حين نطق الرمح - الفصل الحادي عشر: اتفاق في الظلال - بقلم ميوش السوهاجية - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين نطق الرمح
المؤلف / الكاتب: ميوش السوهاجية
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الحادي عشر: اتفاق في الظلال

الفصل الحادي عشر: اتفاق في الظلال

قصر الحكماء في الشمال: كان الصباح في منزل أندرال ساكنًا إلا من صوت حفيف الريح الذي يتسلّل من بين نوافذ الحجر. شمسٌ باهتة أشرقت على أرضٍ مغطّاة بثلوجٍ متجمدة، وكأنّ السماء قد عزمت أن تُبقي البرد سيّد المكان. في البهو الواسع، كان أندرال يقف مستعدًّا، يضع عباءته الثقيلة الموشّاة بخيوط فضيّة، فيما داركان يربط حزام سيفه بعناية، وعيناه تلمعان بنظرة حذرة. فيلو كان يمرر أصابعه على مقبض خنجره، وكأنّه يتأكد من أنّه سيبقى قريبًا منه مهما حدث. راغين، كان يضبط درعه الجلديّ السميك، بينما شيلا ترتّب شعرها الكثيف وتخبئ خصلاته تحت غطاء رأس من الفرو الأبيض. لم يتبادلوا الكثير من الكلمات، فقد كانوا يعرفون أنّ الرحلة إلى الشمال ليست نزهة، بل مفاوضة مع أقوى حكماء المملكة. امتطوا خيولهم واتجهوا شمالًا، الطريق طويل ومليء بالجبال الصخرية التي تشقّها أنهار متجمدة، حتى بدت وكأنها شرايين فضية على جسد الأرض. ومع كل خطوة، كان الصمت يغلب على حديثهم، إلا من همسات الرياح الباردة. حين وصلوا، ارتفع أمامهم قصرٌ عظيم من الحجر الأسود، شامخ كأنه اقتطع من قلب الليل نفسه، يزيّنه نقوش فضيّة متشابكة على الجدران والأبراج. كان كل شيء فيه يصرخ بالعظمة والهيبة، من البوابات الضخمة المزخرفة، إلى النوافذ العالية ذات الزجاج الملوّن. فتح الحراس البوابة بمجرد رؤيتهم، وقد بدا عليهم الاحترام المبالغ فيه، وانحنوا قليلًا بأمرٍ واضحٍ من أسيادهم. على جانبي الممر، اصطف الخدم بملابس أنيقة سوداء وحواشي فضيّة، وأعينهم متجهة نحو الضيوف، فيما يعلو وجوههم تعبير ثابت لا ينم عن أي انفعال. قادهم أحد الحراس عبر ممرات فسيحة مضاءة بثريات من الكريستال الأسود، حتى بلغوا قاعة الحكماء. كانت القاعة فخمة، أرضها من الرخام الداكن الذي يعكس ضوء الشموع الفضيّة، وسقفها الموشّى برموز قديمة غامضة. في مقدمة القاعة جلس ثلاثة من الحكماء: نيفار ذو الملامح الحادة والعيون الرمادية، لافين بوجهه الهادئ وعينيه الذهبيّتين، وكالدير ذو الشعر الفضي الطويل والابتسامة الباردة. تقدّم أندرال بخطوات ثابتة وقال بصوتٍ عميق: "لقد تمّ اختيار الشخص الذي سيحرّر الأمير سافير من قيده... ولكنّنا نواجه مشكلة، إذ تلاعب الساحر زيناريس ومساعدته الساحرة إلثارا بمسار الأمور، والمختار قد اختفى، لا نعلم مكانه. جئنا لنطلب منكم العون في تتبّع أثره." تبادل الحكماء النظرات، ثم انحنى نيفار قليلًا للأمام وقال: "يمكننا تتبّع أثره... لكن الأمر ليس بلا ثمن." ارتفع حاجبا داركان وقال بحذر: "وما هو ثمنكم؟" ابتسم