الفصل العاشر: حين يضيع الوعي
خبرٌ يبدّد السكون:
كان الليل يلفّ المنزل بوشاحٍ ثقيل، والهواء ينساب بين الخيام محمّلاً برائحة الرماد والنار المشتعلة في موقد الحراسة. جلس أندرال عند الطاولة الخشبية العريضة، وقد ارتسمت على وجهه ملامح حزمٍ عميق، بينما تجمّع حوله الباقون؛ فيلو يحدّق في ألسنة اللهب كمن يحاول قراءة نبوءةٍ فيها، وداركان يعبث بخنجره الصغير، وشيلا تمسح على نصل سيفها اللامع بحركات هادئة ولكن عينيها تلمعان بقلق خفي.
رفع أندرال رأسه ونبرته مثقلة بالجدية، قائلاً بصوت منخفض ولكنه قاطع: "اللغز انكشف… داني ليس كما كان، إنّه الآن تحت تأثير سحر إلثارا، ولا شكّ أنّ الدم الذي أخذه فالريك كان مفتاحها لتنفيذ هذا السحر."
تبادلوا النظرات الصامتة، وكلّ منهم يحاول هضم وقع الكلمات، قبل أن يقول فيلو بصوت حاد: "كنت أشكّ أنّ الأمر أكبر من مجرد ضعف أو تعب… إلثارا لا تلعب بالنيران إلا إذا كانت تخطّط لإحراق شيءٍ ما بالكامل."
تنفّس داركان بعمق وقال وهو يضغط على كلماته: "والسحر الذي يصيب القلب والعقل معاً هو أخطر ما يمكن أن يواجهه إنسان... أو حتى شخص مصيره مثل داني."
أومأت شيلا برأسها، وهي تمسح آخر نقطة على نصل سيفها، ثم قالت ببطء: "علينا أن نجد حلاً قبل أن يبتلع السحر إرادته تماماً… وإلا فلن نستطيع استعادته."
نهض راغين فجأة، مقبض سيفه يتدلّى من جانبه، وعيناه تلمعان بعزم، وقال: "سأذهب لأطمئن عليه… وإن كان ما تقولونه صحيحاً، فسأعرفه من نظرة واحدة."
خرج بخطوات سريعة، واختفى بين الظلال المتراقصة على جدران المنزل. ظلّ الآخرون صامتين للحظات، والقلق يتكثّف بينهم كضباب بارد.
لم تمضِ دقائق حتى عاد راغين، ولكن وجهه كان ملبّداً بغيومٍ أثقل من الليل نفسه. وقف عند مدخل الغرفة، وصوته متوتر كوتر مشدود: "داني… والرمح… غير موجودان."
تجمّد الجميع في أماكنهم، وكأنّ الكلمات تحوّلت إلى سهمٍ اخترق صدورهم جميعاً، ليبدأ الصمت الطويل الذي سبق العاصفة.
نداء في الظلام:
كان القمر شاحباً يتوارى خلف الغيوم، حين انطلقت حوافر الحصان تمزق صمت الغابة. داني مائل قليلاً للأمام، قبضته محكمة على الرمح الذهبي، وعيناه زائغتان لا تعكسان وعياً حقيقياً. كل حركة منه تشي بأنّ قوّة أخرى تتحكم في جسده، بينما عقله غارق في ضباب كثيف يطمس معالم الذاكرة والواقع.
أوراق الشجر تلوح في وجهه مع كل اندفاع، والأغصان تخدش أطراف ثيابه، لكنّه لا يشعر بشيء. كان كل ما يسمعه هو صوت نبضٍ ثقيل يطرق جدران رأسه، حتى اخترق السكون صوتٌ آخر… صوت مألوف، يشبه همس الماء في أعماق بئر قديم، ولكن داني لم يستطع تحديد منبعه أو صاحبه.
قال الصوت في داخله بنبرة ثابتة كأنها تتحدى الرياح: "سأقولها لك مجدداً ياداني عندما يستولي الخوف على عقلك، ولا تعرف الفرق ما بين الحقيقة والكذب، لا تدع قلبك يستسلم. إنه الصوت الذي لا يكذب، وهو دربك في ظلام الغربة تذكر تلك الكلمات جيداً."
ارتعشت يده على مقبض الرمح، وانقبضت أنفاسه للحظة، كأن الكلمات حرّكت شيئاً عميقاً داخله، شيئاً يحاول أن يستيقظ من نوم طويل. ارتسمت على وجهه ملامح اضطراب عابر، لكنه شدّ لجام حصانه وأجبره على الاستمرار.
