حين نطق الرمح - الفصل الثامن: معركة الروح - بقلم ميوش السوهاجية - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين نطق الرمح
المؤلف / الكاتب: ميوش السوهاجية
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثامن: معركة الروح

الفصل الثامن: معركة الروح

حين تتلاقى الأرواح عبر الحجب: كان الليل يلفُّ مدينة أورينيل في عباءته الداكنة، بينما الجناح القرمزي في أعالي القصر يفيض بضوء باهت يتسرّب من شرفاته الواسعة. جلست إلثارا على أريكتها المخملية الحمراء، تحيط بها ستائر شفافة كخيوط الدم المعلقة في الفراغ. أمامها كانت البلورة السحرية، يلمع سطحها الأزرق القاتم وفي أعماقها انعكس وجه فتى لم يكن حاضرًا في المكان… داني، غارق في نومه البعيد. إلى جوار البلورة، وُضع الصحن الحجري الأسود، محفور على حافته رموز غامضة تتلوى كأنها تنبض بالحياة. مدّت إلثارا يدها البيضاء النحيلة، وأخذت ترسم في الهواء دوائر بطيئة، تتصاعد معها خيوط ضباب أرجواني من الصحن. تمتمت بصوت خافت، لكن كلماته بدت وكأنها تُقال في عالم آخر: "لتنطوِ الحقائق… ولتتشكل الأوهام… ولينسج عقله بخيوطي أنا." بدأ سطح البلورة يهتز، وصورة داني فيها تومض وتتشوّه، كأن الضباب المتصاعد من الصحن يتسلل عبرها إلى أعماق ذهنه. أما هناك، بعيدًا في منزل أندرال، كان الليل أكثر هدوءًا، والغرفة الصغيرة التي ينام فيها داني يغمرها ضوء القمر. جسده تقلب فوق الفراش، وقطرات العرق تلمع على جبينه. أنفاسه تسارعت، وحاجباه انعقدا بألم مكتوم. في أحلامه، لم تعد الوجوه مألوفة، ولا الأصوات واضحة. المشاهد التي عرفها من قبل انقلبت، قصصه صارت مشوهة، وأحداث حياته بدت كأنها رُويت له بألسنة كاذبة. في الجناح القرمزي، ابتسمت إلثارا ابتسامة باردة وهي ترى اضطرابه يزداد: "هكذا… دع الحقيقة تتفتت في ذهنك، ودعني اجعلك تسير حيث أريد." لكن فجأة، وسط اضطراب عقله، انبثق نور آخر… لم يكن من تعويذتها، بل من عمق قلبه. إحساس دافئ، مألوف، يتسلل إلى كيانه. كان الرابط الروحي بينه وبين سافير، رابطٌ لم تكسره المسافات ولا الحجب. في داخله، شعر بصوت هادئ، قوي، يقول: "تمسّك… لا تدع الظلام يبتلعك." اهتزت صورة داني في البلورة، فحدقت إلثارا بدهشة. تمتمت بسرعة لتعزيز التعويذة، لكن الضوء الداخلي في روح الفتى كان يتسع. الأمواج المظلمة التي أرسلتها بدأت تتراجع، وكأنها تصطدم بجدار من صفاء ونقاء لم تعرف مثله من قبل. في الغرفة، سكنت أنفاس داني شيئًا فشيئًا، وارتخت ملامحه. قطرات العرق توقفت عن التدفّق، وعيناه، وإن ظلتا مغمضتين، بدا عليهما السكون العميق. في القصر، تراجعت إلثارا في مقعدها، يداها ترتجفان قليلًا. لم تعترف بالفشل، لكن ابتسامتها اختفت، وحلّت محلها نظرة ضيق صامت. أما البلورة، فقد استعاد سطحها صفاءه، وصورة داني فيه غابت تمامًا. همست إلثارا، كأنها توعد: "حسنًا… إن لم أستطع كسر إرادتك الليلة، فهناك ليالٍ أخرى تنتظر." وكان القمر في الخارج قد بلغ ذروته، كأنه يشهد على أول جولة في حرب خفية بين ظلٍّ يتربص ونورٍ يرفض أن ينطفئ. الإرادة على المحك: استيقظ داني