حين نطق الرمح - الفصل الاخير: فجر لا يخبو - بقلم ميوش السوهاجية - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين نطق الرمح
المؤلف / الكاتب: ميوش السوهاجية
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الاخير: فجر لا يخبو

الفصل الاخير: فجر لا يخبو

بوابة الوعد الأخير: في بهو العرش الفخم لمملكة أستراند، حيث الأعمدة البيضاء الموشّحة بخيوط الذهب، وعرش من العاج المرصّع بالأحجار الكريمة يتوّج صدر القاعة، جلس الأمير أوسمار بوقاره المعهود، تتدلى عباءته الملكية على درجات العرش في انسياب مهيب. كان الضوء المتسلل من النوافذ العالية يعكس على وجهه ملامح رجل خبر السياسة والحروب، وحمل فوق كتفيه عبءَ مملكة بأكملها. انفتح باب البهو بصوت معدني ثقيل، ودخل الحارس الشخصي بخطوات سريعة، ثم انحنى تحيةً وقال بصوت رسمي: "مولاي الأمير، الأميرة ألورا... والمختار، يطلبان الإذن بالدخول." ارتفع حاجبا أوسمار قليلًا، لكنه أشار بإيماءة أن يؤذن لهما بالدخول. خطت ألورا بثوبها الأبيض الناصع، لثامها مرفوع عن وجهها، وعيناها الفيروزيتان تلمعان تحت ضوء القاعة، بينما تبعها داني بخطوات ثابتة، يحمل على كتفه رمحه الذهبي. انحنيا معًا في احترام، ثم قال داني بصوت هادئ لكن يحمل صلابة القرار: "مولاي الأمير... جئتُ طلبًا في الوفاء بوعدك." أشار أوسمار بيده إلى مقعد خشبي منخفض أمامه، وقال بنبرة هادئة لكنها لا تخلو من الفضول: "اجلس، فأنت ضيف مرحب به في قصر أستراند. لكن قل لي، ما الذي دفعك للحضور في هذا الوقت العصيب؟" جلس داني، بينما بقيت ألورا واقفة بجوار والدها، تضع يدها على مسند العرش، وعيناها تراقبان الموقف. تنفس داني بعمق، ورفع نظره مباشرة إلى الأمير، قائلاً: "مولاي... لقد حان الوقت أن يتحرر صاحب الرمح من قيوده." ساد الصمت لحظة، وكأن جدران القاعة نفسها استوعبت وقع الكلمات. نظر أوسمار إلى داني بتمعّن، وكأنه يقرأ ما وراء العيون، ثم ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، مزيج بين الفخر والحذر، وقال بصوت رخيم: "إذن... أنت لا تطلب مساعدة، بل تدعو إلى عهدٍ وميثاق... وتعلن بداية الطريق الذي لا عودة منه." أجاب داني بثقة، وهو يضع الرمح أمامه: "الوعد الذي قطعته لي، آن الأوان أن يكتمل... وإلا فإن الدماء التي سالت، والقرى التي أُحرقت، ستكون مجرد بداية." ارتكز أوسمار على مسندي العرش، وانحنى قليلًا للأمام، ثم قال بنبرة حاسمة: "إذا وفيت بوعدي، فلن يكون هناك رجوع... فكل كلمة ستصبح قانونًا، وكل قرار نارًا تأكل ما أمامها." قال داني بثبات، وصوت يشبه وقع الحديد على الصخر: "أعرف، وأقبل." هنا نظر أوسمار إلى ابنته ألورا، فوجد في عينيها نفس التصميم، فابتسم مرة أخرى وقال: "إذن... فلك ما تطلب." قرع طبول الحرب: في الطريق الوعر المؤدي إلى الجبال الغربية، كانت السماء ملبّدة بغيوم ثقيلة، والريح الباردة تصفر بين الصخور العالية، كأن الطبيعة نفسها تحذر القوافل المارّة. تقدّم فيلو بخطوات ثابتة على