كالدير ابتسامة باردة وقال: "إن فشل المختار في مهمته... فالرمح المقدّس سيكون لنا." على الفور، اندفع فيلو إلى الأمام وقال بصوتٍ غاضب: "هذا مستحيل! الرمح ليس شيئًا يمكن المساومة عليه." داركان أيضًا ضمّ يده على مقبض سيفه وقال: "لن نسلّم الرمح لأحد، مهما كانت الظروف." لكن أندرال رفع يده بهدوء ليوقفهما، ونظر إلى الحكماء بثبات وقال: "أوافق." التفت إليه الجميع بدهشة، فقال بثقة: "أثق في المختار... أثق أنّه سينجح. وإن لم يفعل، فلن يكون للرمح فائدة تُذكر." عندئذٍ، خطا كالدير خطوة إلى الأمام، وبصوتٍ عميقٍ يليق بمقامه قال: "إذن لنجعل الأمر مُلزِمًا بميثاق الدم، حتى لا يكون مجالٌ للنكوص أو الخيانة." أومأ أندرال بثقة، مدّ يده ليأخذ الخنجر الفضي الذي قدّمه له كالدير، ثم شقّ راحة يده اليمنى بخطٍّ رفيع، فيما فعل كالدير الشيء ذاته. التقيا براحتَيْهما، وامتزج الدم الساخن بينهما، ومعه تردّد صدى كلمات العهد في القاعة الحجرية: "بدمنا نُقسم، وبعهدنا نفي، حتى يُتمّ المختار مهمته أو يُسلَّم الرمح إلى حكماء الشمال." شعّ وهجٌ فضّي غامض من نقطة التقاء الدم، كأن القصر نفسه قد شهد وأقرّ الميثاق، قبل أن يفترقا ويعود كل منهما إلى مجلسه. أوامر من الجناح القرمزي: كان الليل قد أرخى سدوله على مملكة أورينيل، حيث خبت أصوات الطيور، وعمَّ السكون إلا من صفير الرياح العابثة بستائر الشرفات. في الجناح القرمزي من قصر أورينيل، كانت الأضواء الخافتة المنبعثة من الشموع السوداء ترتجف على الجدران، وكأنها تهتز خوفًا من صاحبة المكان. جلست إلثارا، الساحرة أمام الطاولة الخشبية وفي وسطها بلورتها السحرية تتلألأ بضوء أزرق داكن، ينبض كما ينبض قلبٌ حي. مدّت يديها النحيلتين فوق البلورة، وأغمضت عينيها، ثم همست بتعاويذ بلغة منسية، فتبدّد السكون فجأة، وارتفعت من البلورة خيوط ضوء ملتوية، سرعان ما تحوّلت إلى دوامة سوداء. من أعماق تلك الدوامة بدأت تتشكل ظلال مشوهة، وجوه غريبة ذات أعين متوهجة وقرون ملتوية، وأجساد تلتف حولها سلاسل دخانية. ارتجف الهواء من حولها، ودوّى صوت همسات متداخلة: "من ينادينا من وراء الحجب؟" "ومن يجرؤ على اقتحام أبواب الظلام؟" ابتسمت إلثارا ابتسامة باردة، وقالت بصوت يقطر سلطة: "أنا… إلثارا، مالكة دماء العهد القديم." سكتت الأصوات لبرهة، ثم انحنت الظلال في خضوع. قال أحدهم، وصوته أشبه بصرير أبواب القبور: "أمركِ يا سيدتي، ونحن طوع أمرك." رفعت إلثارا يدها، فارتسمت على البلورة خريطة ثلاثية الأبعاد لمملكة أورينيل، تتلألأ فيها الجبال كأنها سيوف فضية، وتتشابك الغابات كسجادة خضراء داكنة، وتتلألأ الأنهار مثل عروق من الزجاج السائل. قالت بنبرة حازمة: "أريدكم أن تفتشوا هذه المملكة… كل غابة، كل جبل، كل نهر، وكل قرية. ابحثوا عن المختار… ذلك الفتى الذي تجرأ على تحدّي مولاي زيناريس. أريد مكانه قبل أن يكتمل القمر الثالث." ردّت