مع بزوغ الصباح، وقد بدا على وجهه أثر الإرهاق كظلٍّ ثقيل يرفض الانقشاع. كانت عيناه مثقلتين، وجبينه مشدودًا وكأن أحلام الليل تركت وراءها بقايا معركة لم تنتهِ بعد. دخل قاعة الطعام حيث كان أندرال والبقية ينتظرونه، فجلس بينهم في صمت مكتوم، يتناول إفطاره ببطء، وكأنه يسحب كل لقمة من بين أصابع النعاس والإنهاك. لم يُعلّق أحد على مظهره، لكن الأعين كانت تحمل أسئلة لم يُنطق بها. بعد أن فرغوا من الطعام، خرج داني بصحبة فيلو إلى الساحة العشبية التي يحيط بها سور منخفض من الحجر الرمادي، حيث تتناثر مقاعد خشبية وأدوات تدريب مختلفة. جلس الاثنان متقابلين على مسافة قصيرة، بينما جلس داركان إلى جانب السور، يتكئ بكتفيه ويتابع المشهد بابتسامة نصف جادّة، وفي عينيه استعداد لالتقاط أي فرصة للسخرية. قال فيلو بنبرة هادئة: "قبل أن نتحدث عن القوة الجسدية، يجب أن تفهم أن العقل هو سيد كل شيء، وأن الإرادة يمكنها أن تحرّك ما تظنه ثابتًا. اليوم سنبدأ بالتحريك العقلي. ركّز على هذه الحصاة أمامك. لا تنظر إليها بعينيك فقط… انظر إليها بعقلك." أخذ داني نفسًا عميقًا، وأطلق زفيره ببطء، مثبتًا بصره على الحصاة الصغيرة الموضوعة فوق لوح خشبي أمامه. حاول أن يشعر بملمسها البارد بين أصابعه في خياله، أن يثقلها أو يخففها بإرادته. "لا تحاول أن تفرض قوتك عليها." واصل فيلو بنبرة تعليمية "اجعل عقلك يلتف حولها، احتضنها في وعيك، ثم وجّهها كما تشاء." مرّت دقائق ولم تتحرك الحصاة قيد أنملة. بدأ العرق يتجمّع على جبين داني، وكتفاه يرتعشان من شدّة التركيز، لكنه كان يعود في كل مرة بخيبة إلى نقطة الصفر. من بعيد، قال داركان وهو يبتسم ابتسامة جانبية: "يبدو أن الحصاة أعند منك أيها المختار… ربما تحتاج لأن ترجوها أولًا قبل أن تتحرك." رفع فيلو حاجبه نحو داركان وقال بلهجة تحذير: "لسنا هنا للتهكم، داركان." ردّ الأخير وهو يتكئ أكثر على السور: "لست أتهكم، بل أصف ما أراه… وربما أنت أيضًا بحاجة إلى أن ترجوها نيابة عنه." تجاهل فيلو التعليق وعاد إلى داني: "حاول مرة أخرى… ولكن هذه المرة، لا تجعل جسدك يتوتر، دع كل قوتك تتركز في داخلك." أغمض داني عينيه، وسلّم نفسه للهدوء الذي يحاول انتزاعه من ضوضاء داخله. فجأة، وبحركة خفيفة بالكاد تُرى، اهتزّت الحصاة قليلًا على الخشبة، ثم توقفت. فتح داني عينيه، واتسعت حدقتاه بدهشة، لكن في اللحظة نفسها شعر بضغط حاد في رأسه، وانزلقت نقطة دم صغيرة من أنفه إلى شفتيه. صفّر داركان بخفة وقال: "أوه! لقد تحركت أخيرًا… خطوة صغيرة للمختار، قفزة عظيمة للحصاة!" ابتسم داني رغم تعبه وقال وهو يمسح الدم عن أنفه: "على الأقل الحصاة تفهمني أكثر منك." ضحك راغين من بعيد، أما فيلو فاكتفى بابتسامة رضا وقال: "هذا تقدم جيد… لكنها البداية فقط." أما داركان، فاكتفى بهز كتفيه وكأنه يعلن أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد. تمرين قتالي: كانت الشمس في منتصف السماء، ترسل أشعتها الحارقة على الساحة العشبية الواسعة، حيث وقف داني ممسكًا بالرمح الذهبي بكلتا يديه، يتصبب عرقًا وهو يواجه داركان، الذي