حين نطق الرمح - الفصل الثالث عشر: بين الخفاء والبحث - بقلم ميوش السوهاجية - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين نطق الرمح
المؤلف / الكاتب: ميوش السوهاجية
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثالث عشر: بين الخفاء والبحث

الفصل الثالث عشر: بين الخفاء والبحث

عيون في الظلال: في الليالي الباردة التي تُظلِّل مملكة أورينيل وما جاورها، كان الصمت يلف الأزقة والطرقات كما يلف الليل جسد الأرض. لا يسمع المرء سوى وقع خطواتٍ متخفٍّة، وحفيف عباءاتٍ سوداء تنزلق بين الظلال. كانت عيون فالريك، جواسيسه الماهرون، قد انتشروا في كل ركن، ينسلون كالذئاب في الغابة، لا يراهم أحد، ولا يشعر بوجودهم إلا حين يمرّون قربه وكأن الهواء نفسه تغيّر. على أسطح البيوت، وبين رواد الحانات والمجالس، كانوا يراقبون ويسترقون السمع لكل همسة، لكل حكاية قد تحمل خيطًا صغيرًا يقود إلى الفتى المختار. كلٌّ منهم يعرف مهمته جيدًا، وأوامر فالريك كانت صارمة: "أي كلمة، أي شائعة، أي أثر… تنقلونه إليّ فورًا، ولو كان همس عجوز في سوق." في مملكة أورينيل، جثا جاسوس نحيل القامة على سقف احدى البيوت في سوقٍ قديم، يتأمل المارة بنظرة الصياد الذي يبحث عن فريسته. كان يراقب حوارًا بين تاجرين مسنين، علّ أحدهما يذكر أمرًا عن سلاح ذهبي أو فتى غريب الملامح. لكن الحوار لم يتجاوز أسعار الحبوب وأخبار الطقس. وفي مملكة أخرى، كانت جاسوسة ترتدي وشاحًا أزرقًا تمشي بين النساء، متظاهرة بأنها بائعة قماش، لكنها في الحقيقة كانت تلتقط الكلمات المتناثرة من أفواه المتسامرين. لم تجد سوى حديث عن موسم الحصاد وحفل زفاف أمير صغير، ولا شيء أكثر. حتى في الحانات المظلمة، حيث تنكشف ألسنة الناس بفعل الشراب، جلس رجال فالريك متنكرين في هيئة مرتحلين و تجار جلود، يجرون الأحاديث مع الغرباء. لكن كل ما سمعوه كان قصص مغامرات قديمة أو شكاوى من الضرائب، دون أي ذكر لفتى أخضر العينين أو رمح ذهبي. بعد أسابيع من البحث المضني، اجتمع بعض الجواسيس في مخبأٍ سريّ خارج أسوار أورينيل. كانت وجوههم تعكس إرهاقًا وخيبة أمل. أحدهم قال بصوتٍ خافت: "كأن الفتى ابتلعه الظلام… لا أثر، لا همس، لا ظل." آخر هزّ رأسه قائلًا: "ربما مات… أو أن قوةً ما تُخفيه عن أعيننا." وفي قصر زيناريس، دخل فالريك على سيده بخطواتٍ ثقيلة، وألقى تقريره الأخير: "مولاي… لقد بحث رجالي في كل مكان. الممالك، القرى، حتى أطراف الغابات. لكننا لم نجد ما يُذكر… لا كلمة، لا أثر." ظل زيناريس واقفًا أمام تمثال الأمير سافير، مبتسمًا بسخرية باردة، وقال بصوتٍ غامض: "لم أتوقع أن يكون الأمر سهلًا… إن اختفى عن الجن والشياطين، فسيختفي عن البشر أيضًا. لكن لا تقلق، فالريك… الظلال لا تبقى خفية إلى الأبد. عاجلًا أم آجلًا، سيخطئ أحدهم، وسنجد الخيط الذي يقودنا إليه." أختام بلا أثر: في أعماق الشمال القاحل، حيث تعصف الرياح الباردة كالسكاكين، يرتفع قصر الحكماء شامخًا بلون أحجاره السوداء التي تلمع تحت ضوء قمر شاحب. خلف الجدران المنيعة، وفي القاعة الكبرى ذات الأعمدة المزخرفة برموز غامضة، اجتمع الحكماء الثلاثة كالدير، ونيفار، ولافين، حول مائدة دائرية محفورة بتعاويذ قديمة. كانت الشموع السوداء تتراقص ألسنتها وسط ظلال القاعة، فيما جلس بقية الفريق؛ أندرال وداركان وفيلو وراغين وشيلا. قال كالدير وهو يقلب صفحات مخطوطة مهترئة: "لقد فعلنا كل ما بوسعنا... استعنا بالعرافين، واستحضرنا خرائط النجوم، وفعّلنا الأختام السحرية التي لم تُستخدم منذ قرون… ومع ذلك، لا أثر له." أجاب نيفار بصوت عميق، وعيناه تتأملان الختم السحري المضيء في منتصف الطاولة: "إنه ليس اختفاءً عاديًا. هناك قوة ما تحجب وجوده حتى عن أعين العرافين، وكأنها غطاء أُنسج بخيوط الظلام نفسه." لافين، الذي كان يراقب الرموز المضيئة تتلاشى شيئًا فشيئًا، أضاف: "الأختام القديمة لا تخطئ… لكنها أيضًا لا تستطيع اختراق سحر من طبيعة لم نعرفها من قبل." من زاوية القاعة، تقدم أندرال و وضع يده على المائدة: "أسابيع من البحث، والرحلات، والمراقبة… ولا حتى همسة خبر عنه؟ أهذا الفتى شبح أم سراب؟" ردّت شيلا بنبرة هادئة، لكنها تحمل ثقل الحكمة: "ليس شبحًا ولا سراباً، بل محميّ. هناك فارق. من يحميه يعلم أن كشف مكانه يعني نهايته… ونهايتهم." قال راغين ساخرًا: "أو ربما هو ببساطة… ميت." التفت نحوه فيلو بحدة: "لا، لو كان ميتًا لانطفأت إشارات الرمح منذ زمن. إن الرمح الذهبي ما زال نشطًا، وقد شعرت بتردده الطاقي قبل أيام." صمت الجمع لحظة، وكأنهم يستمعون لنبض الغرفة. الشموع أصدرت فرقعات خافتة، وكأنها تهمس بأسرار لا يفهمها إلا السحرة القدماء. أخيرًا، قال كالدير بحزم: "إن لم نجد أثره في العالم المعلوم… فقد يكون خارج حدود العوالم الثلاثة." ارتجف الهواء في القاعة عند نطقه بتلك الكلمات، وكأن الجدران نفسها لم تحب الفكرة. تبادل الحكماء والفريق النظرات القلقة، فحتى هم، أصحاب الخبرة، يعلمون أن تجاوز حدود العوالم يعني الدخول في أرضٍ حيث القوانين لا تنتمي للبشر أو الجن. قالت شيلا بخفوت: "إن كان هذا صحيحًا… فقد لا يكون العثور عليه مجرد مسألة وقت… بل مسألة تضحية." انطفأت إحدى الشموع فجأة، تاركة القاعة في ظل أعمق، وكأن الليل نفسه استمع لحديثهم وأراد أن يخفيه. نداء ما وراء الحجب: في عمق قصر أستراند، داخل غرفة سماوية اللون، كان السكون يلفّ المكان كما يلف الضباب قمم الجبال البعيدة. ستائر من الحرير تتحرك ببطء مع نسيمٍ بارد يتسلل من نافذة نصف مفتوحة، حاملاً رائحة البحر ووشوشة الأمواج البعيدة. على السرير الفخم، كان داني مستلقيًا، ملامحه