الفصل السادس: عين في الظلام
في بهو العرش الرمادي:
كان بهو العرش في قصر مملكة أورينيل يمتد كقلب متحجر، تحيط به جدران من الحجر الرمادي المصقول، ينعكس عليها ضوء خافت يتسلّل من نوافذ عالية مُزجَجَة بزجاج أزرق داكن، أشبه بقطع من بحر أسير. كان العرش، المصنوع من الكريستال النقي، يقف شامخًا في نهاية البهو، يتلألأ تحت خيوط الضوء مثل قطعة من جليد أزلي. على يمين البهو، نافورة رخاميّة تتدفّق مياهها في انسياب بارد، تصنع لحنًا خافتًا كأنها تهمس بأسرار القصر، وعلى يساره يقف تمثال حجري شامخ، لوجه شاب وسيم، عيناه متجمّدتان في تحدّ أبدي؛ إنه الأمير سافير، المجمد في لحظة زمنية منذ سنوات بعيدة.
جلس زيناريس على عرشه، متكئًا بظهره على البلّور البارد، عيناه الداكنتان تتابعان تموّج الماء في النافورة، لكن جبينه كان يشي بعاصفة داخلية تقترب من الانفجار. كان القصر صامتًا، إلا من وقع خطوات هادئة تتردّد في البهو.
ظهرت إلثارا من بين الظلال، تمشي بخطوات محسوبة، يلتف عباؤها السوداء حولها كجناح غراب، وعيناها الحادّتان لا تفارقان زيناريس. توقفت على مسافة منه، وانحنت بانضباط قبل أن تقول بصوت بارد، خالٍ من أي انفعال:
"مولاي… لقد نفذت أوامرك وتوجّهت إلى القبيلة. كان المختار على وشك أن يكون بين يدي، لولا أن ذلك الرجل… فيلو، اختطفه وهرب. حتى هذه اللحظة، لم نحدد موقعهم."
ارتفع رأس زيناريس ببطء، وكأن كلمتها الأخيرة قد أشعلت شرارة الغضب الكامن فيه. قبض على ذراع العرش بقوة، فتشققت بلورة صغيرة عند مسند اليد، وانعكس الضوء على وجهه المظلم. قال بصوت عميق، كزئير مكتوم:
"اللعنة عليهم… كيف يفرّون من قبضتك؟ كم من الوقت سأنتظر حتى أرى ذلك الفتى راكعًا تحت قدمي؟!"
لكن إلثارا لم تتحرك خطوة إلى الوراء، لم يرمش جفنها أمام حدّة صوته. بل مالت برأسها قليلًا، كمن يستوعب الغضب ويحوّله إلى هدوء مميت، وقالت بنبرة ثابتة:
"اهدأ، مولاي. المختار لن يبتعد كثيرًا. والرمح… سيعود إليك. أعدك أنني سأجعله بين يديك قريبًا، حيًّا، يجرّ أذيال الهزيمة."
ظل زيناريس يحدّق فيها لبرهة، وكأن عيناه تبحثان في وجهها عن أي بادرة تردد، فلم يجد إلا صلابة لا تقل عن صلابته. عندها، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة، لكنها كانت تحمل شيئًا من الخبث، وقال:
"لو فعلتِ ذلك… فلن تكون مكافأتك عادية، يا إلثارا."
في تلك اللحظة، ومضة صغيرة من الطمع لمعَت في عينيها، كأنها انكسار طفيف في قناع البرود الذي ترتديه. اقتربت خطوة إلى الأمام، وصوتها أصبح أعمق:
"إذن… أتوقع أن تكون المكافأة بحجم ما سأفعله."
ضحك زيناريس ضحكة قصيرة، لكنها كانت مثل حافة سكين، ثم قال:
"ستكون كذلك… وأكثر. لكن تذكري، يا إلثارا، من يخفق في خدمتي… لا تُمنح له فرصة ثانية."
انحنت مرة أخرى، وهمست بثقة لا تخلو من تحدٍّ:
"أنا لا أخفق… مولاي."
ثم استدارت بهدوء، وخطاها تتلاشى في أصداء البهو، بينما بقي زيناريس يراقبها، وعيناه تضيقان كأنه يزن ما بداخل تلك المرأة التي لا يعرف إن كانت مجرد أداة… أم خطرًا يقترب.
