حين نطق الرمح - الفصل التاسع: دم يغير المصير - بقلم ميوش السوهاجية - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين نطق الرمح
المؤلف / الكاتب: ميوش السوهاجية
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل التاسع: دم يغير المصير

الفصل التاسع: دم يغير المصير

عودة فالريك بقارورة الدم: في أروقة القصر المظلمة حيث يختلط عبق الظلال بسكون الليل المتقطع بأنفاس الحراس، دخل فالريك بخطوات ثقيلة مدججًا بالثقة والقسوة، يخفي في يده اليمنى قارورة زجاجية صغيرة تحتوي على قطرات من دم قاتم. عينيه الباردتان تتلألأان كما لو أنه يحمل في جعبته مفتاحًا لسر قديم. وقف أمام عرش زيناريس، الذي جلس متكئًا بلا مبالاة، متابعًا تقلبات اللهب في المشاعل حوله. بقربه وقفت إلثارا، ترتدي عباءتها السوداء، وابتسامة خبيثة ترسم على شفتيها خطوطًا من التحدي والانتقام. أخرج فالريك القارورة وأعطاها لإلثارا التي التقطتها بيدها البيضاء النحيلة، وكأنها تمسك بجوهرة ثمينة. نظرت إلى الدم عن كثب، وبدأت تبتسم ابتسامة باردة تشع خبثًا وقوة. قالت ببرود: "من الواضح أنه أُصيب إصابة عميقة... هذه الدماء ليست مجرد قطرات، إنها وعد بنصر قادم." التفتت إلى فالريك، ونظرت في عينيه بحدة تحمل استهزاءً مبطنًا، وأضافت: "أحسنت يا فالريك، كنت على حق حين قُلت إنك ستأتي بثمن باهظ." ابتسم فالريك، شاركها الشماتة وهو يرد بنبرة تمتلئ بالتحدي: "ذلك الفتى يظن نفسه مقاتلاً، لكنه لم يعرف بعد كيف تكون الحقيقة. هذه الدماء دليل كافٍ على أنه لم يعد قادرًا على المقاومة." وقف زيناريس ببطء، ملقيًا نظرة عابرة على القارورة، ثم قال بصوت هادئ لكنه يحمل تهديدًا: "دم المختار… دم يحمل بين خلاياه سر القوة التي نسعى لتحطيمها. بمجرد أن نحصل على ما نريد، لا شيء سيقف في وجه طموحنا." تقدم نحو إلثارا وقال: "هل أنت مستعدة لإتمام التعويذة؟" أجابت إلثارا بثقة مهيمنة: "نعم، فقط أحتاج إلى التركيز أكثر، إن دمه ينبض بالإرادة، وحين اسيطر على عقله، سيُكسر ذلك الرابط الروحي." تبادل الثلاثة نظرات تعكس حجم المعركة القادمة، وما خفي كان أعظم. ارتفعت الأصوات الخافتة للحراس، وأضاءت المشاعل أكثر، معلنة بداية فصل جديد من الصراع بين ظلال القصر ونور المختار. شفاء جرح الروح في منزل أندرال: في غرفة متواضعة تتوشح بأضواء الشموع الخافتة، كان داني مستلقيًا على السرير، جسده مرتجف من الألم، ووجهه الشاحب يعكس صراعًا داخليًا بين الألم والإرادة. إلى جانبه، جلس داركان يمسح ببطء قطرات العرق التي تبللت جبين الفتى، وعيناه تحويان مزيجًا من القلق والصرامة المعتادة. في الركن الآخر من الغرفة، كان فيلو يساعد أندرال بحركات متأنية، ينير الشموع في أوانٍ مختلفة ويحضر الأدوات اللازمة. كانت الأصوات خافتة لكن الثقل كان يملأ الجو كأنه حاضر بحد ذاته. على باب الغرفة، وقفت شيلا وراغين، عيونهما تتبادلان القلق والصمت، يتملّكهم شعور بالرهبة مما يحدث داخل الجدران. "كيف حاله؟" همست شيلا بنبرة متوترة. نظر لها راغين وهو يرد على قلقها "لا أدري، لكن الحكيم أندرال لا يترك مكانًا للشك. هو من سيعالج جرحه، لذا علينا أن نثق به." داخل الغرفة، أومأ أندرال لهم بهدوء "كل شيء تحت السيطرة، الآن." بدأ أندرال بوضع يديه بلطف على الجرح الذي أصاب داني، وأغمض عينيه موجهًا طاقته الروحية نحو مكان الإصابة. ببطء، تلاشت الدماء تحت لمساته، وكأن الجرح بدأ يلتئم من الداخل. شعرت الأجواء بالتغير، وتسلل هدوء غريب إلى الغرفة. "هذه الطاقة ليست مجرد شفاء،" قال أندرال وهو يفتح عينيه متفحصًا حالة داني، "بل هي توازن بين الجسد والروح. يجب أن نكون حذرين، فالجرح يحمل أثرًا من السحر الأسود." رفع فيلو شمعة قريبة ليساعده، وتابع: "فالريك لم يأخذ الدم عبثًا، هذه علامة واضحة أن الأعداء يعرفون قدرته." سأل داركان بحدة: "هل تعتقد أن هذا الدم سيُستخدم لتعزيز قوى زيناريس؟" ابتسم أندرال بسخرية خفيفة، " أو ربما لشيء آخر لكن الأهم الان أن داني سيشفى، وهذا ما يجب أن نهتم لأجله." تقدم راغين، معبرًا عن قلقه، "لكن ماذا عن النبوءة؟ هل يمكن لدم داني أن يغير المصير؟" رد أندرال بجدية، "المصير ليس ثابتًا يا راغين. النبوءة ليست سوى خريطة، والقرارات التي نتخذها هي التي تحدد الطريق." وقبل أن ينهي حديثه، شعر داني بتحسن طفيف، تنفس بعمق، وفتح عينيه ببطء. نظر إلى الحاضرين وهم يراقبونه بأمل مشوب بالقلق. "سأكون بخير لا تقلقوا." قال بصوت ضعيف لكنه حازم. تبادلت العيون نظرات ارتياح، لكن ظل القلق لم يزح بعد، فالصراع لا يزال في بداياته، والمصير ينتظر أن يُكتب. همسات الأمير في ظلال الحلم: في عتمة الحلم الغامضة، حيث تختلط الأصوات والوجوه، وقف داني وسط ضباب كثيف يتلاشى بين أنفاسه المتقطعة. فجأة، ظهر أمامه الأمير سافير، يلبس عباءة ملكية متلألئة، وعيناه السوداوان تشعان بهدوء ونور خافت ينبعث من أعماق الروح. اقترب سافير من داني، ونظر إليه بعينين تحملان حكمة السنين وقوة الإرادة. قال بصوتٍ هادئ لكنه صارم: "يا داني، ما أنت مقبل عليه هو اختبارٌ صعب، لا يشبه ما مررت به من قبل." تقدم الأمير خطوة أخرى، ومد يده ليضعها على كتف داني بلطف، وأضاف: "عندما يستولي الخوف على عقلك، ولا تعرف الفرق ما بين الحقيقة والكذب، لا تدع قلبك يستسلم. إنه الصوت الذي لا يكذب، وهو دربك في ظلام الغربة." ابتسم داني داخل الحلم، لكنه بدا مرتبكًا، فسأل: "وكيف أُميز بين ما يقوله لي عقلي وبين ما يهمس به قلبي؟" أجاب الأمير: "حين يحتار عقلك، عليك أن تستمع إلى قلبك قبل كل شيء. لا تجعل الشك يعميك، ولا تسمح للغموض أن يسرق منك يقينك. تذكر أن القلب لا يكذب، وإنه صديقك في أوقات الضياع." راح سافير يبتعد ببطء، وتلاشى الضباب معه، لكنه ترك