الفصل 14: وعد العيون الفيروزية
اللقاء المنتظر:
كانت الرياح الشمالية الباردة تعبث بأغصان الأشجار العالية التي تحيط بالمنزل الخشبي، بينما تساقطت أوراق الخريف الذهبية على الأرض في رقصة هادئة. أصداء حوافر الخيول تلاشت شيئًا فشيئًا، حتى توقفت أمام باب المنزل المألوف. نزل أندرال ورفاقه عن صهوات خيولهم، تتثاقل خطواتهم من تعب السفر، وتسبقهم أنفاس متلهفة لدفء الراحة.
وما إن تقدموا نحو الباب، حتى حدث ما لم يكن في حسبانهم… الباب الخشبي الثقيل، الذي كان مغلقًا منذ أشهر، انفتح ببطء دون أن تلمسه يد، مُحدثًا صريرًا عتيقًا يقطع صمت الغابة. ومن العتمة التي لفّت الداخل، خرج شاب عيناه خضراوان تتلألآن تحت شعاع الشمس المتسلل، وشعره الأسود الطويل ينسدل على كتفيه بانسياب. كان ممسكًا برمحه الذهبي، يرفعه قليلًا كأنه إعلان عن حضوره، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة عميقة وثابتة.
قال بصوت مفعم بالثقة والدفء:
"هل اشتقتم إليّ؟"
كأن الزمن توقف لحظة… ثم انفجرت القلوب قبل الأصوات.
هرع راغين وشيلا نحوه أولًا، وكأن أقدامهما لم تعد تلامس الأرض. كانت شيلا تكاد تبكي وهي تصرخ باسمه، بينما راغين، بضحكته الجهورية، أمسك كتفيه بقوة قبل أن يضمه إلى صدره.
قالت شيلا بصوت متقطع من فرط الانفعال:
"ظننت… ظننت أننا لن نراك ثانية!"
ابتسم داني وهو يربت على كتفيهما:
"لقد أشتقتُ إليكم كثيراً."
لكن قبل أن يلتقط أنفاسه، اقترب داركان بخطوات سريعة وثابتة، وعيناه تضيقان بغضب مكبوت. وبدون مقدمات، وجه له لكمة قوية في وجهه، جعلت رأس داني ينحرف قليلًا إلى الجانب.
لكن قبل أن يرد أو يعترض، كان داركان قد جذبه إلى حضنه بقوة، وضغط على كتفيه وهو يقول بصوت عميق ومختنق:
"أيها الأحمق… أين كنت طوال تلك المدة؟ لقد جعلتنا نحسبك في عداد الموتى!"
ضحك داني بخفة، رغم الدم الذي بدأ يتجمع عند شفته:
"آسف… لكن كان عليّ أن أختفي، كان الأمر ضروريًا أكثر مما تتصور."
ثم جاء دور فيلو، الذي لم يقل شيئًا في البداية، بل تقدّم بهدوء وأحاطه بذراعيه في عناق طويل، وكأنه يحاول أن يتأكد أنه حقيقي وليس مجرد طيف. وبعد أن ابتعد قليلًا، نظر في عينيه وقال:
"لقد عدت… وهذا يكفيني الآن."
أما أندرال، فقد بقي واقفًا في مكانه، يراقبه بصمت. كانت نظراته تحمل شيئًا بين الحنين والحذر، وكأن قلبه لم يصدق بعد. ابتسم داني بخفة وقال:
"أما أنت… ألم تشتق إليّ، أيها العم هارولد؟"
ارتسمت على وجه أندرال ابتسامة حانية لم يرها أحد منذ فترة، وفتح ذراعيه دون أن ينبس بكلمة. لم ينتظر داني لحظة، بل ركض نحوه وألقى بنفسه بين ذراعيه، كطفل عاد إلى حضن أبيه بعد غياب طويل.
ظل الجميع للحظات واقفين أمام باب المنزل، تحيطهم أشعة الشمس التي بدأت تنكسر عبر الأغصان، وكأن الطبيعة نفسها تحتفل بعودة الغائب. وفي أعينهم جميعًا، كان هناك سؤال واحد لم يجرؤ أحد على طرحه بعد…
ماذا حدث لك يا داني؟
لكن الوقت لم يكن وقت أسئلة… بل وقت استقبال من عاد من رحلة بين الحياة والموت.