صهوة حصانه الأسود، وبجانبه داركان يمتطي جواده الأبيض، يراقبان صفوف النساء والرجال الكبار والأطفال من القبائل المتبقية، يتحركون في قافلة طويلة محاطة بمحاربين مدججين بالسلاح. رفع فيلو صوته وهو يلتفت إلى داركان: "سرعتهم بطيئة... لكننا لا نستطيع تركهم عرضة لطعنات زيناريس." أجاب داركان بعينين ضيقتين: "أعرف... لهذا وزّعت الرماة على التلال، والمشاة على الجانبين. إن حاولت ذئاب زيناريس الاقتراب، فلن تمرّ إلا فوق جثثنا." مرّت عربة خشبية تحمل شيخًا جريحًا، فأبطأ فيلو حصانه، وقال له بصوت عميق: "اصمدوا... الجبال الغربية ستحتضنكم قريبًا، وهناك ستأمنون من أنياب العدو." رد الشيخ بابتسامة شاحبة: "إن كانت الجبال أماننا... فأنتم السور الذي يمنع الموت عنا." وفي أقصى الشمال، حيث خيام القبائل الشمالية تنتصب فوق أراضٍ مكسوّة بالثلوج، كان راغين واقفًا وسط ساحة الاجتماع، إلى جانبه شيلا، يواجهان سادة القبائل بوجوه يعلوها القلق. ضرب راغين قبضته على الطاولة الخشبية الثقيلة وقال: "أنتم تظنون أن الحرب بعيدة عنكم، لكن نار زيناريس لا تعرف حدودًا! إن لم نتحد اليوم، فسوف يحترق كل ما تبقى من أرضنا غدًا." تقدّم أحد السادة، لحيته الكثيفة مغطاة ببلورات الثلج، وقال بلهجة حذرة: "لقد سمعنا عن مذابح الشرق، لكننا لسنا على استعداد لجرّ قبائلنا إلى حرب ليست حربنا." رفعت شيلا رأسها بعزم، وتدخلت بصوت قوي: "إنها حربكم مثلما هي حربنا! عندما تسقط قبائلنا، لن يكون أمام زيناريس سوى أبوابكم... وعندها ستتمنون لو قاتلتم قبل أن تصل النار إلى خيامكم." ساد الصمت لحظات، قبل أن يقول راغين بحزم: "إن كنتم رجالًا بحق، فلتقفوا معنا قبل أن يقف العدو على عتبتكم." وفي قلب الحصون الجنوبية، كان أندرال يتحرك بين صفوف الجنود بخطوات سريعة، درعه يلمع تحت ضوء المشاعل. كان صوته يعلو فوق صليل السيوف: "قسّموا الوحدات إلى ثلاث فِرق، الأولى على الأسوار، الثانية عند البوابة الرئيسية، والثالثة احتياط خلف التلال. لا نريد ثغرات... ولا نريد مفاجآت." اقترب منه أحد قادة الكتائب، قائلاً: "وماذا عن التحرك؟" أجاب أندرال وهو يشد على قبضته: "سنترك ما يكفي لحماية الحصون... والبقية ستسير معي. حين تدق طبول الحرب، لا مكان للانتظار." ارتفع صدى الأوامر، وقرع الطبول بالفعل، كأن الأرض نفسها تعلن اقتراب العاصفة. توحيد الرماح: ارتفع غبار كثيف على الطريق المؤدي إلى الحصون الجنوبية، وصهيل الخيل يسبق صوت سنابكها على الأرض الصلبة. كان داني يمتطي فرسه البني منحنٍ قليلًا إلى الأمام، وعيناه تلمعان بعزم لا يلين، بينما الريح تدفع عباءته للخلف كراية للمعركة. في ساحة الحصن، كان أندرال يعطي أوامره الأخيرة للجنود، حين لمح الفارس القادم بسرعة البرق. ابتسم وهو يقول لنفسه: "ها قد عاد صاحب الرمح..." توقف داني أمامه بقفزة رشيقة من على ظهر الفرس، وصوت تنفسه يختلط بهتاف الحرس. تقدّم أندرال بخطوات واسعة وقال: "القوات جاهزة... لكن المعركة تحتاج إلى قلب يقودها." مدّ داني يده بثبات، فأمسك أندرال بها بقوة، ثم قال بصوت يسمعه الصف بأكمله: "من هذه اللحظة... القيادة لك يا داني." التفت داني إلى الجنود، وصوته الجهوري يدوّي في الساحة: "اليوم... لن نقاتل فقط من أجل أرض أو قبيلة... سنقاتل من أجل أن لا يملك زيناريس غدًا مكان يضع فيه قدميه على هذه الأرض! هذه اللحظة التي سنحفرها في تاريخ هذه الارض... إما أن نكون أحرارًا، أو نموت واقفين!" ارتفعت صيحات الجنود، وصدورهم تنتفخ بالعزم. وقبل أن يهدأ الصخب، دخلت ساحة الحصن قافلة جديدة، يتقدمها فيلو وداركان، وجهيهما مغطّيان بغبار الطريق، لكن عيونهما مشتعلة. نزل فيلو من حصانه وهو يقول: "الناس بأمان في الجبال... والآن، حان وقت الحساب." داركان رفع رمحه وقال بابتسامة ساخرة: "كنت أكره الانتظار على أي حال." لم تمضِ سوى لحظات، حتى دوّى صوت آخر من بوابة الحصن، جيوش القبائل الشمالية تتقدم، راياتها ترفرف وسط الثلوج الذائبة، يتقدمهم راغين وشيلا بخطى واثقة. وقف راغين أمام داني وقال: "الشمال كله معك... حتى النهاية." أومأت شيلا، وعيناها تلمعان بالعزم: "فلننهِ هذه الحرب... ونكتب النصر بأيدينا." رفع داني رمحه عاليًا، فانعكس بريق الشمس على نصله، وصاح: "إلى قصر زيناريس!" اهتزت الأرض تحت وقع سنابك الخيل، وتعانقت صيحات الجيوش كأنها موجة واحدة، منطلقة نحو قلب العدو، لا شيء يقف بينها وبين قدرها. استدعاء الظلال: في بهو العرش لقصر مملكة أورينيل، حيث الجدران مكسوّة بالحجارة الرمادية، جلس زيناريس على عرشه العريض، ويداه تعانقان مسندي العرش وكأنهما تمسكان بالعالم نفسه. عيناه، تحدقان في الفراغ أمامه كذئب ينتظر الانقضاض. انفتحت الأبواب الضخمة فجأة، ودخل فالريك بخطوات سريعة، وملامحه مشدودة، يتبعه إلثارا بثوبها الداكن تتأرجح مع كل حركة. انحنى فالريك وقال بصوت متوتر: "مولاي... الفتى وجيشه قادمون... يتقدمون مباشرة نحو القصر." رفع زيناريس رأسه ببطء، وابتسامة قاتمة تتسلل إلى وجهه. صوته خرج ثقيلاً، ممزوجًا بالكره: "إذًا... قرر أن يضع رقبته تحت سيفي." خطا خطوة إلى الأمام، عباءته تجر خلفه على أرض الرخام، ثم التفت إلى فالريك بعينين تشتعلان غضبًا: "أصدر الأوامر... ليخرج الجيش الآن. لا أريدهم أن يخطوا خطوة واحدة داخل أسوار هذا القصر!" فالريك انحنى وانطلق مسرعًا. لكن زيناريس لم يكتفِ، فقد أدار رأسه نحو إلثارا، وصوته صار أكثر ظلامًا: "وأنتِ... استدعي جيشكِ من أعماق الجحيم. أريد الشياطين والجن أن يغطّوا السماء، وأرض المعركة أن تبتلعهم قبل أن يقتربوا." ابتسمت إلثارا ابتسامة باردة، ورفعت عصاها، فأظلمت أرجاء البهو فجأة، وكأن الشمس غابت عن العالم. دوّى صوت خافت أول الأمر، ثم تحوّل إلى همهمة جماعية من مئات الأصوات القادمة من هوة لا تراها الأعين. تشكّلت دوائر حمراء متوهجة على أرض البهو، تتصاعد منها أدخنة كثيفة، ومعها بدأت ملامح كائنات هائلة تظهر، عيونها كالنيازك المشتعلة، وأنيابها تلمع بالدم. زيناريس يبتسم، والخوف يملأ وجوه الخدم