كان واقفًا أمامه بثبات، كتمثال من الحديد. قال داركان بنبرة هادئة لكنها تحمل ثقل الأمر: "هاجمني، داني. بكل قوتك." تحرك داني للأمام بخطوة سريعة، والرمح يلمع تحت أشعة الشمس، محاولًا تسديد ضربة قوية نحو خصمه. لكن داركان انحرف بجسده نصف خطوة، وصد الضربة بحركة رشيقة، ثم دفع الرمح إلى الأسفل بقوة جعلت يد داني ترتج من الألم. قال بصوت صارم: "الدرس الأول: القوة بلا تركيز، كالسيف بلا حد." ضغط داني على أسنانه، وحاول من جديد. هذه المرة قفز وأدار الرمح في الهواء قبل أن يهجم، لكن داركان التقط الحركة بعينه، وصدها بانحناءة جانبية، ثم وجه ضربة براحة يده إلى كتف داني، فأفقده توازنه. "الدرس الثاني: لا تُخبر خصمك بما ستفعله بعينيك." توالت المحاولات، ومع كل هجمة، كان داني يتلقى صدّة موجعة يتبعها درس قاسٍ، حتى بدأ أنفاسه تتسارع، ويداه ترتجفان من الإجهاد. في تلك اللحظة، دخل فيلو بخطوات واثقة، عاقدًا ذراعيه على صدره، وعيناه تتألقان بنبرة التحدي: "مممم... تدريبك جيد يا داركان، لكنك تغفل بعض الأساسيات." اقترب فيلو من داني، ومد يده إلى الرمح، يعدّل من طريقة إمساكه به: "هكذا يجب أن تُمسكه، لتزيد من سرعة الضربة." وفجأة، وبحركة سريعة، وجه فيلو ضربة تدريبية إلى جنب داني جعلته يئن من الألم. حاول داني الاعتراض، لكن داركان تدخل بدوره، قائلاً: "لا، لا، عليك أن تثبت قدميك هكذا." ثم صد حركة وهمية من داني، موجّهًا ضربة على ذراعه. وهكذا، دون أن يدركا، بدأ المعلمان يتناوبان على "تصحيح" تدريبات بعضهما، وكانت النتيجة أن جسد داني أصبح ميدانًا مشتركًا لتجاربهما. أخيرًا، صرخ داني وهو يبتعد بخطوة واسعة: "كفــى! لا أريد أن أتدرب أكثر!" استدار ليغادر، لكن فيلو وداركان تبادلا نظرة سريعة، وفي لحظة واحدة، أمسكاه من كتفيه وأوقعاه أرضًا بقوة. انحنى فيلو فوقه، وابتسامة التحدي على وجهه: "ودرسك الأخير لليوم... أن تحترم معلميك وهما يدرّبانك." أومأ داركان مؤيدًا بابتسامة جانبية، بينما ظل داني ممددًا على الرمال، يحدق في السماء متسائلًا: هل هذا تدريب... أم محاولة لقتلي؟ قصر مملكة أورينيل: كان بهو العرش غارقًا في هالة من الظلال الخافتة، تتماوج على الجدران بفعل المشاعل المعلقة، وكأنها أرواح حبيسة تهمس في أذن الملك. خطت إلثارا بخطوات رنانة عبر البلاط الرخامي، ورداؤها الأسود ينثال خلفها كستار ليل ثقيل. توقفت أمام عرش زيناريس، وانحنت انحناءة قصيرة قبل أن ترفع عينيها الحادتين نحوه. قالت بصوت مبحوح، تتخلله نبرة ضيق: "حاولت… حاولت أن أُخضع عقله بسحري، لكن هناك ما يمنعني. بينه وبين الأمير سافير رابطٌ روحاني قوي… رابط يتصدى لكل تعويذاتي." ارتفع حاجبا زيناريس ببطء، وعيناه تلمعان ببرود متفحّص: "إذن… ما الذي تحتاجينه؟" خطت خطوة أقرب، وهمست: "دم المختار. فقط بدمه يمكنني إتمام التعويذة وكسر ذلك الرابط." ظل الملك صامتًا لبرهة، قبل أن يلتفت إلى أحد حرّاسه الواقفين إلى جوار العرش. "أحضر لي القائد فالريك". انحنى الحارس وغاب عن القاعة، وما هي إلا لحظات حتى دخل رجل ضخم البنية، مدجج بالدروع السوداء، وعيناه