خبر العودة المزلزل:
في أروقة قصر مملكة أورينيل، حيث تتعانق أحجار الجدران الرمادية الباردة مع النوافذ العالية الموشّاة بزجاج أزرق داكن يعكس أضواء المشاعل الخافتة، كان الصمت يلف المكان إلا من وقع أقدام الحراس وهم يبدّلون مواقعهم بانتظام.
في البهو الواسع المؤدي إلى بهو العرش، تراقصت الظلال على الأرض الرخامية تحت وهج المشاعل المعلقة، حتى شُقّ الصمت بخطوات مسرعة تقترب.
كانت إلثارا، بردائها الأسود المطرز بخيوط فضية، تتحرك بخفة، لكن أنفاسها اللاهثة كشفت أن الأمر الذي تحمله ليس عابرًا. عبرت البهو حتى وصلت أمام البوابات الضخمة المزيّنة بنقوش ناتئة تُجسّد مخلوقات أسطورية، فأومأ الحراس وفتحوا لها الطريق.
عند مدخل القاعة، جلس زيناريس على عرشه العالي، عرشه الكريستالي. كانت عيناه الداكنتان تتابعان مخططًا أمامه، قبل أن يرفع نظره نحوها حين اقتربت وانحنت انحناءة احترام.
قالت بصوت متوتر، وكأنها ما زالت لا تصدق الخبر:
"مولاي... الفتى... لقد عاد."
ارتفع حاجباه قليلًا، لكن نبرته ظلّت ثابتة وهو يقول:
"عاد؟"
خطت خطوة أقرب، ثم أكملت بسرعة:
"لكنّه ليس كما كان... هالته الآن مختلفة، قوية... حتى إن سحري أنا بدأ يتأثر منه. شعرت بها من مسافة بعيدة، طاقة حادة، صافية، كأنها تُبسط سيطرتها على الهواء من حوله."
أمال زيناريس رأسه قليلًا، وعيناه تضيقان باهتمام حقيقي هذه المرة:
"قولي لي يا إلثارا... ماذا ترين في عودته؟ خطر أم فرصة؟"
ترددت لثوانٍ، ثم قالت وهي تحاول إخفاء توترها:
"مولاي، إن ما يحمله لم يعد طاقة بشرية، بل شيء أعمق... شيء لا يخضع لقيودنا المعتادة. إذا اقتربت منه، فإما أن تُحطّم إرادته تحت قوتك... أو تجد نفسك أنت من يتحطم."
ساد الصمت لحظات، كان خلالها زيناريس يحدق في الفراغ أمامه وكأنه يزن الاحتمالات في ذهنه، قبل أن يبتسم ابتسامة باردة.
"إذًا، سنختبره... أريدك أن تدنيه إلينا، لكن بحذر. لا أريد أن نشعره أننا نلاحقه، بل ندعوه ليقترب."
انحنت إلثارا مجددًا:
"أمرك مولاي... سأتعامل معه بحذر شديد."
قبل أن تغادر، أضاف زيناريس بنبرة أثقل:
"إلثارا... إن شعرتِ أن هالته تهددك مرة أخرى، لا تترددي في استخدام القوة القصوى، حتى لو كلفك الأمر حياتك."
رفعت رأسها، وعينيها تلمعان بمزيج من الولاء والحذر:
"كما تأمر، يا سيد الظلال."
ثم غادرت القاعة، تاركة زيناريس غارقًا في أفكاره، بينما أضواء المشاعل ترتجف وكأن القصر نفسه شعر بأن شيئًا كبيرًا يقترب.
بين الحاضر وظلال الذكرى:
في منزل أندرال الخشبي، كان الجميع ملتفّين حول المائدة الخشبية الكبيرة، تتسلّل أشعة الشمس عبر النوافذ الصغيرة، تاركة بقعًا ذهبية على وجوههم المتعبة. جلس داني بينهم، عيناه الخضراوان تحملان بريقًا غريبًا، وكأنهما تخبئان عوالم لم يعرفوها من قبل.