ظلال بين الأشجار:
الغابة تحيط بهم كسقفٍ أخضر ممتد، وأشعة الشمس تتسلّل بين أغصانها العالية، ترسم على الأرض لوحات من الضوء والظلّ. كانت رائحة الأعشاب البرية تختلط برائحة الخشب المحترق من نار صغيرة أشعلها فيلو، حيث كان ينهش قطعة لحم مشوي ببطء، بينما يجلس راغين وشيلا على مقربة، يتبادلان السخرية والتحدي كعادتهما، في محاولة لصرف ذهنيهما عن وعثاء الطريق.
على مسافة منهم، جلس داركان، يحدّ سيفه بحجر مسنّ، والحجر يطلق صريرًا حادًّا مع كل حركة، كأنّه يجرح الهواء نفسه. عيناه، وإن كانتا منشغلتين بالسيف، لم تتوقفا عن مراقبة داني.
داني وقف بعيدًا، ممسكًا بالرمح، يحدّق فيه كما لو كان يقرأ كتابًا مكتوبًا بلغة لا يفهمها. ملامحه مشدودة، وجسده ساكن، لكن في أعماقه كانت أفكار كثيرة تتدافع بلا نظام.
اقترب منه فيلو بهدوء، وفي يده قطعة لحم مشوي، مدّها نحوه:
"خذ… أنت تحتاج إلى الطعام، الطريق ما زال طويلًا أمامنا."
هز داني رأسه نافيًا:
"لا أريد."
من خلف النار، جاء صوت داركان خشنًا كحجر يسقط في بئر:
"من يرفض أن يُغذّي جسده، يختار الموت ببطء… لا فرق بينه وبين الجبان الذي يفرّ قبل أن يرفع سيفه."
التفت داني نحوه بحدة:
"لماذا كل كلماتك معي بهذا الشكل؟ أنت تعلم أنني لا أعرف الكثير عن هذا العالم… ولا عمّا يحدث. هل من الصعب أن تراعي ذلك؟"
ابتسم داركان ابتسامة باردة، وكأنها ليست سخرية بقدر ما هي دعوة للغضب:
"أراعيك؟! في الميدان، العدو لن يمنحك الوقت لتفهم أو تتعلّم. إن لم تتكيّف بسرعة، فستموت قبل أن تعرف حتى من قتلك."
شعر داني بحرارة تتصاعد في صدره:
"أنا لم أطلب شفقة، بل فهمًا. هناك فرق."
أعاد داركان سيفه إلى غمده ببطء، ونهض واقفًا بخطوات ثقيلة. اقترب منه، حتى صار بينهما ذراع واحدة، وصوته أكثر استفزازًا:
"بل طلبت الشفقة… دون أن تدري. أنت تبحث عن من يبرّر ضعفك… وهذا أسوأ من الضعف نفسه."
كانت الكلمات كشرارة سقطت في برميل وقود. فجأة، شعر داني بحرارة الرمح تنتقل إلى جسده، طاقة مضطربة تجري في عروقه كالنار، عينيه لمع فيهما بريق غريب، والهواء من حوله اهتزّ قليلًا.
"كفـــى!" صرخها وهو يندفع نحو داركان.
رفع الرمح، وضرب به ضربة جانبية خاطفة، لكن داركان كان أسرع؛ انحرف بجسده، وردّ الهجوم بدفعه للجانب، إلا أنّ طاقة الرمح انفجرت في لحظة، موجة قوية من القوة غير المرئية جعلت الأوراق تتطاير من حولهم.
ابتسم داركان رغم قوّة الاندفاع، وكأنّه وجد ما كان ينتظره. أخرج سيفه، وبدأت المبارزة. تحرّك داني بلا وعي، وكأن الطاقة تقوده، ضرباته عنيفة لكنها غير منضبطة، فيما داركان يصدّ الهجمات بخبرة باردة، يتفادى في اللحظة الأخيرة، ثم يردّ بدفعات محسوبة.
في لحظة، داركان أمسك بيد داني التي تحمل الرمح، ولوى ذراعه بحركة سريعة حتى سقط على ركبته، ثم دفعه أرضًا، مثبتًا إياه بقوة:
"هذا…كان الدرس الأول." صوته صار أكثر جدية، ونبرته تحمل وزنًا أثقل من أي كلمات سابقة.
"إن أردت السيطرة على قوتك… فابدأ بالسيطرة على غضبك. القوة بلا انضباط… ليست إلا طريقًا للهلاك."
أفلت قبضته ونهض، تاركًا داني يلهث على الأرض، قلبه يخفق كطبول الحرب، والرمح ما زال يلمع بوميض غير مستقر بين أصابعه.