تلمعان كفولاذ مصقول. ركع على ركبة واحدة أمام الملك. قال زيناريس بنبرة آمرة: " فالريك… ستأخذ فرقة من الجنود وتتجه فورًا إلى الجنوب، إلى منزل الحكيم أندرال. اقتحموا المنزل… وأحضروا المختار حيًّا. وإن لم تتمكنوا… فعلى الأقل أحضروا دمه." ابتسم القائد ابتسامة عابرة أشبه بقطرة سم، وضرب صدره بقبضته: "كما تأمر، مولاي. سوف أتي بثمنٍ باهظ من المختار. " ثم استدار مغادرًا، بينما نظرت إلثارا نحو الملك نظرة مزيج بين الرضا والتوق، كمن يرى خيوط خطته تنسج ببطء نحو غايتها المظلمة. الدم الذي غيّر المعادلة: كان داني يجلس في الغرفة المضاءة بضوء المشاعل، أمامه شيلا تقلب صفحات كتاب ضخم، أوراقه هشة ورائحته تحمل أثر القرون الماضية. قالت وهي تشير إلى نقش على صفحة قديمة "هنا يذكر المؤرخون زمن ازدهار المملكة قبل أن تشتعل الحروب، وكيف كان الأمير سافير رمز القوة والحكمة." اقترب داني ونظر مليًا إلى الرسوم "لم أتخيل أن المملكة عاشت عصرًا كهذا… وكأنها قصة خيالية." أومأت شيلا بابتسامة خفيفة "وهذا الرمح الذهبي، تقول الأسطورة إنه كان السلاح الذي يحفظ التوازن، لكنه لا يطيع إلا قلبًا نقيًا." لم يمهلهما القدر لإكمال الحديث، إذ تحطم الباب فجأة بصوت هائل، واندفع الجنود إلى الداخل بخطوات مدروسة وأعين تلمع في الظلام. ارتجفت شيلا للخلف، لكن في اللحظة ذاتها ظهر أندرال وخلفه داركان وفيلو وراغين، وأصوات السيوف اصطدمت كالرعد في أرجاء المكان. صرخ أندرال "احموا الرمح… لا تدعوا أحدًا يقترب من داني!" أمسك داني بالرمح الذهبي، والوهج الذهبي ينعكس على جدران الغرفة، ووقفت شيلا قربه كأنها تحاول أن تحميه بجسدها. اندفع وسط المعركة، يصد الضربات بحركات ثابتة، والدهشة ترتسم على وجوه رفاقه من مهارته المفاجئة. الشرر يتطاير، وصيحات الغضب والجهد تتعالى. كان فالريك يراقب من الخلف، ابتسامة مائلة على وجهه. أشار بخفة إلى رجاله لينشغلوا بمقاتلة أندرال ورفاقه، ثم تحرك بخطوات واثقة نحو داني. قال بصوت منخفض وسط ضوضاء المعركة "أخيرًا، حان وقت لقائنا يا وريث الرمح." رد داني وعيناه تشتعلان "سترحل من هنا خالي الوفاض." بدأت مبارزتهما، الرمح الذهبي يلمع في الهواء، وسيف فالريك يلتف كالأفعى باحثًا عن ثغرة. كل ضربة كانت كأنها تزلزل الأرض، حتى باغته فالريك بحركة خاطفة، وانحنى ليضربه أسفل القفص الصدري من الجانب، في موضع خطير قرب القلب. شهق داني من الألم، والرمح كاد يسقط من يده. اقترب فالريك بسرعة، أخذ بضع قطرات من دمائه في قارورة صغيرة، وقال بابتسامة باردة "هذا كل ما أريده منك الآن… والباقي لاحقًا." ثم تراجع ببطء، يراقب عيني داني المتألّمتين قبل أن ينسحب مع جنوده في صمت مدروس. ركض أندرال وداركان وفيلو وراغين نحو داني فور اختفاء الأعداء. قال أندرال وهو يضغط على موضع الجرح "تمالك نفسك… إصابتك عميقة، لكننا لن ندعه يفوز." كانت شيلا جاثية بجانبه، الدموع في عينيها، وهمست "لن نسمح لهم بأن يأخذوك منا… لن نسمح." أغمض داني عينيه للحظة، بينما كان الرمح الذهبي ما زال يلمع على الأرض بجانبه، كأنه ينتظر الجولة التالية.