زراثيل - نيرفال | روايتك

اسم الرواية: زراثيل
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: نيرفال

نيرفال

كان صوت أجهزة الاتصال في مركز الشرطة يقطع هدوء المكان، وضجيج الخطوات يتردد في الممرات، بينما كنت أقف أراقب كل شيء من حولي. لم يكن يومًا عاديًا… كان هناك شعور غريب يلازمني، كأن شيئًا غير متوقع سيحدث في أي لحظة. لم يمض وقت طويل حتى جاءنا بلاغ غريب… فتاة على سطح مبنى منخفض، تقف على الحافة وكأنها على وشك القفز. الصراخ من الأسفل كان واضحًا، والجيران يراقبون، وقلوبهم مليئة بالخوف، والشرطة الأخرى تتساءل عن الطريقة المثلى للتصرف. ركضت نحو السلم الطارئ، قلبي ينبض بسرعة لا أستطيع التحكم بها، لكن كل خطوة كنت أخطوها بثقة. عندما وصلت إليها، رأيت الرهبة والخوف في عينيها، شفتيها ترتجفان: — "لا… لا أستطيع الاستمرار…" وضعت يدي برفق على كتفها، وصوتي صارم لكنه هادئ: — "هدئي نفسك… كل شيء سيكون على ما يرام. أنا هنا لأساعدك، لا أحد سيؤذيك." بعد لحظات، شعرت بالثقة تعود إليها قليلًا، أمسكت بيديها وسحبتها بعيدًا عن الحافة، وكل خطوة كانت دقيقة، كل حركة محسوبة، حتى وصلت بنا إلى الأرضية الآمنة. بدأت تبكي بحرقة، والدموع تغمر وجهها، لكن شعورًا من الارتياح يملأ عينيها. زملائي اقتربوا من حولي، وجوههم مليئة بالإعجاب: — "صخر… لقد أنقذت حياتها!" شعرت حينها بدفء داخلي لم أشعر به منذ وقت طويل، وكأن كل سنوات الألم والإهمال ذابت في تلك اللحظة. بعد انتهاء الموقف، التقيت بأريندو في المركز. ابتسم وقال: — "أنت فعلاً لا تصدق، صخر… لم أرَ أحدًا يتصرف بهذه الشجاعة." أريندو… لم أكن أعرف عنه الكثير، لكن كان شيئًا فيه يجذبني . طويل القامة، عيونه داكنة وعميقة، نبرة صوته هادئة، وكأن كل كلمة يقولها لها معنى أعمق. كان ذكيًا، متزنًا، يحلل كل شيء حوله، ويعرف متى يبتسم ومتى يركز على التفاصيل. تحدثنا عن العمل، عن البلاغات الغريبة، وعن شعور المسؤولية الذي يربطنا، وبدأت صداقتنا تتشكل شيئًا فشيئًا. مرت الأيام روتينيًا، لكنني بدأت أقترب أكثر من أريندو. نتحدث عن حياتنا، أحلامنا، التفاصيل الصغيرة في المدينة، وأحيانًا عن ماضينا دون الحاجة للكثير من الكلمات. أريندو غامض بعض الشيء، لكنه أيضًا صادق في كل شيء يظهره، وأحسست أن وجوده بجانبي يمنحني راحة لم أشعر بها من قبل. بعد حوالي شهر، قررنا أنا وليارا دعوة اريندو إلى البيت لتناول العشاء والتعرف أكثر عليه. جلست ليارا بيننا، شعاع من الضوء وسط البيت، ترتدي فستانًا بسيطًا، شعرها الطويل يتدلى على كتفيها، وابتسامتها تملأ المكان بالدفء. بدأنا نتحدث عن يومنا، نضحك على مواقف العمل الغريبة، وبدأت علاقتنا معًا تصبح أكثر طبيعية. تحدثنا عن الطفلة التي أنقذتها، عن شعورنا بعد الحادث، وعن