إحدى الكائنات بصوت أنثوي أجش: "وإن وجدناه… ماذا نفعل به؟" ابتسمت إلثارا ابتسامة شريرة، ثم انحنى ظل الشمعة على وجهها ليزيده رهبة: "لا تمسّوه بسوء… حتى أعطيكم الإذن. سأكون أنا من يضع يده أولًا على قلبه." تقدمت إحدى الظلال، قائلة: "وما مكافأتنا إن أحضرنا لك خبره قبل الآخرين؟" أغلقت إلثارا أصابعها في الهواء وكأنها تمسك بقلوبهم، فترددت صرخات مكتومة من داخل الظلال. ثم قالت ببطء: "ستنالون دماءً نقية… دماء المختار نفسه، بعد أن أستخلص منه ما أريده." ساد الصمت المهيب للحظة، ثم تعالت همسات القبول والطاعة، قبل أن تتلاشى الظلال في دوامة الدخان، وتعود البلورة لتخبو، تاركة في الجو أثر رائحة رماد بارد. بقيت إلثارا وحيدة في جناحها، تمسح على سطح البلورة ببطء، وهمست لنفسها: "لن تختبئ عني طويلًا… يا صاحب الرمح." مائدة الحكماء وصرخة الشمال: في أرجاء القصر الأسود، حيث تتعانق الجدران العالية مع الظلال، وتتناثر المشاعل في الممرات فتُلقي بألسنتها النحاسية على الأرضيات الحجرية، كانت قاعة الحكماء تعجّ برائحة الأعشاب المحروقة والمسك العتيق. المائدة المستديرة المهيبة في منتصف القاعة كانت مفروشة بألوان شتى من الطعام: لحم الطيور المشوي، أرغفة الخبز الأسمر، أوعية الفاكهة الجبلية النادرة، وكؤوس معدنية يقطر على جوانبها ندى الشراب الساخن. جلس الحكماء الثلاثة: نيفار بملامحه الحادة وعينيه الرماديتين، ولافين ذو العيون الذهبية، وكالدير ذو الشعر الفضي الطويل، يحيط بهم أندرال الجالس بظهر مستقيم، وداركان الذي كان يُقلّب قطعة لحم على صحنه دون أن يأكل، وفيلو المائل بجسده إلى الأمام كأن أذنه تلتقط ما وراء الصمت، وراغين وشيلا اللذان يتبادلان النظرات بين الحين والآخر. كان الجو مشحونًا، لكن صمتهم انكسر حين فُتحت أبواب القاعة فجأة، واندفع أحد الحراس إلى الداخل، صوته يلهث كما لو كان قد صعد آلاف الدرجات في لحظة: "أيها السادة… أخبار عاجلة من المراصد الشمالية… ظواهر غريبة تجتاح مملكة أورينيل!" رفع نيفار رأسه ببطء، وصوته خرج حادًا كالسيف: "حدّثنا بالتفصيل… ما طبيعة هذه الظواهر؟" ابتلع الحارس ريقه، ثم تابع: "ألسنة نيران تظهر فجأة في الغابات ثم تختفي، أنهار تتبدل ألوانها للحظات، صخور تتحرك على غير طبيعتها، وأصوات في الجبال كأنها همسات حشود لا تُرى… وقد وجدنا آثار أقدام غريبة على ضفاف نهر أزورين، ليست لآدمي ولا لحيوان." انحنى داركان إلى الأمام، وصوته مُثقل بالريبة: "هذه ليست ظواهر طبيعية… هذه دعوات وأوامر من عوالم أخرى." تدخّل فيلو بعينين متسعتين: "حسب ما أعرفه، لا يمكن لمثل هذه الظواهر أن تنتشر بهذا الاتساع إلا إذا تم تحريك جموع من الجن والشياطين في وقت واحد… وهذا يعني أن وراء الأمر قوة عظمى… أو اثنتان." عندها ضرب راغين الطاولة بقبضته: "إلثارا… لا شك أنها بدأت تحريك قطعتها على رقعة اللعب." أضافت شيلا وهي تحدق في الفراغ: "وزيناريس لن يتأخر عن مواكبتها… إنهما يقتربان من هدف واحد." ساد الصمت لثوانٍ، إلى أن قال كالدير، بوجه جامد: "الهدف هو المختار… هذه التحركات ليست عبثية." أومأ نيفار ببطء ثم نظر إلى الحكماء: "إن سمحنا لهما بالسبق، فسوف نجد أنفسنا في موقع رد الفعل، لا الفعل… وهذا أمر لا يليق بنا." لافين، الذي كان يراقب الجميع بعينيه الذهبيتين، قال بنبرة حاسمة: "علينا أن نتحرك الآن. ليس غدًا، ولا بعد ساعة. كل دقيقة نتأخر فيها، قد تكون كافية لأن يمدوا أيديهم إليه." تبادل الحكماء الثلاثة نظراتهم الصامتة، وفي تلك اللحظة ارتفع صوت كالدير مجددًا، هذه المرة بنبرة تحمل أمرًا لا نقاش فيه: "إذن… نُصدر القرار: قواتنا ومراقبونا في كل الاتجاهات، قبل أن تمتد خيوط إلثارا وزيناريس إلى قلب أورينيل. لنسبقهم… ولنمنعهم من حتى شم رائحة المختار." أندرال، الذي كان صامتًا منذ بداية الاجتماع، ابتسم ابتسامة جانبية وقال بصوت خافت يكاد يكون تهديدًا: "حسنًا… فلتبدأ لعبة الظلال." وفي اللحظة التي دوّى فيها صدى تلك الكلمات بين جدران القاعة، كان الحارس ما يزال واقفًا، يحدق في وجوههم، وكأنه شعر أن شيئًا أكبر بكثير قد بدأ للتو… شيئًا لن تتوقف ارتداداته إلا حين تتصبغ الأرض بالدماء. غضب في الجناح القرمزي: في عمق قصر مملكة أورينيل، داخل الجناح القرمزي المهيب، جلست إلثارا على مقعدها الخشبي. أمامها الطاولة الخشبية الداكنة، تعلوها البلورة السحرية التي تتوهج بضوءٍ ازرق نابض، وكأنها قلب حيّ يخفق ببطء. ألسنة الشموع المتراقصة تعكس على وجهها مزيجاً من الغموض والقسوة. بدأت البلورة تصدر أصوات طنين غريب، تبعه تشقّق الهواء أمامها، ومن بين دوامات الظلّ والضباب، تجسدت هيئة الجنّ والشياطين الذين أرسلتهم قبل أيام، وجوههم مائلة بين الطاعة والخوف. ركعوا على ركبهم، وأحدهم، بصوت متردد، قال: "مولاتي… بحثنا في كل ركن من المملكة، من الغابات الكثيفة إلى أعالي الجبال، ومن مجرى النهر الكبير إلى أصغر القرى النائية… لكن… لا أثر للمختار." رفعت إلثارا رأسها فجأة، وارتسمت على ملامحها علامات غضبٍ حارق. ضربت بيدها على الطاولة، فاهتزت البلورة وارتفع وهجها القرمزي. صاحت بصوت اخترق أعصابهم: "لا أثر؟! أرسلْتُم جيوش الظلال ولم تجدوا شيئاً؟ أهذه هي قوتكم التي تفاخرون بها؟!" تراجع أحد الشياطين خطوة إلى الخلف وهو يرتجف: "مولاتي… لقد قلبنا الأرض رأساً على عقب، لكن كأن الأرض نفسها تبتلعه أو تخفيه." وقفت إلثارا من مقعدها ببطء، وخطت خطوات متأنية نحو أقربهم، عينيها تلمعان ببرودة قاتلة: "أنتم تعرفون ثمن الفشل… أليس كذلك؟" انخفضت أنفاس الجنّ والشياطين، وتجنّبوا النظر في عينيها. مدّت يدها نحو البلورة، فاشتعلت بنور دمويّ، وبدأ الهواء يثقل كأن الغرفة تُسحق تحت قوة غامضة. لكن… توقفت فجأة. أغمضت عينيها، أخذت نفساً عميقاً، ثم همست وكأنها تُقنع نفسها: "لا… ليس الآن. الغضب