لم يكن يعلم أنّ ذلك الصوت كان صوت الأمير سافير، ولا كان يدرك أن صدى هذه الجملة قد يفتح ثغرة في جدار السحر الذي يلتف حوله.
في تلك اللحظة، في منزل أندرال، كان الصخب يملأ المكان. طرقات الأقدام تتسابق، وأصوات الخيول تصهل في الخارج. أندرال يقف في منتصف الساحة، وصوته آمرٌ وهو يوجه البقية: "علينا أن نتحرك الآن، كل دقيقة تمضي تزيده بُعداً عنّا!"
داركان يعتلي حصانه بسرعة ويقول وهو يثبت مقبض سيفه: "لن يختفي عن أعيننا طويلاً، حتى وإن اختبأ في قلب الغابة."
فيلو يشد لجام حصانه بجانب شيلا، ويضيف بنبرة حادة: "إذا كانت إلثارا وراء هذا، فسوف أقتلها بنفسي."
راغين يربّت على كتف أندرال قبل أن يعتلي حصانه، ويقول: "لن نتركه يضيع، ليس بعد كل ما مررنا به."
في لحظة، انطلقوا جميعاً، حوافر خيولهم تضرب الأرض بقوة، تثير الغبار والرمال، وتكسر صمت الليل. الغابة أمامهم بدت كوحشٍ أسود، أفواه أشجارها مفتوحة تبتلع الضوء، لكنهم لم يترددوا في اقتحامها. كان كل واحدٍ منهم يقاوم فكرة أن يكون قد فُقد داني للأبد، بينما الأخير يواصل ركضه بلا هدى، يطارده صدى الصوت الغامض وسط عتمة عقله.
فخّ في قلب الغابة:
كانت الغابة في تلك البقعة أشدّ كثافة، الأشجار المتشابكة تحجب نور القمر، والضباب يزحف على الأرض كأفعى بيضاء تلتف حول الجذوع. داني أوقف حصانه فجأة، وعيناه تحدقان في الفراغ كمن يتلقى نداءً صامتاً. ترجل بخطوات بطيئة، والرمح في يده يلمع بوميض بارد، بينما أنفاسه تتصاعد في الهواء المثلج.
من بين الظلال، خرجت إلثارا، رداء أسود طويل ينساب خلفها كأمواج الظلام، وعيناها تلمعان ببريق خبيث. تقدمت نحوه بخطوات هادئة، وفي كل خطوة، بدا وكأن الغابة نفسها تتراجع احتراماً لهيبتها.
قالت بصوت ناعم يتسلل إلى أعماقه كالسم: "أخيراً… الرمح في يديك، والوقت قد حان لتسليمه لمن يعرف قيمته الحقيقية."
لم يتحرك داني، وعيناه ما زالت زائغتين تحت وطأة السحر. رفعت يدها الباردة، ولمست وجنته بلمسة تحمل خليطاً من الحنان الزائف والسيطرة. تابعَت وهي تبتسم: "أنت لم تأتي لتحاربني، بل لتكون سلاحي."
في تلك اللحظة، من جهة أخرى في الغابة، كان أندرال ورفاقه يمتطون خيولهم بسرعة قصوى. قال راغين وهو ينحني ليتفحص الأرض: "آثار الحوافر هنا… ما زالت رطبة."
قالت شيلا وهي تضبط قوسها: "إذن هو مر من هنا، يبدو أننا أقتربنا منه."
أجاب أندرال بصرامة: "تتبعوا الأثر، لن نسمح لها أن تنال منه."
فيلو، وهو يضبط قبضته على سيفه، أضاف: "لن تنجو هذه المرة."
أما داركان، فشد لجام حصانه وقال بنبرة حادة: "إذا أذته، فلن أترك منها إلا الرماد."
وفي تلك البقعة المظلمة، حيث كانت إلثارا قد سحبت خنجراً قصيراً من تحت ردائها، نصله يتلألأ تحت خيوط الضوء الخافتة. همست لداني وكأنها تُلقي تعويذة: "لا تقلق، لن تشعر بشيء سوف تعود إلى عالمك مجدداً لكن كجثة هامدة."
لكن فجأة، شقّ الهواء صوت أندرال وهو يصرخ: "داني! ابتعد عنها!"