ظلّ يلين:
جلس داني عند جذع شجرة ضخمة، ظهره ملتصق بخشبها البارد، والرمح مسند إلى كتفه. عيناه تحدّقان في الأرض، لكن ذهنه كان تائهًا بعيدًا؛ يعيد في عقله مشهد المبارزة مع داركان مرارًا، وصوت الرجل القاسي يتردّد داخله: "القوة بلا انضباط… ليست إلا طريقًا للهلاك"، وكأنّها وُشمت على عقله.
كان يشعر أن الطريق الذي دُفع إليه أثقل من أن يحمله. كل شيء من حوله جديد، غريب، وحتى قوته نفسها بدت وكأنها وحش يريد الانفلات في أي لحظة.
لم يطل الوقت حتى سمع وقع خطوات خفيفة تقترب. جلس راغين إلى يمينه، مستندًا إلى كيسه الجلدي وكأن لا همّ في الدنيا، بينما ظهرت شيلا من الجهة الأخرى، وجلست إلى يساره وهي تمد ساقيها للأمام وتشبك ذراعيها خلف رأسها.
قال راغين بنبرة هادئة على غير عادته:
"أراك غارقًا في التفكير أيها المختار… هذا ليس أمرًا جيّدًا في الغابة، الأشجار هنا أحيانًا تستمع أكثر مما ينبغي."
رمقته شيلا بعين ضيقة:
"كفّ عن إخافته، هو لا يحتاج إلى مزيد من القلق." ثم التفتت نحو داني، "استمع إليّ… نعم، البداية صعبة، وأحيانًا قاسية أكثر مما تتصور. لكن هذا الطريق… طريقك أنت، ولا أحد غيرك قادر على سلكه."
أضاف راغين، وهو يحرك يده وكأنه يرسم خطًا في الهواء:
"المسألة كلها أنك أمام مسؤولية عظيمة، وهذا النوع من المسؤوليات لا ينتظر حتى تكون مستعدًا. هو يختارك… وعليك أن تكون جدير به."
ابتسمت شيلا نصف ابتسامة:
"وأحيانًا، لكي تكون جدير به، تحتاج أن تتحمّل أشخاصًا مثل داركان… أو راغين هنا."
رفع راغين حاجبيه وكأنه طُعن في كبريائه:
"أنا؟! أنا على الأقل أبتسم وأجعل الجوّ مرحًا، على عكس بعض الأشخاص الذين لو ابتسموا لانكسرت وجوههم وكأنهم صحونٌ فخارية."
رمقته شيلا باستخفاف:
"على الأقل وجهي سليم من البداية، أنظر إلى وجهك، لا تعلم إن كان وجه أم نعل حذاء."
دار الحوار بينهما كعادة، وداني بينهما كجسر بين مشاكستهما. حاول في البداية أن يحافظ على جديته، لكن طريقة تبادلهما للسخرية كانت أشبه بلعبة قديمة يعرفانها جيّدًا، ومع كل جملة، كان ثقل الصدر يخفّ شيئًا فشيئًا.
وفي لحظة لم ينتبه لها، انفلتت منه ضحكة قصيرة. توقف كلاهما، ونظرا إليه في آن واحد بابتسامة واسعة.
قال راغين وكأنه حقّق إنجازًا:
"ها نحن نسمع صوت المختار أخيرًا… يبدو أن الأمر ليس ميؤوسًا منه."
أضافت شيلا وهي ترفع حاجبها بخبث:
"بل يبدو أنه سيصبح مثلنا قريبًا… وهذا أخطر ما قد يحدث له."
هزّ رأسه وهو يبتسم رغمًا عنه، ليجد نفسه يردّ عليهما بنصف دعابة، وكأن شيئًا صغيرًا بداخله بدأ يتقبّل هذه الرحلة… رغم كل ما فيها.
عين الظلال:
في الطابق الأعلى من قصر مملكة أورينيل، حيث تصمت الممرات كأنها تهاب الساكنة فيها، كان جناح إلثارا ينتظر ساكنته. جدرانه من الحجر القرمزي العميق، كأنها غُسلت بدماء ألف معركة، تتخللها نوافذ عالية ينسكب منها ضوء القمر عبر زجاج أزرق داكن، فيصنع على الأرض دوائر من النور البارد.