يعمي الحكمة." ابتعدت عنهم، وجلست مجدداً، لكنها كانت أكثر هدوءاً من قبل، وإن بقيت النار مشتعلة خلف عينيها. قالت بصوت بارد حاد: "عودوا… وابحثوا خارج أسوار المملكة. إلى ما وراء الجبال، إلى الأراضي التي لا يجرؤ أحد على دخولها. اجلبوا لي خبراً… أي خبر… عن المختار. ومن يعثر عليه… ستكون مكافأته فوق ما يتخيله عقله." انحنى الجنّ والشياطين بعمق، ثم تلاشى وجودهم في دوامة من الظلال، تاركين خلفهم صدى كلماتها يملأ الجناح. إلثارا بقيت وحدها، تحدق في وهج البلورة، وشفتاها تتمتمان بوعيد غامض: "لن يختبئ عني… للأبد." فرسان النور في الغابة البيضاء: كانت الغابة غارقة في سكون مهيب، أوراق أشجارها البيضاء تلمع تحت ضوء القمر وكأنها رقائق ثلج عالقة في الهواء. نسيم بارد يتسلّل بين الجذوع العالية، يحرّك الأغصان في لحن غامض يليق بمكان أشبه بالحلم منه بالواقع. في قلب هذا الهدوء، كان داني ملقى على الأرض، جسده الهزيل ممدد بجوار الرمح الذي لمع انعكاسه وسط العشب الفضي. شفاهه متشققة، تنفسه بطيء ومتقطع، ووجهه الشاحب يفضح أنه على حافة الموت من الجفاف والإنهاك. صوت خفيف لوقع حوافر يقترب شيئًا فشيئًا، حتى خرج من بين الضباب حصانان أبيضان، يمتطيهما شخصان ملثمان برداء أبيض طويل يغطي جسديهما بالكامل. توقف الحصانان عند جسد داني، وتبادلا نظرات سريعة، قبل أن تنزل إحداهما بخفة ورشاقة إلى الأرض. ركعت بجواره، أصابعها النحيلة ترتجف قليلًا وهي تلمس الرمح، وما إن فعلت حتى سطع منه وهج ذهبي للحظة خاطفة. تبادلت الفتاتان نظرة مدهوشة. قالت الراكبة الأولى بصوت هادئ لكنه يحمل رهبة الموقف: "إنه هو… لا شك في ذلك." نزعت الأخرى لثامها ببطء، فكُشف عن وجه فاتن الملامح، عيناها بلون الفيروز اللامع، وبشرتها ناصعة البياض كثلج الغابة من حولها. تبعها الأولى، فإذا بوجهها يشرق بجمال هادئ، وعينيها خضراوان كأوراق الربيع رغم أن الغابة هنا بيضاء. اقتربت الأولى من داني تتحسس جبينه: "حرارته مرتفعة… الجفاف يكاد يقتله." قالت الثانية وهي تنظر للرمح ثم إليه: "علينا أخذه… لا يمكن أن نتركه هنا، ليس بعد أن تأكدنا من هويته." بإيماءة سريعة، ساعدت الأولى شقيقتها على رفع داني، ولفّته بعباءة بيضاء لتدفئته، بينما أمسكت الأخرى بالرمح وكأنها تمسك سرًّا خطيرًا. وضعته الأولى على ظهر حصانها، وجلست خلفه لتثبته، فيما أخذت الثانية زمام الحصانين، وبدأتا بالتحرك بخطى هادئة داخل عمق الغابة. لكن، قبل أن يختفي صوتهما في البعد، دوّى فجأة من بعيد عواء غريب، منخفض في البداية ثم ارتفع حتى جعل الطيور البيضاء تتطاير من أعشاشها في ذعر. التفتت الفتاتان للحظة، نظرة متوترة ارتسمت على وجهيهما. قالت إحداهما بصوت خافت لكنه حازم: "علينا أن نغادر… بسرعة." واندفعت الحصانان وسط الأشجار البيضاء، حتى ابتلعهما الضباب، وبقيت الغابة خلفهما تحمل صدى العواء الغامض… وكأن شيئًا ما بدأ بمطاردتهما.