التفتت إلثارا نحو الصوت، وعيناها تلمعان بالغيظ. وفي لحظة خاطفة، حاولت طعن داني، لكنها فوجئت بوميض قوي ينفجر من عينيه، والرمح بين يديه يهتز كأنه حيّ. انكسرت قيود السحر في داخله، وعاد وعيه دفعة واحدة. قبض على يدها بقوة، ودفعها للخلف حتى كادت تسقط.
صاحت إلثارا بغضب، وصفقت بيديها في الهواء، فاندفع من بين الأشجار جنودها، وجوههم مموهة، ودروعهم مكسوة بظلال غريبة.
داركان سحب سيفه وهو يصرخ: "هيا أيها الأوغاد!"
انطلقت المبارزة، أصوات الحديد تتلاقى مع صرخات القتال، ورائحة الدم تملأ الهواء. فيلو كان يصد ضربة تلو الأخرى، بينما شيلا ترشق سهامها بسرعة خاطفة، وراغين يقاتل بقوة عارمة، يقطع الصفوف بسيفه اللامع. أما أندرال فكان يقاتل بثبات، عيناه تراقبان أي فرصة للوصول إلى داني.
لكن إلثارا، وقد رأت ملامح الهزيمة تقترب، أطلقت ضحكة قصيرة ثم تراجعت خطوة إلى الظلال. قالت وهي تختفي بين الضباب: " الرمح لن يكون لك إلى الأبد… سآخذه منك."
وقبل أن يتمكن أحد من ملاحقتها، كانت قد تلاشت، كأن الغابة ابتلعتها. انتهت المعركة بعد دقائق، وسقط آخر جنودها على الأرض. تنفس الجميع بصعوبة، وأعينهم تبحث عن داني.
قال راغين وهو يلتفت في كل اتجاه: "أين هو؟"
تبادلوا النظرات القلقة، لكن لم يجب أحد. كان داني قد اختفى أيضاً … والرمح معه.
حين يشتعل الغضب في بهو العرش:
كان بهو العرش في قصر مملكة أورينيل غارقًا في سكون ثقيل، لا يقطعه سوى خفقات النيران المشتعلة في المشاعل المصفوفة على جانبي القاعة، ترسل ظلالًا راقصة على الجدران الحجرية. في نهاية القاعة، جلس زيناريس على عرشه الكريستالي، كتلة من الصمت الجليدي تتأهب للانفجار.
اندفعت إلثارا عبر الأبواب الضخمة، خطواتها تتسارع، وثوبها يتماوج خلفها كألسنة اللهب السوداء. كان وجهها مشدود الملامح، وعيناها تومضان بغضب لا يقل عن لهب المشاعل. توقفت أمام العرش، لكن زيناريس ما إن وقعت عيناه عليها حتى تجمد بصره على يديها الخاليتين.
"الرمح… ليس معِك."
كانت نبرته باردة في ظاهرها، لكن تحتها غليان لا يخفى على أحد.
رفعت إلثارا رأسها بغضبٍ مكتوم وقالت بصوت متوتر:
"حدث ما لم يكن في الحسبان، هؤلاء الاوغاد كانوا أذكى مما توقعت، وخسرت الفرصة..."
لم يدعها كلمتها تكتمل، إذ انقضّ عليها كالصاعقة، نهض من عرشه بخطوات هادرة، وأمسك بشعرها بعنف حتى مالت رأسها للخلف. غرز أصابعه بين خصلاتها كأنما يريد اقتلاعها من جذورها.
"هذه هي المرة الثالثة يا إلثارا… الثالثة!" صرخ في وجهها، وعيناه تضيقان بحدّة تكاد تحرقها. "كم من الفرص سأمنحك قبل أن أقطع رأسكِ وأعلّقه على أبواب القصر؟!"
تقلّصت أنفاسها للحظة تحت قبضته، لكنها لم تسمح للخوف أن يكسو ملامحها. بل رفعت يديها برفق، وأمسكت بمعصمه محاولة أن تخفف من شدته، وقالت بصوت أكثر هدوءًا، كأنها تصب ماءً على جمره:
"أعلم أنني خيّبت أملك مولاي… لكن الغضب لن يعيد الرمح إلينا. لو منحتني فرصة أخيرة… سأعيده لك، ولو كان ثمن ذلك حياتي."
ظل ممسكًا بها، عيناه تشتعلان، لكن توتر كتفيه بدأ يلين شيئًا فشيئًا، وصوت أنفاسه الغاضبة يتباطأ. حدّق فيها لحظة طويلة، ثم دفعها للخلف بقسوة، لكنه كان أقل غضباً، كأن كلماتها كبحت نفسه في اللحظة الأخيرة.