قال فيلو وهو يضع يده على كتف داني:
"والآن… أخبرنا، أين كنت كل هذا الوقت؟"
ساد الصمت، وتجمّعت الأنظار عليه. تنفّس بعمق، وصوته جاء هادئًا، لكنه مثقّل بالذكريات:
"كل شيء بدأ حين تحطّمت قيود السحر التي كانت تعصف بعقلي... في الغابة، وقت مبارزتكم مع جنود إلثارا. شعرت حينها أنني السبب في خذلانكم، فقررت أن أختفي… حتى أستعيد السيطرة على نفسي."
ومع كلماته، انحسر الحاضر عن المكان، وغرقت الغرفة في ظلال الذكرى…
كان يسير وحيدًا، أيّامًا طويلة، بين الغابات، لا يعرف وجهةً ولا يملك قوتًا. أنفاسه كانت تتثاقل مع كل خطوة، والبرد ينخر عظامه. لم يتذوّق طعامًا ولا شرب ماءً، حتى بدت الدنيا كظلال باهتة.
وفي فجر يوم بارد، لاحت أمامه غابة غريبة… أشجارها وأعشابها بيضاء ناصعة كأنها من ثلج، لكن لا برد ينبعث منها. تعثر في جذور شجرة، وسقط على الأرض، ثم غابت الدنيا عن عينيه.
حين فتح جفونه، كان في غرفة فخمة، جدرانها مزدانة بألوان سماوية هادئة، وستائرها تتراقص مع نسيم عليل. إلى جواره، وقفت فتاتان من جمالٍ لا يوصف… إحداهما ذات شعر فضي وعينين خضراوين، والأخرى ذات بشرة بيضاء وعيون فيروزية لامعة. ابتسم وهو ينطق الاسم:
"ألورا…"
كان صوته حينها يحمل دفئًا خاصًا، وابتسامة رقيقة شردت على ملامحه.
ثم أضاف: "وإليتا…"
وبالقرب منهم، جلس رجل وقور بملابس ملكية فاخرة، كان أمير مملكة أستراند… أوسمار. وإلى جانبه حكيم غريب الهيئة، يرسم في الهواء رموزًا غير مفهومة، كأنها طقوس من عالم آخر.
علم لاحقًا أنه ظلّ في غيبوبة شهرًا كاملًا، وحين استعاد وعيه، أمضى شهرين في ذلك المكان، تعلّم فيهما فنون القتال، وأسرارًا روحانية وعقلية لم يكن يظن أنه قادر على إتقانها.
وفي ليلة ساكنة، زاره الأمير سافير في منامه، وقال له بصوت حازم:
"لقد حان وقت العودة، يا داني."
عاد الحاضر فجأة، كأن ستارًا أُسدل على ذكرى الماضي. أكمل داني وهو ينظر إليهم:
"وفي صباح اليوم التالي، استعددت للرحيل. وعدني الأمير أوسمار أني إن احتجتُ يومًا إلى الدعم، فسيكون إلى جانبي… دائمًا."
انحنى أندرال قليلًا إلى الأمام، عينيه تلمعان بالفخر:
"لقد عدت أقوى مما كنت، يا فتى. وهذا ما كنا بحاجة إليه."
داركان أشار إليه بإصبعه وهو يبتسم ابتسامة نصف جادة:
"ولكن لا تظن أن قوتك الجديدة ستعفيك من التدريب معي. سأختبر ما تعلمته… بكل قسوة."
ضحك فيلو وهو يضرب على الطاولة بيده:
"كنت أعلم أنك ستعود ومعك حكاية جنونية أخرى! لكن هذه… فاقت كل توقّعاتي."
أما راغين، فابتسم ابتسامة دافئة وقال:
"المهم أنك عدت. قوتك وحدها لا تكفي، نحن بحاجة إلى قلبك معنا كما كان دائمًا."
شيلا كانت أكثرهم صمتًا، لكن نظرتها نحوه كانت مليئة بالامتنان، وكأنها تقول دون كلمات: "مرحباً بعودتك إلينا."