الرسائل الغامضة التي تركها الشخص المجهول. المزاح والضحك خفف من وطأة الغموض، وبدأت ليارا تشعر براحة أكثر مع أريندو أيضًا. تَعَشَّيْتُ مع أريندو تلك الليلة في هدوء غير معتاد. كان جالسًا أمامي، يتحدث بنبرته الهادئة، يختار كلماته بعناية وكأن لكل كلمة وزنها. ضحكنا قليلًا، وتبادلنا بعض القصص عن العمل، لكنه في لحظات معينة كان يصمت فجأة، ينظر بعيدًا وكأنه يفكر في شيء لا يريد قوله. عند مغادرته، وقف عند الباب، التفت نحوي وقال بابتسامة خفيفة: — "اعتنِ بنفسك يا صخر… أشعر أن الأيام القادمة لن تكون عادية." كلماته بقيت عالقة في ذهني حتى بعد أن اختفى في ظلام الشارع. أغلقت الباب ببطء، كان البيت هادئًا بشكل مريب. بعد دقائق، دخلت ليارا، كانت تبدو متعبة، عيناها نصف مغلقتين، وابتسامتها خفيفة كعادتها. — "تصبح على خير، صخر…" قالتها بصوت ناعم، ثم توجهت إلى غرفتها. انتظرت قليلًا، ثم تبعتها بهدوء. وقفت عند باب غرفتها، فتحته قليلًا… كانت نائمة بالفعل، ملامحها هادئة، وشعرها منتشر على الوسادة بطريقة ناعمة. اقتربت منها بخطوات خفيفة، سحبت الغطاء برفق ووضعتُه فوقها. نظرت إليها لثوانٍ… شعرت بشيء دافئ في داخلي، شيء يجعلني أهدأ مهما كان داخلي مضطربًا. أغلقت الباب بهدوء، وعدت إلى غرفتي. جلست على حافة السرير، ثم استلقيت قليلًا، أحدق في السقف، أفكاري متشابكة، كلمات أريندو، شعوري الغريب، كل شيء يدور في رأسي بلا ترتيب. بعد دقائق، نهضت فجأة… لم أستطع البقاء في المكان. خرجت من البيت، والليل كان هادئًا، الشوارع شبه فارغة، والأضواء الخافتة تعكس ظلالًا طويلة على الأرض. بدأت أمشي دون هدف، فقط أبحث عن بعض الهدوء. وفجأة، سمعت صوتًا خافتًا… مواء ضعيف بالكاد يُسمع. توقفت، نظرت حولي، ثم اقتربت من مصدر الصوت. كان هناك قط صغير بين زاويتين من الجدار، جسده نحيف، وفراؤه متسخ، وإحدى قدميه مصابة، يرتجف من البرد والخوف. انحنيت ببطء، مددت يدي نحوه، تردد للحظة، ثم اقترب قليلًا. حملته بحذر، كان خفيفًا جدًا… كأنه لا يملك القوة حتى ليقاوم. — "لا بأس… لن أؤذيك." تمتمت بصوت منخفض. عدت به إلى البيت، وضعتُه على الطاولة، وأحضرت بعض الماء وقطعة قماش نظيفة. بدأت أنظف جرحه ببطء، كان يتألم قليلًا، لكنه لم يهرب… فقط كان ينظر إليّ بعينين صغيرتين مليئتين بالخوف. بعد أن انتهيت، لففته بقطعة قماش دافئة، وجلست أراقبه. شيئًا في داخلي هدأ فجأة… كأن إنقاذ هذا الكائن الصغير أعاد لي جزءًا من نفسي. ابتسمت بخفة وقلت: — "أظن أنك تحتاج اسمًا…" نظرت إليه للحظة، ثم قلت: — "نيرفال… هذا اسمك." بقيت بجانبه حتى هدأ واستسلم للنوم، ثم عدت إلى سريري، لكن هذه المرة، لم يكن رأسي ممتلئًا بنفس الفوضى… كان هناك هدوء غريب، كأن هذه الليلة، رغم كل شيء، حملت لي شيئًا مختلفًا.