وراءه همسات ترددها الرياح في أذن داني: "قاوم، وتمسك بالنور الذي بداخلك." استفاق داني فجأة، عيناه تتسعان وهو يلهث من شدة الحلم. حوله وقف أندرال، فيلو، داركان، شيلا، وراغين، كلهم بعيون ملؤها القلق والاهتمام. اقترب أندرال، وراحت يده تمسح جبين داني بلطف: "لقد استيقظت، أنت بخير." تنفس داني ببطء، وشعر بالطمأنينة تتسلل إلى كيانه. قالت شيلا بابتسامة خفيفة: "لقد كنا قلقين عليك، لكن يبدو أن روحك قوية كما عهدنا." أومأ راغين بحماس وقال: "الرجل لا يُقهر إلا إذا قرر هو ذلك." جلس داني في سريره، مستندًا إلى الوسائد، وأغمض عينيه للحظة، مستجمعًا قوة جديدة، يعلم أن المعركة الحقيقية ستبدأ من داخله أولاً. سحر الدم المظلم: في جناح إلثارا، حيث يختلط عبق الظلام برائحة الأعشاب الغامضة، جلست الساحرة أمام طاولتها الخشبية القديمة، التي تكدّست عليها كتب السحر، الأدوات الطقسية، البلورة السحرية ذات السطح الأزرق القاتم، والصحن الحجري الأسود المحفور عليه رموز متعرجة تتلألأ بلون غامض. أخرجت إلثارا القارورة التي تحوي دم داني، وأمسكت بها بيدها البيضاء النحيلة، ثم سكبت قطرات من الدم داخل الصحن، حيث بدأت السائل الأحمر يتراقص مع الرموز المنقوشة، وكأنها تستيقظ من سباتها الطويل. أشعلت الشموع حول الطاولة، ورفعت يديها، لترسم دوائر معقدة في الهواء، بينما تمتمت بأصوات متقطعة بلغة قديمة، حروفها ملتحمة بأسرار السحر الأسود. فجأة، بدأ الدخان يتجمع في أركان الغرفة، يلتف ويتحول إلى ثلاث مخلوقات صغيرة، قصيرة القامة، ذات أجساد مصنوعة من دخان رمادي يتلوى ويتحول باستمرار، عيونهم تتوهج بلون أحمر غامض، وحركاتهم سريعة وخفيفة كرياح الخريف. قالت إلثارا بصوت هادئ وقوي: "ها أنتم يا خدم الظلال، أشربوا من دماء المختار، لتمتلئوا بقواه، ولتختطفوا عقله. اجعلوه يشكك في كل ما يراه، في كل من حوله. حولوا الحقيقة إلى وهم، واليقين إلى ضباب. امزجوا الحلم بالواقع، ولا تدعوه يستكين." اقتربت المخلوقات الدخانية من الصحن، وشربوا ببطء الدم الأحمر، وبدأت طاقتهم تتصاعد، يعكس الدخان ألوانًا قاتمة متوهجة، ثم تحلقت حول إلثارا، في حركة طقسية تملؤها القوة والغموض. تنهدت إلثارا وأغلقت عينيها، وأطلقت تعويذتها الأخيرة، حيث انتشرت خيوط الظل كأصداء مرئية، تسللت عبر الحجب، لتتسلل إلى عقل داني كرياح عاتية، تهب على فصول ظلاله وتزرع الشك والاضطراب. في عالم داني الداخلي، بدأت الحقيقة تتلاشى، وظهر له أشخاص يتحولون إلى وجوه مشوهة، ووسوسة تأخذه بين متاهات الذاكرة والخيال. همس صوت خافت في رأسه: هل أنت هنا حقًا؟ أم أنك وحيد في وهم لا نهاية له؟ صباح مشوش في منزل أندرال: مع بزوغ أول خيوط الشمس الذهبية، استيقظ داني في غرفته بمنزل أندرال، وجهه شاحب وعيناه تتلمسان ثقل ليلة لم تكن كباقي الليالي. نهض ببطء، واندفع شعور غريب إلى داخله، كأن الذاكرة تتداعى أمامه، لكن التفاصيل تتلاشى في عمق غامض. بينما كان يخطو خارج غرفته، اصطدم فجأة براغين الذي كان يتجه نحوه بابتسامة مرحة ومفعمة بالحيوية. قال راغين بودّ: "صباح الخير يا داني! هل أنت بخير؟ لقد قلقنا عليك طوال الليل." تجمد داني للحظة، ارتسمت على وجهه علامات الارتباك، كأنه لا يعرفه، لكنّه حاول أن يسيطر على نفسه ليخفي ارتباكه. أجاب بصوت هادئ لكنه محتشم: "صباح الخير. نعم، أنا بخير، شكراً لسؤالك." ابتسم راغين، ولاحظ شيئًا غريبًا في عيني داني لكنه لم يعلق، تابع طريقه نحو الساحة العشبية. عند وصوله إلى الساحة، وجد فيلو وداركان يتحدثان معًا، وجه داني بدا مبهمًا وكأنهما غريبان لا يعرفهما. اقترب فيلو بحذر، وقال: "داني، كيف تشعر اليوم؟" رد داني بابتسامة ضعيفة، "أنا على ما يرام." تقدم داركان وقال بنبرة فاحصة، "هل تشعر بأي شيء غريب؟ هل ترى أو تسمع أشياء غير واضحة؟" أجاب داني بهدوء، "لا، كل شيء طبيعي." لكن في سره كان الصراع محتدمًا، أحاسيس متشابكة بين الحقيقة والوهم، لم يعد يعرف من يثق به، ولم يكن يفرق بين من حوله حقيقةً أو خيالًا. تساءل في قرارة نفسه: هل ما أعيشه واقع، أم أن عقلي غارق في الخيال؟ جلس داني بهدوء، وأغمض عينيه للحظة، محاولًا جمع شتات فكره، بينما كانت أصوات رفاقه تملأ المكان، لكنه بقي في عزلة داخل عقله المظلم. جذبه صوت داركان وهو يقول: "إذا كنت بخير، فهيا للتدريب لا وقت نضيعه." فتح عينيه ثم اقترب من فيلو وداركان و بنبرة هادئة لكن واضحة، قال: "اليوم أشعر بثقل في جسدي وعقلي، هل يمكن أن تعفوني من التمرين اليوم؟" ابتسم فيلو بلطف وقال: "بالطبع يا داني، صحتك أولى، خذ الوقت الكافي لتتعافى." أومأ داركان موافقًا لكنه أضاف بابتسامة نصف ساخرة: "حسناً، لكن لا تُفْرط في الراحة، فنحن نحتاجك قويًا." شكرهم داني ثم عاد إلى المنزل، خطواته ثقيلة لكنه مصمم على مواجهة ما يشعر به من غموض. دخل غرفة أندرال، فوجد الحكيم جالسًا بهدوء، يرفع نظره إليه بابتسامة دافئة. نادى داني بصوت منخفض، وكأنه يخشى أن يسمعه أحد: "عمي هارولد… من هم هؤلاء؟ وأين أنا بالضبط؟ هذا المكان غريب عليّ، لا أعرف أحدًا هنا، ومع ذلك يبدو أن الجميع يعرفونني." لاحظ أندرال تغيرات في نبرة داني وارتباكه، ولم يكن بحاجة إلى كلمات أكثر ليعرف أن الساحرة إلثارا قد سحرته. اقترب منه بهدوء، ووضع يده على كتف داني مطمئنًا: "لا تقلق يا بني، أنت بأمان هنا. دعني أرافقك إلى غرفتك لترتاح قليلاً." قاد أندرال داني إلى الغرفة، وجعله يستريح على السرير بهدوء وحنان. جلس بجانبه وقال بعد لحظة: "كل شيء ستفهمه في الوقت المناسب، لكن الآن، أهم شيء هو أن تستعيد قوتك." نظر داني إلى أندرال بعينين مليئتين بالأسئلة، لكن الحكيم لم يجبها جميعها بعد، فقط قال: "ثق بي، يا داني، الأمور ليست كما تبدو، لكنك لست وحدك في هذا الطريق."