والحراس. بصوت منخفض لكنه يخترق القلوب، قال: "هذه المرة... لن يجد المختار من يروي قصته." سطوع من المختار: تقدّم جيش داني عبر السهول، والغبار يتصاعد تحت حوافر الخيل، وأصوات الأسلحة تتداخل مع وقع الخطى الثقيلة. كانت أسوار قصر أورينيل تلوح في الأفق، شامخة كسفينة سوداء في بحر من الظلام. لكن قبل أن يقتربوا كثيراً، توقّف صوت حوافر الخيل فجأة، إذ انكشفت أمامهم على امتداد النظر جموع لا تُحصى من جيش زيناريس؛ صفوف متراصة من الفرسان والمشاة، يتخللهم مخلوقات من الجن بجلود داكنة وعينين متقدتين، وبينهم شياطين ضخمة تجرّ سلاسلها وتزأر بصوت يزلزل الأرض. همسات الخوف بدأت تنتشر بين رجال داني، والوجوه التي كانت صلبة تحوّلت إلى ملامح مشدودة بالرهبة. اقترب أندرال من داني، وهو يحدّق في هذا البحر من الأعداء: "داني... عددهم يفوقنا أضعافًا مضاعفة، ووراءهم جن وشياطين، لا يمكن..." لكن داني قاطعه بابتسامة ثابتة ونبرة مفعمة باليقين: "يمكن... وسنتغلب عليهم." ثم رفع رأسه نحو السماء، وأغمض عينيه، ووضع يده على جبهته. فجأة انقطع صوت المعركة حوله، وكأن العالم اختفى. وجد نفسه واقفًا في فضاء من نور أزرق صافٍ، وفي وسطه ظهر الأمير سافير، بردائه الملكي وعيونه الهادئة. اقترب سافير، ووضع يده على كتف داني قائلاً بصوت يحمل قوة الجبال وطمأنينة البحر: "داني... لقد بلغت اللحظة التي كُتب لك أن تبلغها. دماء الأبطال تجري في عروقك، والرمح بين يديك هو نور الحق. لا تنظر إلى عددهم، بل إلى قوتك... فأنا معك في كل لحظة، حتى النصر." عاد الصخب من حوله، وفتح داني عينيه فإذا بهما تتوهجان باللون الذهبي، يتردّد وميضهما على الدروع والوجوه. وفي اللحظة نفسها، اشتعل الرمح بين يديه بضوء ذهبي قوي، حتى بدا وكأنه شمس مصغّرة في قلب الظلام. التفت إلى جنوده، وصوته يعلو على أصوات الريح والطبول: "أيها الأبطال! اليوم نكتب سطور المجد... من أجل الأرض! من أجل الحق! من أجل الذين ضحوا بأرواحهم! هاجموا!" وفي لحظة، انطلق الجيش تحت قيادته، الأرض تهتز تحت وقع الأقدام، وصوت المعركة بدأ يعلو... وكان وهج الرمح يقودهم كمنارة في بحر العتمة. الرعد المدمر: اهتزّت السهول تحت وقع الالتحام الأول؛ صليل السيوف، صرخات الجنود، زئير الشياطين، وصوت قرع الدروع كالرعد المتواصل. كانت السيوف تلمع في وهج البرق البعيد، ورائحة الحديد والدم بدأت تملأ الهواء. وسط الفوضى، كان داني يمتطي جواده عيناه تراقبان خطوط القتال بعين قائد يعرف ما يفعل. لمح أندرال، وداركان، وفيلو، وشيلا، وراغين يقاتلون بشراسة بين الصفوف، فأشار إليهم بحركة حازمة. تركوا مواقعهم وسرعان ما تجمّعوا حوله، والدماء والغبار يتطايرون من حولهم. قال بصوت منخفض لكنه نافذ وسط الضوضاء: "حانت اللحظة المناسبة." رفع داني الرمح الذهبي نحو السماء، وعيناه تتوهجان مع وهج النصل، وكأن نورًا سماويًّا يخترق الغيوم من خلاله. فجأة، اشتعلت السماء بالبرق، وتدافع الرعد بصوت كزئير ألف وحش، حتى توقّف القتال لحظة من هول