هادئة بعد أسابيع من الصمت والانفصال عن العالم، وجهه استعاد بعضًا من لونه الطبيعي، وأنفاسه المنتظمة تشي بتحسّنٍ بطيء لكن ملموس. لكن، في تلك الليلة، بدا أن عالمه لم يعد محصورًا بين جدران الغرفة. انفتح أمامه فضاءٌ شاسع، غير محدود، تسبح فيه أضواء ذهبية وفضية، ووسط ذلك النور كان يقف الأمير سافير، بملامحه المهيبة وعيونه التي تحمل بريق العصور. لم يكن صوته كأصوات البشر، بل كان أشبه بصدى يخرج من أعماق الروح، يخترق طبقات الوعي ليصل إلى الجوهر ذاته. قال سافير بصوت حازم هادئ: "لقد طال صمتك يا داني، لكن العالم لا ينتظر من يتردد. حان وقت العودة… وإكمال ما بدأته. الرمح لا يختار عبثًا، والقدر لا يمنح الفرصة مرتين." ارتجّ الفضاء حولهما كأن كلماته أطلقت موجة من الطاقة، ورأى داني صورًا متتابعة: مدن تحترق، وجوه تطلب النجدة، ووميض الرمح يشق الظلام. ومع كل صورة، كان قلبه يخفق بقوة أكبر، حتى شعر بالحرارة تتصاعد في جسده. اقترب سافير خطوة، ومد يده كما لو كان يريد أن يضعها على كتف داني وقال: "انهض حين تسمع النداء القادم… فالطريق قد بدأ بالفعل." ثم تلاشى النور فجأة، وفتح داني عينيه دفعة واحدة. كانت عيناه تتوهجان بلونٍ ذهبي ساطع، أشبه بلهيبٍ نقي يشتعل في الأعماق. لحظة صمت تامة غلّفت المكان، قبل أن ترتسم على شفتيه ابتسامة صغيرة، ليست ابتسامة ارتياح… بل ابتسامة من عرف طريقه أخيرًا. قصر مملكة أورينيل: كان صمت غرفة الاجتماعات يثقل على الأنفاس، والجدران الحجرية الرمادية تعكس برودة القلوب قبل برودة الحجر. خرائط شاسعة كانت تتدلّى على الجدران، ممهورة بعلامات حمراء وسوداء، تتقاطع فيها خطوط ودوائر، وكأنها تحاول عبثًا أن تكشف سرًّا ضاع بين الظلال. في منتصف القاعة، انتصبت طاولة خشبية عتيقة، محفورة الأطراف، تحيط بها كراسٍ عالية المسند، يجلس عليها الثلاثة: زيناريس، وإلثارا، وفالريك. كان زيناريس جالسًا على رأس الطاولة، أصابعه تنقر على الخشب بإيقاع غاضب، وعيناه تشتعلان بلهيب لا تخطئه الأبصار. فجأة، انقطع الصمت بصوته الحاد: "ثلاثة أشهر... ثلاثة أشهر كاملة ونحن نبحث، ولا أثر... لا أثر لذلك الفتى! أهذا عجز منكم، أم أنكم تنتظرون أن يسقط من السماء أمام أبوابنا؟" رفع فالريك رأسه بثبات، ملامحه لا تعكس أي اضطراب، وقال بنبرة واثقة وإن كانت تحمل شيئًا من الضيق: "مولاي، جواسيسي ينتشرون في كل مملكة، وفي القرى البعيدة كما المدن، حتى الموانئ والصحارى لم نسلمها من العيون. كل جواب يصلني هو ذاته: لا خبر، لا أثر، لا علامة تدل على مكانه." ابتسم زيناريس بسخرية مريرة، لكن إلثارا قاطعت التوتر قبل أن يتصاعد، وهي تميل بجسدها إلى الأمام قائلة: "أنا أيضًا، لم أدّخر جهدًا، مولاي. أرسلت الجن والشياطين ليلاً ونهارًا، واستدعيت الأرواح التي لا تُخطئ أثرًا. أقمتُ تعاويذ تتبع لم أستخدمها منذ قرون، ومع ذلك... الفراغ هو ما أعود به كل مرة." انحنى زيناريس إلى الأمام، عيناه ضيقتان، وصوته منخفض لكن يقطر تهديدًا: "وماذا عن القوة التي منحتكِ إياها؟ لقد دمجتُ جزءًا من طاقتي السحرية معكِ، أليس كذلك؟" أطرقت إلثارا قليلًا، ثم رفعت بصرها بثبات: "نعم، دمجتها في طقوس التعقب، لكن النتيجة لم تتغيّر. وكأن قوة غامضة تحجب المختار عن كل عين، بشرية كانت أو شيطانية." سقط الصمت مجددًا، لكن هذه المرة كان صمتًا خانقًا، يثقل الصدور. ظلّ زيناريس يحدق في الخرائط، ثم قال فجأة بنبرة صارمة تقطع الهواء كالسيف: "إذن، فلنغير النهج. فالريك، ضاعف عدد جواسيسك، واجعلهم يتغلغلون في قصور الملوك قبل أسواق العامة. أريد أن أسمع أنفاس كل من قد يقترب من المختار، أو يعرف عنه شيئاً." ثم أدار رأسه نحو إلثارا: "وأنتِ... أرسلي جنود الظلال إلى الأماكن المحرّمة، إلى أطراف العوالم المظلمة التي لم نجرؤ على دخولها منذ الحروب القديمة. إذا كان مختبئًا في مكان كهذا، فسوف نخرجه منه، حيًّا أو ميتاً." أومأ الاثنان دون جدال، لكن في أعماق القاعة، كانت الخرائط المعلّقة تراقبهم بصمت... كأنها تعلم أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد. ما لم يكن متوقع: في قصر حكماء الشمال، حيث الجدران الحجرية العتيقة تتشح بعبق القرون، كان أندرال وداركان وفيلو وراغين وشيلا يقفون في القاعة الكبرى يستعدون للرحيل. على الطرف المقابل، وقف الحكماء الثلاثة: كالدير، ونيفار، ولافين، وملامح الأسى تكسو وجوههم. قال كالدير بصوت منخفض، كأنما يعتذر: ـ "لقد بذلنا كل ما في وسعنا... لكن دون جدوى." أطرق نيفار برأسه، وأردف لاڤين: ـ "لم نوفّق هذه المرة، لكنكم حملتم الأمانة كما يجب." تقدّم أندرال بخطوات ثابتة، مدّ يده مصافحًا الحكماء الثلاثة بكل احترام، وقال: ـ "جهدكم محل تقديرنا، وستظل مواقفكم في الذاكرة." انحنى الجميع تحيةً متبادلة، ثم انطلق الفرسان الخمسة خارج القصر، وأصوات حوافر خيولهم تتلاشى شيئًا فشيئًا وسط صقيع الشمال. وبعد أيّامٍ من المسير، حين لاحت لهم الغابة التي تحتضن منزل أندرال الخشبي، ترجلوا عن خيولهم وقد أثقلهم التعب. تقدّموا نحو الباب بصمت… لكن، وقبل أن تلامس أيديهم المقبض، انفتح الباب من تلقاء نفسه في بطء مهيب. وقفوا مشدوهين. ومن بين الظلال المنسكبة على العتبة، ظهر داني. عيناه الخضراوان تشعّان بوهج غامض، وشعره الأسود الطويل ينسدل على كتفيه في انسياب، وفي يده اليمنى يلمع الرمح الذهبي، يتوهّج بضوء الشمس الآفل. وقف داني وقفة شموخ، كأنما عاد من معركة لا يعرف سرّها إلا هو، وارتسمت على وجهه ابتسامة واثقة، قبل أن يصدح صوته، هادئًا لكن عميقًا: "هل اشتقتم إليّ؟" في تلك اللحظة، تجمد الزمن حولهم، وعرفوا جميعًا… أن رحلة جديدة قد بدأت.