إلى اليمين، سرير فخم مكسو بأقمشة سوداء مطرزة بخيوط فضية تتلألأ كأنها خيوط من ضوء النجوم. وعلى اليسار، طاولة عريضة من خشب داكن، غُطيت بالفوضى المنظمة للساحرة: كتب سحرية مفتوحة على صفحات مرسومة برموز قديمة، قوارير صغيرة تحتوي على سوائل لا تهدأ أبدًا، أعشاب يابسة مربوطة بخيوط حمراء، وأدوات معدنية لامعة. وفي منتصف الطاولة، بلورة سحرية ضخمة، ينبض قلبها بضوء داخلي متقلب بين الأزرق البنفسجي والقرمزي.
جلست إلثارا أمام البلورة، أصابعها الطويلة البيضاء تنقر بخفة على سطحها الزجاجي البارد، فتتموّج ألوانها كبحيرة مضطربة. همست بكلمات من لغة لم تعد مسموعة إلا في أعماق الظلال، فارتفع بخار أسود من قلب البلورة، أخذ شكلاً ملتويًا يزداد كثافة حتى انبثق منه ثلاثة ظلال متجسدة؛ شياطينها الخدم، منحنيي الظهر، وجوههم كأنها منحوتة من دخان حيّ، وعيونهم تتوهج بلهيب باهت.
تقدّم الأول بصوت أجش:
"مولاتي… من ذا الذي تودّين أن تتبعي أثره هذه المرة؟"
رفعت إلثارا ذقنها قليلًا، وعينيها الحادتين لا ترمش:
"المختار… أريد موقعه الآن، بلا أعذار."
همس الثاني، صوته كصفير الثعابين:
"إنه محاط بحُماة أقوياء، تتداخل آثارهم بآثاره، مما يصعّب التتبع."
ضاق بصرها ببرود:
"ليس من شأني أن أسمع عن صعوباتكم… ما أطلبه يُنفّذ. وإن لم تفعلوا، فسأجعل من دخانكم رمادًا."
تبادل الشياطين نظرات سريعة، ثم انحنى الثالث حتى لامست جبهته أرض الجناح القرمزي:
"سيكون أمرُك كما أردتِ، مولاتي."
أشارت بيدها، فعادوا يذوبون في الظلام، تاركين البلورة تومض ببطء، وكأنها تبتلع أسرار الغابة لتكشفها لها قريبًا. جلست إلثارا تتأملها في صمت، وابتسامة صغيرة، خبيثة، ارتسمت على شفتيها… كانت تعلم أن الصيد أصبح أقرب مما يظن الجميع.
أثر في الضباب:
كان الفجر يوشك أن يولد فوق الغابة، ضوء باهت يتسلل بخجل بين الأغصان العالية، يختلط مع الضباب الذي يزحف على الأرض كأشباح ناعسة. نسيم بارد يلسع الوجوه، وصوت حوافر الخيل يخفت بين الممرات الترابية المبتلة بندى الصباح.
في المقدمة، كان داركان يمتطي حصانه الأبيض، جسده المنتصب يوحي بيقظة دائمة، وعيناه لا تفارقان الطريق أمامه. خلفه بقليل، كان فيلو على حصان أسمر، وشيلا خلفه تمسك بخصره، تلتفت أحيانًا حولها وكأنها تستشعر شيئًا في الظلال. وعلى الجانب الآخر، كان راغين على حصان رمادي، وخلفه جلس داني في صمت، كتفاه منحنيتان وثقل ما يسكن رأسه.
لكن الصمت انشق فجأة بسعال عنيف هزّ جسد داني، كأن رئتيه تتمزقان. انحنى للأمام ثم هوى من فوق الحصان على الأرض، جسده يرتطم بالعشب الرطب.
"دانــي!"
صرخ فيلو وهو يقفز عن حصانه قبل أن يتوقف تمامًا، واندفع نحوه، بينما أوقفت شيلا الحصان وأمسكت لجامه.
ركع فيلو إلى جانبه، عيناه تتسعان وهو يرى الدم يخرج من فم داني. ثم التقط أنفاسه بحدة عندما التقى بعينيه… كانتا تتلونان بالأحمر القاني، دائرة بعد دائرة، حتى صارت النظرة مرعبة.
التفت فيلو بسرعة إلى داركان، وصوته مفعم بالتحذير:
"شياطين إلثارا أخذوا أثره… إنهم يعرفون مكاننا الآن!"
لم يتأخر داركان لحظة، قفز من حصانه بخطوة واحدة، وركع أمام داني، واضعًا يده على جبينه. همس بكلمات غامضة بلغة لم يعرفها أحد، فتلألأ ضوء أزرق بارد من راحته، تسلل إلى جسد داني، كأن شعاعًا يخترق الظلام. ارتجف جسده ثم أخذ نفسًا طويلًا متقطعًا، وعادت عيناه تدريجيًا إلى لونهما الطبيعي.
