الفصل السادس
انكسارُ الحلم وصمودُ الوفاء
في ردهات المشفى، كانت الصدمةُ أقوى من الاحتمال؛ حين همست ياسمين لسراب عبر الهاتف والدمع يغالبها: "لقد ضعنا يا سراب، احترقت المخازن وتبخرت أحلام الشباب.. الشركة أصبحت أثراً بعد عين". سقطت الكلمات كالجمر على قلب سراب، لكنها حبست أنفاسها وهي تنظر إلى جسد داغر الساكن، مدركةً أن الحقيقة قد تقتله قبل الرصاص.
ومع انتصاف الليل، تحركت يد داغر لتداعب خصلات شعر سراب المتدلية من حجابها الزالق، فانتفضت بقلبٍ يخفق فرحاً: "داغر! لقد عُدت إلينا!". استيقظ البطل بابتسامةٍ واهنة، وفي غمرة دموعهما، اعترف لها بأنه كان يسمع مناجاتها وهي تظنه غائباً عن الوعي، وأنه يعلم بعودة ذاكرتها. وبنبرةٍ ملؤها الندم، طلب منها "فرصة ثانية" ليعوضها عن كل أيام الحزن، فأجابته بقلبٍ رقيق: "العمرُ فرصة .. وسأمضيها معك".
أطيافُ الماضي وأوجاعُ "إسماعيل"
لم تكن المحنة مقتصرة على داغر وسراب، بل امتدت لتنبش في جراح "إسماعيل" القديمة. كشفت والدته "لمار" لياسمين سرَّ حزنه الدفين؛ فقبل ثمانية عشر عاماً، شهد إسماعيل وهو طفلٌ صغير مقتل والده الجندي "جمال" في تفجيرٍ إرهابي غادر أمام عينيه في محطة القطار. كانت تلك الذكرى هي الثقب الأسود الذي يمتص ألوان حياته، وحين احترقت المخازن، عاد إليه مشهد النيران والدمار، ليشعر بالفقد مرتين.
عادت العائلة لبيتها، وبدأت سراب وياسمين في نسج خيوط الصبر لمساندة داغر وإسماعيل. اضطروا لتأجيل موعد العرس، وبدأت سراب تعمل كمربية أطفال لتسهم في تكاليف المعيشة، متجاوزةً كبرياءها من أجل من تحب، وسط غيرةٍ ومداعباتٍ من داغر الذي لم يطق فكرة انشغالها بغيره، ولو كان طفلاً صغيراً.
رحيلُ السندِ ووداعُ "بلال"
بينما كان الجميع يحاول لملمة الجراح، جاءت الصاعقة من ألمانيا؛ حيث هاتف "فؤاد" ابنته سراب بصوتٍ متهدج: "يا ابنتي.. لقد أسلم عمك بلال الروح لباريها".
سقط الهاتف من يد سراب، وانفجر داغر في نوبة بكاءٍ مريرة حين علم برحيل والده وهو بعيد عنه، والده الذي لم يمهله القدر ليصحح تقصير السنين.
تحول بيت "الدويري" إلى سرادق عزاء، واجتمع الصديقان داغر وإسماعيل في مواجهة المصير؛ فإسماعيل، الذي فقد أباه قديماً، أصبح اليوم هو السند لداغر في فقد والده. وفي لحظة صفاء تحت ضوء القمر في الحديقة الخلفية، فضفض داغر لسراب عن آلامه، وعن إحساسه باليتم والغربة، وعن "السحر" الذي عكر صفو حبهما سابقاً، فوعدته سراب بأن تظل روحهما جسداً واحداً حتى يفرقهما الموت.
نحو المجهول.. وبصيصُ نور
في صبيحة يوم العزاء، ارتدى داغر حلته السوداء، واستعد لاستقبال جثمان والده في المطار بمساعدة أخيه الذي لم تلده أمه "إسماعيل". وقبل رحيله، نظر إلى سراب نظرةً أخيرة ملؤها الحب والرجاء، طالباً منها أن تكون القوة لوالدته وأخته المنكسرتين.
خلف الكواليس، كان "ياسر" و"داليا" يرقصان على أنغام حطام عائلة الدويري، ظانّين أن الفقر والموت سيفرقان بين العاشقين. لكنهما لم يدركا أن "سراب" قد قررت أن تكون هي العاصفة التي تحمي نار "داغر" من الانطفاء، وأن العهد الذي كُتب بالدم والدموع، لا تمحوه صروف الدهر.