المنظر. وضرب الرمح بقوة على الأرض، فانطلقت موجة من الصواعق والرعد كإعصار نازل من السماء، تضرب صفوف الجن والشياطين في جيش زيناريس. صرخاتهم ملأت الأفق، وأجسادهم احترقت وتفرّقت كالرماد، بينما الأرض نفسها تشققت تحت أقدامهم. تجمّد المقاتلون حوله لبرهة، مبهورين بالقوة التي أطلقها، حتى أن أندرال همس لنفسه: "لم أرَ قوة كهذه من قبل..." لكن داني لم يمنحهم وقتًا للدهشة، ولوّح بيده إشارة للانطلاق: "الآن! إلى القصر!" واندفعوا بين صفوف العدو، يشقّون طريقهم بسرعة البرق، يتسلّلون عبر الثغرات التي فتحتها قوة الرمح، والظلام من حولهم يتراجع أمام وهج الذهب. مواجهة في قلب العرش: انفتحت الأبواب الضخمة لبهو العرش بعنف، واندفع داني ومن معه إلى الداخل. ارتدّ صدى خطواتهم بين الجدران، والهواء في الداخل كان أثقل من الحديد، مشبعًا برائحة السحر والدم. على منصة العرش، جلس زيناريس بثوبه القرمزي، عيناه تلمعان كجمرتين في الظلام، وإلى جانبه وقف فالريك، متأهّبًا بسيفه، بينما إلثارا كانت تتلمس خنجرها الملتوي وعينيها تتوهجان بوميض شيطاني. تقدم داني بثبات، عينيه مثبتتين على زيناريس. تبادل الاثنان نظرات حادة، تحمل في طياتها سنوات من الكراهية. قال زيناريس بصوت عميق: "أخيرًا، المختار بنفسه يقف أمامي... ستنتهي أسطورتك هنا." رد داني بثقة قاتلة: "الأسطورة الحقيقية... هي سقوطك الليلة." لمع بريق الغضب في عيني زيناريس، وبإشارة من يده، اندلع القتال فجأة. إلثارا اندفعت نحو فيلو وداركان، تتحرك بخفة قاتلة، وخنجرها يلمع كأنياب أفعى، بينما فيلو يصد ضرباتها بسرعة البرق، وداركان يهاجم من الجهة الأخرى. فالريك التحم بأندرال في مبارزة شرسة، السيوف تتصادم بعنف، وكل ضربة تكاد تشطر الهواء نصفين. أما داني، فاندفع نحو زيناريس، والرمح الذهبي يلمع بين يديه، بينما خصمه يسحب سيفًا أسود متوهجًا بطاقة مظلمة. اصطدمت الأسلحة، وتردد صدى الضربة الأولى في أرجاء البهو كالرعد. قبل أن يُحسم أي صراع، انفتحت الأبواب الجانبية واندفعت موجة من جنود زيناريس، يصرخون ويدقون الدروع. تراجع رفاق داني قليلًا أمام ضغط الأعداد. لكن فجأة، دوّى صوت أبواق الحرب من الخارج، وتحطمت البوابات بعصفٍ من القوة. اقتحم الأمير أوسمار المكان، يقود كتيبة مدججة بالسلاح، وألورا وإليتا على جانبيه، عيونهم تتوهج بعزم لا ينكسر. دخلوا في قلب المعركة كالطوفان، وأصبح البهو ساحة قتال هادرة؛ صرخات، وشرر، وضوء البرق والذهب يتراقص مع ظلال الدماء. اشتعل البهو بصخب القتال، وبدأت كفّة النصر تميل نحو داني وحلفائه. زيناريس كان يتراجع خطوةً خطوة أمام ضربات الرمح الذهبي، والشرر يتطاير مع كل صدمة بين سلاحين متناقضين؛ النور والظلام. لكن فجأة، تغيّرت نظرات زيناريس، وارتسمت على وجهه ابتسامة باردة. همس بكلمات سحرية قديمة، كلمات حملت معها عبق الخيانة نفسها التي استخدمها منذ سنين مع الأمير سافير. تدفقت موجة طاقة مظلمة، كسرت إيقاع المعركة للحظة، وأربكت حواس داني. في تلك اللحظة