همسات تحت ضوء القمر:
في جناحٍ أنيق داخل قصر مملكة أستراند، كانت جدرانه مرصوفة بأحجار مموجة الألوان بين الأحمر العميق والأبيض العاجي، تتدلّى على نوافذه ستائر من حرير خالص، تتمايل بخفة مع نسيم الليل البارد. جلست ألورا أمام مرآة بيضاوية الإطار، تمشط شعرها الفضيّ الطويل، فتنعكس خيوط ضوء الشموع على خصلاته فيبدو كأنها خيوط قمرية حيّة.
وبينما تمرر المشط بهدوء، تلاشت ملامح الغرفة من ذهنها، وحلّت محلها صورة أخرى، ذكرى تسللت إلى قلبها دون استئذان...
كانا في حديقة القصر الداخلية، حيث الأشجار المزهرة تحيطهما من كل جانب، وأصوات النوافير تتداخل مع زقزقة الطيور الليلية. جلس داني إلى جوارها على مقعد حجري نصف دائري، يرفع بصره نحو القمر الذي بدا أكبر وأقرب في تلك الليلة. كان الصمت بينهما مريحًا، كأن كل كلمة لم تُقل قد قيلت بالفعل في تلك اللحظات.
قالت ألورا وهي تتابع بصره نحو السماء:
"أتعلم… القمر لا يخاف من الظلام الذي يحيط به، بل يزداد إشراقًا كلما اشتدّت العتمة."
ابتسم داني ابتسامة خفيفة، لكنها لم تُخفِ التردد الذي يقطنه، ثم أجاب بصوت خافت:
"لكن القمر لا يختار مكانه… أما أنا، فأخشى أن يكون اختياري خاطئًا… وأن أكون سببًا في ضياع من يراني أملاً له."
أدارت وجهها نحوه، وعيناها الفيروزيتان تحملان دفئًا يكفي لطمأنة قلب مضطرب:
"الخوف ليس دليل ضعف، داني… إنه دليل أنك تحمل شيئًا ثمينًا تخشى فقده. لكن تذكّر… لا أحد وُلد مستعدًا لمصيره، بل نصبح كذلك عندما نواجهه."
ساد صمت قصير، تبادل فيه كلاهما نظرات طويلة، كانت الكلمات تختبئ خلفها. شعور خفيف، كنسيم الفجر، مرّ بينهما. لم يكن مجرد نسيم، لكنه كان شيئًا أعمق… وعدًا صامتًا بالوجود والدعم.
قطع داني النظر وأخفض رأسه، وكأن اعترافًا ما كاد يهرب من شفتيه، لكن ألورا لم تضغط عليه. اكتفت بابتسامة صغيرة، وهي تدرك أن بعض الكلمات يجب أن تبقى في القلب حتى يحين وقتها.
وفجأة، انقطعت خيوط الذكرى، لتعود ألورا إلى حاضرها مع صوت طرق خفيف على باب جناحها. دخلت إليتا بخطوات هادئة، وشعرها الفضي ينساب على كتفيها، وعيناها الخضراوان تتأمل أختها بنظرة فضول.
"ألستِ نائمة بعد؟" سألتها إليتا وهي تقترب.
هزّت ألورا رأسها مبتسمة بخفوت:
"لا… فقط لم يأتِني النوم بعد."
جلست إليتا على طرف السرير، ومالت للأمام وهي تقول:
"هل كنتِ تفكرين في ذلك الفتى؟"
ابتسمت ألورا بزاوية فمها، لكنها لم تجب مباشرة. قالت بصوت هادئ:
"إنه مختلف… قوته ليست في السيف أو السحر فقط، بل في قلبه… أعتقد أنه قادر على تحرير الأمير سافير."
أومأت إليتا برفق، ثم أضافت وهي ترفع حاجبها مازحة:
"وربما أسر قلب أختي في الطريق؟"
ضحكت ألورا بخفة وهي تلوّح بيدها:
"كفي عن هذا الهراء."
ضحكت إليتا أيضًا، ثم نهضت وهي تقول:
"حسنًا، سأتوقف… الليلة فقط." وأردفت بخبث: "لكن إن عاد مرة أخرى، لن أترككِ دون أن أعرف كل شيء."
