، سمع أزيزاً خافتاً يأتي من الجدار الحجري بجواره، صوتاً مألوفاً لديه وحده. اقترب بسرعة، ومد يده فالتقط الأسطوانة المعدنية الصغيرة التي انزلقت من الممر السري.
فتحها فوجد الرسالة، عيناه تقرآن بتركيز كلمات هاشم. كل جملة كانت كشرارة، كل كلمة تشعل داخله ناراً جديدة. قرأها مرتين، ثم تركها تسقط على الطاولة أمامه.
فهد (يتمتم):
—هاشم… أراك تبدأ لعبة الكبار. صراع بلال وراجح لن يكون مجرد صدام عادي… بل دماء و نار
جلس على مقعد خشبي، وأخرج لفافة جلدية مطوية، عليها خطوط متقاطعة تمثل تحركات الحراس، أبواب القصر، ومخارج سرية لا يعرفها سوى القلة. أشار بإصبعه نحو مكان راجح، ثم إلى جناح بلال، ثم همس:
—سأدفعهما خطوة بخطوة إلى المواجهة… وكل ضربة يتلقاها أحدهما ستكون هدية لسليمان.
رفع رأسه إلى السماء عبر النافذة، رأى طيف القمر يظهر للحظة، كأن الضوء يمنحه وعداً قصيراً. ابتسم بحدة، وأخذ القلم ليكتب رده على رسالة هاشم:
"إلى هاشم بن حماد ملك مملكة الفيروز أخي ورفيقي في العهد"
وصلت رسالتك. لقد بدأت الخيوط تُشدّ حول رقابهم. سأحرّك رجالنا داخل القصر ليثيروا الشكوك، وسيُقال إن بلال يتآمر على راجح، وراجح يخون بلال. حين يشتعل غضبهم، لن ينجو أحدهما من الآخر. كن على أهبة الاستعداد.
أغلق الرسالة وأعادها إلى الأسطوانة، ثم أطلقها في الممر ذاته. بعد أن اختفى الصوت، نهض واقفاً، يضع يده على قلبه، وقال بصوت عميق كأنه يقسم:
—سليمان… لم يعد وقت الانتظار. مملكتك ستولد من جديد، لكن من رحم الفوضى والدم.
ثم أطفأ مصباح الزيت، تاركاً الغرفة في عتمة تامة، وكأن الظلال وحدها باتت شاهداً على خطط الليل.
"ارتجاف العروش"
منذ ليلة الأمس لم يذق بلال طعم النوم، كان جسده مرهقاً لكن عينيه ترفضان الانصياع. كلما حاول أن يستسلم للنعاس، كان وجه سليمان يتراءى أمامه، يقترب أكثر فأكثر حتى يكاد يلمس ملامحه. ظنّها كوابيس في البداية، لكنه كان متيقناً الآن أن ما رآه لم يكن وهماً.
تقلّب على أريكته المزخرفة، ثم نهض غاضباً، سار بخطوات متوترة إلى النافذة العريضة التي تُطل على ساحة القصر. وقف يتأمل الحراس وهم يجوبون المكان، لكن في عينيه لم يكونوا رجالاً بل أشباحاً تتحرك بلا ملامح، وكأنهم يتفرجون على ضعفه.
بلال ( يتمتم بصوتٍ مرتجف):
—كان هنا… أقسم أني رأيته… سليمان لم يمت، ولم يختفِ، هو يراقبني… يختبئ بين جدراني.
فتح الباب بعنف فارتعد الخدم الواقفون في الممر. اندفع أحد رجاله نحوه ليطمئنه، لكنه فوجئ ببلال يمسكه من كتفيه بشراسة، يهزّه وكأنه يفتش في عينيه عن خيانة.
بلال:
—ألم تسمعوا خطوات غريبة في أروقة القصر؟ ألم تلمحوا أحداً تسلل الليلة الماضية؟!
الرجل ( محني الرأس، يتلعثم):
—مولاي… لم نرَ شيئاً، الحراسة كانت مشددة كما أمرت.
تركه بلال بعنف حتى كاد يسقط، ثم عاد بخطوات متوترة إلى الداخل. اقترب من المرآة الكبيرة المعلقة على الجدار، نظر إلى انعكاسه، فوجد وجهاً شاحباً، عينين حمراوين، وقطرات عرق تتساقط من جبينه. لم يتعرف على نفسه.
بلال ( يخاطب صورته في المرآة وصوته متحشرج):
—أأنتَ الملك الذي تخشاه الممالك؟ أم رجل تهاجمه أشباح ماضيه؟!
صرخ فجأة وضرب المرآة بقبضته حتى تشققت، تلطخت يده بالدم، لكنه لم يشعر بالألم بقدر ما شعر أن الصراخ لن يطرد وجه سليمان من رأسه.
جلس على عرشٍ صغير في جناحه، ضم قبضتيه المرتجفتين، ونادى بصوتٍ عالٍ حتى ارتجّ المكان:
بلال:
—ضاعفوا الحراسة! لا يدخل أحد إلى هذا الجناح من دون إذني، ولا يقترب غريب من أسوار اليمامة. وإن كان سليمان بيننا… أقسم انني سأجعله يركع عند قدمي!
لكن حتى حين علا صوته، ارتجف جسده بالكامل، وعيناه فضحتا أن الخوف قد ملك قلبه. كان يردد بينه وبين نفسه، كمن أصابه مس من الجنون:
بلال:
—كان هنا… رأيته… سليمان كان هنا!
أما رجاله الذين انتشروا حول القصر، فقد تبادلوا النظرات الخائفة، يدركون أن ملكهم لم يعد ملكاً على عرشه، بل صار أسيراً لظل رجل واحد… سليمان.