الخاطفة، انقضّ زيناريس بسيفه الأسود، وغرسه في جسد داني بكل وحشية. اخترق النصل جسده حتى خرج من الجهة الأخرى، وصرخة مكتومة انفجرت من صدره. اقترب زيناريس من أذنه، وصوته يقطر برودة الموت: "هنا... تنتهي حكايتك، أيها الفتى." ثم سحب السيف بقوة، والدماء اندفعت على الأرضية الرخامية، تلوّنها بلون الموت. انهارت ركبتا داني، وسقط جسده على الأرض بثقل، أنفاسه تتقطع، والرمح الذهبي يتدحرج بعيدًا عنه. في أرجاء البهو، رأى رفاقه ما حدث، وصدمة الرعب تملأ أعينهم حتى وهم في قلب القتال. كانوا يعرفون في تلك اللحظة... أن هذه قد تكون النهاية. تحطيم القيود: ركل زيناريس الرمح الذهبي بعيدًا عن جسد داني، فارتطم بالأرض وانزلق على الرخام، مبتعدًا عدة أمتار. ظل القتال من حولهم مشتعلاً، أصوات السيوف والصرخات تملأ البهو، لكن زيناريس استدار بجسده، موليًا ظهره لداني، متأكدًا أنه انتهى. على الأرض، كان داني ينزف بشدة، أنفاسه ثقيلة، ورؤيته تتلاشى. ومع ذلك، كانت إرادته مشتعلة كاللهيب الأخير قبل انطفاءه. مدّ يده المرتجفة نحو الرمح البعيد، وأغمض عينيه، يستجمع ما تبقى من قوته... لا، بل من روحه نفسها. توهجت عيناه باللون الذهبي، وتجاوب الرمح من بعيد، فاهتز بقوة، ثم انطلق عبر الهواء نحو كفّه كأن قوة سحرية خلقت لكي تستجيب له. أمسكه داني، ونهض ببطء، جسده يترنح والدم يقطر من ملابسه، لكن عينيه والرمح يشعّان بوهجٍ ذهبي مهيب. أطلق صرخةً من أعماقه، واندفع بكل ما تبقى من قوته نحو تمثال سافير الحجري، يضربه بضربة قوية من الرمح. في اللحظة التالية، تحطم الحجر إلى شظايا، وانفجر سحر التقيد كما لو أن جدارًا عمره قرون انهار. اندفعت موجة طاقة سحرية عاتية، أسقطت الجميع على الأرض، الأصدقاء، الأعداء، وحتى داني نفسه، الذي ارتطم بالأرض بقوة. وسط الغبار والضوء المتفجر، بدأت الملامح تتشكل... ظهر الأمير سافير. طويل القامة، ذو ملامح ملكية وهيبة لا تخطئها العين. شعره البني الداكن وعيناه اللامعتان تعكسان حذرًا وثقةً لا تهتز. كان يرتدي رداءً أزرق ملكي مطرزًا بخيوط ذهبية فاخرة، تتخلله رموز غامضة تشير إلى العظمة والسحر، وفوق كتفيه وشاح مهيب، وحزام أنيق يعقد خصره بإحكام. الرمح الذهبي، وكأنه يعرف صاحبه، انزلق من يد داني المصابة وانجذب إلى كف سافير بسلاسة، كأنه عاد إلى بيته. نظر سافير نحو داني الملقى على الأرض و الدم يتسرب من شفتيه، وابتسم له سافير ابتسامة شكر صامتة. ردّ داني بابتسامة ضعيفة، لكن فخرها كان أقوى من أي ألم. التفت سافير نحو زيناريس، والشرر يتطاير من عينيه، وارتفع صوته في أرجاء القاعة: "آن أوان الحساب أيها الخائن." وهكذا... بدأت المبارزة الأسطورية بين النور والظلام. المواجهة الأخيرة: تلاقت أنظار زيناريس وسافير وسط فوضى المعركة، والهواء بينهما يتأرجح بين وهج النور وبرودة الظلام. ابتسم زيناريس بسخرية وهو يدور بسيفه الأسود في الهواء. "أخيراً خرجت من قيدك أيها الأمير... لكنك خرجت لتسقط من جديد." اقترب سافير بخطوات ثابتة، والرمح