هزّت ألورا رأسها مبتسمة وهي تراقب أختها تخرج من الغرفة، ثم أغلقت الستائر على ضوء القمر، واستلقت على سريرها الوثير، تاركة أفكارها تنساب إلى عالم الأحلام، حيث قد يلتقيان من جديد.
ساحة التدريب العشبية بمنزل أندرال:
جلس داني على العشب الرطب، عيناه معلّقتان بالقمر المعلّق في السماء كجوهرة من الفضة، يراقب لمعانه وكأنما يبحث فيه عن إجابة لما يدور في قلبه. سكنت الأصوات من حوله، إلا من همس الريح وهي تلامس أطراف الأشجار.
تسلّلت إلى ذهنه ذكرى…
كان هو وألورا جالسين في حديقة قصر أستراند، حيث الأشجار المزهرة تحيط بهما، والقمر ينثر ضياءه على ملامحهما. كان قلبه آنذاك مثقلاً بالشكوك والخوف من المصير الذي ينتظره.
قال بصوت خافت:
"لا أعلم، ألورا… لا أدري إن كنت أملك القوة لأمضي حتى النهاية."
ابتسمت وهي تحدّق في القمر:
"إن كانت القوة في السيف، فالقلوب أقوى. وأنت… قلبك أعظم مما تظن."
ظلّ صامتًا للحظات، ثم التفت إليها، ومدّ يده ليمسك بيدها برفق. ارتجف قلبه، لكنّه لم يتردّد:
"ألورا… أنا أحبك."
اتسعت عيناها قليلًا، ولمعتا بدمعة حبيسة، لكنها لم تترك يده. قال وهو يخفض صوته:
"أعرف أن هذا الحب قد ينتهي… بانتهاء مهمتي وعودتي إلى عالمي."
هزّت رأسها نافية، وهمست بنبرة يختلط فيها الرجاء بالعزم:
"لا تعد إذًا… اجعل هذا العالم عالمك… واجعلني أنا موطنك."
ابتسم ابتسامة حزينة:
"إن الحياة لا تسألنا عن رغباتنا."
"لكنها تُهزم إذا قاتلناها بإختياراتنا… فقاتل من أجلي، كما سأقاتل من أجلك."
وبينما كان قلباهما يتقاربان أكثر، انسحبت الصورة فجأة، لتعيده إلى الحاضر.
سمع خطوات تقترب، فنهض من مكانه، ورمق القادم بعيون حذرة.
قال ببرود:
"ما الذي جاء بكِ إلى هنا، إلثارا؟"
اقتربت منه حتى صارت على بُعد خطوات قليلة، ثم مدّت يدها لتلمس خده برفق، وهمست:
"ظننت أنّك قد تحتاج… إلى من يذكّرك بمن هو الأقوى هنا."
أمسك بمعصمها وأبعد يدها بقوة، عينيه تلمعان بغضب:
"إيّاكِ… إيّاكِ أن تفكّري بهذا حتى في خيالكِ."
ارتفع حاجباها، لكنها سرعان ما أخفت اندهاشها بابتسامة باردة:
"كما تريد… لكن مولاك زيناريس يرغب في رؤيتك حالًا."
أطلق ضحكة قصيرة خالية من المرح:
"مولاي؟ كم أنتِ حمقاء يا إلثارا … أخبريه إن أراد رؤيتي، فليأتِ هو إليّ. أنا لا أركع أمام من يختبئ خلف أتباعه."
ضاق صوتها وهي تقول:
"انتبه لكلماتك أيها الفتى… فزيناريس ليس رجلاً يقبل الإهانة."
اقترب خطوة للأمام، وصوته يزداد صلابة:
"وأنا لستُ رجلًا يقبل الأوامر. إن أراد الحديث، فليأتِ بنفسه… أو ليصمت إلى الأبد."
تبادلا نظرات طويلة مشحونة بالتحدي، قبل أن تدير ظهرها بخطوات ثابتة، تاركةً خلفها صدى كلماته يعلو في الساحة.