جلس على عرشه مجددًا، مسندًا جبينه إلى كفه، وقال بصوت مبحوح:
"إذهبي… قبل أن أغيّر رأيي."
انحنت إلثارا بخطوات ثابتة، وعينيها تحملان مزيجًا من الحنق والتصميم، ثم غادرت البهو، تاركة وراءها صدى احتكاك غضبٍ كاد أن يزهق روحها، لكنه بدلًا من ذلك، أشعل في صدرها نارًا لا تهدأ.
ظلال القلق في منزل أندرال:
كانت الليلة قد أرخَت ستائرها الثقيلة على القرية، والبرد يتسلل من بين الجدران الخشبية لمنزل أندرال. ارتفعت أصوات حوافر الخيول وهي تدخل الساحة الأمامية، وأنفاس الفرسان متقطعة من شدة الإرهاق بعد المطاردة. نزل أندرال وفيلو وداركان وراغين وشيلا من على ظهور خيولهم، وكل منهم يحمل على ملامحه مزيجاً من الغضب والحيرة، كمن خرج من معركة لم تحسم نتيجتها.
دفع أندرال الباب الخشبي الكبير ودخل بخطوات ثقيلة، يتبعه رفاقه. أشعل راغين مصباح الزيت، فانتشرت في البهو إضاءة صفراء باهتة، ألقت بظلال متراقصة على الجدران. جلس فيلو على مقعد خشبي، وأسند سيفه إلى الحائط، بينما كان داركان يمرر يده على شعره بعصبية، وشيلا تخلع قفازيها وقد احمر وجهها من البرد والانفعال.
تكلم أندرال أخيراً بصوت مبحوح:
"لقد أخفقنا… لم أظن أن إلثارا ستجرؤ على الاقتراب إلى هذا الحد، لكن من الواضح أنها كانت تعرف تحركاتنا بدقة."
قال داركان وهو يضرب بقبضته على الطاولة:
"ذلك الجبان فالريك… دم داني الذي سرقه هو ما مكنها من السيطرة الكاملة عليه. لو أمسكت به لانتزعت قلبه قبل أن يلفظ أنفاسه."
أجاب فيلو بهدوء متوتر:
"الغضب الآن لن يعيد داني إلينا. نحن لا نعلم أين هو، ولا حتى إن كان ما زال تحت تأثير سحرها أم لا."
رفعت شيلا نظرها إليهم، وعيناها تلمعان بقلق مكتوم:
"داني لا يعرف شيئاً عن هذا العالم… لا عن المملكة، ولا عن أعدائها. إذا بقي وحيداً في الغابة، فسيكون كطفل ضائع بين الذئاب."
سادت لحظة صمت ثقيل، لم يقطعها سوى صوت الخشب وهو يتأوه تحت وطأة الرياح في الخارج. جلس راغين على الطاولة، ومال بجسده إلى الأمام قائلاً:
"لا يمكن أن نتركه هكذا. نحن لا نعرف إلى أين ذهبت به قدماه، ولا نعلم إن كان يتبع أوامرها الآن أم يحاول مقاومتها."
أجاب أندرال وهو يحدق في اللهب داخل المصباح:
"إلثارا لن تتوقف عن ملاحقته والرمح معه سيكون الوضع أكثر خطورة عليه. يجب أن نجد وسيلة لتعقب أثره، ولو اضطررنا لطلب العون من حكماء الشمال."
رد داركان باستياء:
"أنت تعلم أن حكماء الشمال لن يقدموا المساعدة مجاناً، وثمن مساعدتهم قد يكون باهظاً."
ابتسم أندرال ابتسامة خفيفة لكنها خالية من أي دفء:
"الباهظ هو أن نخسر داني… وأن يسقط الرمح في أيدي أعدائنا إلى الأبد."
أومأ الجميع بصمت، لكن في عيونهم كان الاضطراب واضحاً. كانوا يعلمون أن الليالي القادمة لن تكون هادئة، وأن البحث عن داني قد يقودهم إلى مواجهة لم يكونوا مستعدين لها بعد.
في الخارج، كانت الرياح تعصف بالأشجار، وكأن الغابة نفسها تخبرهم أن وقت الراحة قد انتهى… وأن الظلال بدأت تزحف نحوهم من جديد.