الذهبي في قبضته يلمع كما لو أنه يختزن ضوء الشمس المفقودة. "لقد كان يوم السقوط مكتوباً منذ زمن... أما يومك هذا، فهو يوم الحساب." اندفع زيناريس بهجوم مباغت، وضربات سيفه تقطع الهواء، لكن سافير كان يصدها بدقة لا تشوبها شائبة. تبادل الاثنان الضربات، الشرر يتطاير من اصطدام السيف بالرمح، وصوت المعدن يجلجل في أرجاء القاعة. صرخ زيناريس وهو يضغط بكل قوته "لن تهزمني، لقد أسقطت ممالك قبل أن يولد اسمك." رد سافير بعينين مشتعلة "لكن آن الآوان ان تسقط انت وسحرك وظلامك... اليوم ستدفع الثمن." بخطوة سريعة وانحناءة خاطفة، اخترق الرمح دفاع زيناريس، لينغرس في صدره. تسمرت عيناه في صدمة، والظلام من حوله بدأ يتلاشى مع خفوت قوته. ابتسم سافير بصرامة وهو يسحب الرمح ببطء "هذه... من أجل كل من ظلمتهم." انهار زيناريس على الأرض، جسده يتلاشى في رماد أسود تذروه الرياح، تاركًا خلفه فراغًا ثقيلًا... ونهاية أسطورة مظلمة. وفي الجانب الآخر من القاعة، كانت المبارزة بين فيلو وداركان ضد إلثارا في ذروتها. صرخت إلثارا وهي تتراجع للخلف، لكن ضربة مزدوجة من سيفي فيلو وداركان شقت دفاعها، لتسقط جثة هامدة بلا حراك. أما أندرال، فقد أجهز على فالريك بضربة حاسمة قصلت رأسه عن جسده، ثم التفت سريعًا، والكل يركض نحو داني الملقى على الأرض، دماؤه تلطخ الرخام. ألورا كانت أول من وصل، ارتمت على ركبتيها بجانبه، يديها ترتجف وهي تمسك بوجهه. قالت بصوت مبحوح بالدموع "داني... لا ترحل، أرجوك..." ابتسم رغم النزيف الذي يلطخ شفتيه، ورفع يده ليلمس وجنتها برفق. "كيف أرحل... وهناك عيون فيروزية ما زلت أريد أن أغرق فيها." شهقت، ودموعها تنهمر "أنت ستعيش... ستظل معي، أليس كذلك؟" أجاب بابتسامة ضعيفة "إن كنت سأرحل... فليكن آخر ما أراه هو وجهك الجميل... وآخر ما أشعر به هو دفء يديكِ." كانت إليتا وأوسمار خلفها، يراقبون بصمت، والدموع تكسر هيبة الموقف. همس داني، وصوته يخفت "عيونكِ... أجمل ما سرقته من هذا العالم..." ثم مدّ نظره إلى معلّميه أندرال وداركان وفيلو، وإلى رفاقه راغين وشيلا، وصوته يخرج متهدّجًا ممزوجًا بألم الفقد: "لقد كان شرفًا لي أن أقاتل بجانبكم... أن أحمل الرمح إلى جواركم... وإن كان هذا آخر يوم في حياتي، فأنا راضٍ، ما دمتم أنتم بخير." أرخى جسده، واغمض عينيه، وكأنّه يسلم روحه، لكن خطوات واثقة قطعت عليه طريق الموت. ركع سافير إلى جواره، وعيناه تلمعان بصدق غريب، وقال بصوت دافئ نافذ: "كلا، يا داني... لم يحن موعدك بعد." رفع داني عينيه بصعوبة، وهمس: "لقد انتهى أمري أيها الأمير... فعلت ما كان يجب، وحان الوقت لكي أرتاح." هزّ سافير رأسه نفياً بابتسامة خفيفة: "أتعلم ما فعلته بي؟ لقد حرّرتني من قيدي، وأعدت لي ذاتي، وتحملت من الألم ما يكفي أن يقتل عشرات الرجال... لكن مهمتك لم تنتهِ، وحياتك ما زالت تنتظرك." مدّ يده، ووضع كفه على جرح داني النازف، فأضاءت بوهج ذهبي دافئ، وتدفّق النور في جسده حتى شعر أنفاسه تعود، وقلبه يخفق بقوة. شهق داني، وكأنّ صدره امتلأ بالحياة من جديد، نهض ثم نظر إلى سافير بدهشة وامتنان. ابتسم سافير، فسأله داني بصوت خافت: "أيمكنني أن أطلب منك طلبًا أخيرًا؟" أجاب سافير: "قل ما تشاء." اقترب داني، وهمس بكلمات في اذنيه جعلت شفتي سافير ترتسمان بابتسامة صافية. وجّه سافير بصره نحو الأمير أوسمار، وقال بصوت مهيب: "أيها الأمير أوسمار، ياصديقي القديم... يطلب داني أن تهبه ابنتك ألورا. فما رأيك ان تزوج أبنتك من فارسنا الشجاع؟" صمت البهو لحظة، ثم تقدّم أوسمار بخطوات مهيبة، ووضع يده على كتف داني قائلاً: "لك ماطلبت، بل هو شرف لعائلتي." لم تملك ألورا نفسها، واحتضنته بقوة، والدموع تتلألأ في عينيها الفيروزيتين، هامسة: "ظننت أنني فقدتك... يا من سرقت قلبي منذ أن رأيتك أول مرة." رفع داني يده، ومسح دموعها برفق، وقال بابتسامة واهنة: "لو كانت روحي ستخرج الآن، فلتخرج... ما دمت أنظر إلى بحر عينيكِ." وبينما علت أصوات التهاني من كل جانب، كان العناق بينهما عناق حياة جديدة، كُتبت على أنقاض المعارك. النهاية: في عمق الغابة البيضاء، حيث الثلج يتساقط رقراقًا من بين أغصان الأشجار العتيقة، كان الصمت يلف المكان إلّا من وقع أنفاسهما. وقف داني وألورا متقابلين، يكسوهما وهج ضوء القمر، وكأنهما وحدهما في هذا العالم. ابتسم داني، وقال بصوت هادئ: "لم أظن يومًا أن قلبي الذي ذاق الوحدة لسنوات طويلة، سيخفق يومًا من أجل ابتسامة." اقتربت ألورا خطوة، وعيناها الفيروزيتان تشعّان بوميض العاطفة: "وأنا... لم أظن أن فارسًا يحمل رمحاً أثقل من همومه، يمكن أن يمدّ يده ليحمل قلبي بخفة كما لو كان يحمل ريشة." تنهد داني، وهمس: "كل ما مررت به، كل جرح وكل ليلة من الوحدة... كان طريقًا يقودني إليكِ." ابتسمت ألورا بحياء، لكنها رفعت رأسها لتقول بثبات: "وأنا كنت أبحث عنك دون أن أدري... كنت أبحث عن ذاك الأمان الذي تمنحه لي نظرة واحدة منك." مدّ داني يده، وأخذ كفها برفق، وأكمل بصوت منخفض: "ألورا... إن وعدتني أن تبقي إلى جانبي، فأعدك أن أكون سيفك إذا هددك الخطر، ودفء صدرك إذا هبّت العواصف." اقتربت أكثر حتى شعرت بأنفاسه تدفئ وجهها، وقالت: "وأنا أعدك أن أكون سلامك حين تشتعل الحروب من حولك، وأن أكون بيتك أينما حلّت بك الغربة." ضحك داني بخفة، وهو يحيطها بذراعيه: "إذن، فلن ندع الحياة تفرّقنا... ما دام في صدورنا نبض، سنسير معًا." همست وهي تسند رأسها إلى صدره: "ومهما كان الطريق، سأمشيه ما دام يفضي إليك." ابتعد قليلًا، ونظر في عينيها طويلًا، ثم أمسك بيدها وقادها نحو حصان أبيض، وقال مبتسمًا: "هلمي، يا فتاة أحلامي... دعينا نترك خلفنا الحرب، ونركض نحو ما ينتظرنا." ركبت خلفه، وضمّت ذراعيها حوله، فانطلق الحصان يخترق الغابة البيضاء، يتطاير الثلج من حولهما، وكأن الليل نفسه يفسح لهما الطريق. وفي الختام، دوّى في قلب القصة صوت حكمة جميلة: "ليست المعارك التي نخوضها بسيوفنا هي ما يصنع مجدنا... بل القلوب التي نحملها من المعركة، سليمة، تنبض بالحب." تمت.