اقترب راغين وهو يسحب القربة من جانبه، ثم جلس بجوار داني قائلاً بنبرة حازمة:
"اشرب… ستحتاج إلى قوتك."
تناول داني القربة بيد مرتجفة، ورشف منها جرعات بطيئة، بينما شيلا تراقبه بعينين قلقتين.
قال داركان بصرامة، وهو ينهض من على ركبتيه:
"لقد حجبت أثره، لكن هذا الحاجز لن يدوم… إلثارا في طريقها إلينا بالفعل."
ردت شيلا بصوت خافت، وفيه قلق واضح:
"إذن علينا أن نتحرك فورًا."
"بل نطير إن أمكن." قال راغين وهو يساعد داني على الوقوف.
ابتسم فيلو ابتسامة ساخرة وهو يربت على كتف داني:
"لا تخف، لن أتركك تسقط ثانيةً… إلا إذا أردت أن تمشي باقي الطريق زحفاً."
أطلق داني زفرة قصيرة، ثم قال بصوت متعب:
"لن أسقط مجددًا… على الأقل ليس قبل أن أصل."
أومأ داركان وهو يعتلي حصانه الأبيض مجددًا، صوته يحمل أمرًا لا يقبل الجدل:
"إلى الأمام… قبل أن يبتلعنا الضباب."
في لحظات، عاد الجميع إلى صهوات خيولهم، وانطلقوا يشقون طريقهم عبر الغابة، بينما خلفهم، بدا الضباب وكأنه يتحرك مع الريح… أو مع شيء آخر يقتفي أثرهم في صمت.
غضب القرمزية:
في جناحها المرصع بالحجر القرمزي، حيث الجدران تلمع تحت أضواء المشاعل الزرقاء، جلست إلثارا على كرسي عالٍ خلف الطاولة الضخمة التي تغطيها خرائط قديمة وكتب مفتوحة، وفي قلب الطاولة بلورة سحرية متوهجة تَدوُر ببطء، كأنها تنبض بالحياة.
بدأت البلورة تهتز، يتسرب منها دخان أسود كثيف، ومعه ظهرت ثلاثة أشكال ملتوية من الظلال، تتشكل أمامها حتى اتخذت هيئة شياطينها المطيعة. كانت أجسادهم كأنها من دخان، وعيونهم جمرٌ مشتعل، يحنون رؤوسهم أمامها في ذل وخضوع.
تكلم أولهم بصوت خشن يخرج كطَرق الحديد على الحجر:
"وجدناه… يسير نحو الجنوب."
أكمل الآخر، وهو يتلعثم كمن يخشى وقع كلماته:
"لكننا… لم نرَ أين بالضبط… في الجنوب. حين اقتربنا من أثره… انقطع فجأة، كأن جدارًا خفيًا سدَّ الطريق."
ارتفع حاجبا إلثارا، وملامحها التي كانت باردة جمدت أكثر، قبل أن تنحني للأمام، وعيونها تشتعل بوميض قاتم:
"جدار؟"
انكمش الشياطين أكثر، وأكمل الثالث بصوت خفيض:
"أحدهم… أقام حاجزًا قويًا بينه وبيننا. لم نستطع اختراقه."
في لحظة، نهضت إلثارا من مقعدها، ورداءها الداكن ينساب وراءها كأجنحة الغراب، وضربت بكفها على الطاولة، فاهتزت البلورة بعنف وأطلقت شرارة أرجعت الشياطين خطوة إلى الوراء. دوى صوتها في القاعة كالرعد:
"عاجزون! تتركونه يفلت من بين أنيابكم ثم تأتون لتبرروا فشلكم!"
ارتجفت الظلال، وارتفعت همهماتهم المرتبكة، لكن نظرة واحدة من عينيها جعلتهم يخرسون.
أشارت بيدها إشارة حادة، فبدأت أجسادهم تتلاشى في الدخان، وأصواتهم تذوب حتى ابتلعتهم البلورة مجددًا.
وقفت إلثارا في صمت لحظات، تتنفس ببطء، ثم اقتربت من النافذة الواسعة، تحدق في الغابة التي تمتد إلى الأفق، والفجر يلمع على قمم الأشجار. رفعت يدها تلامس الزجاج الأزرق وقالت بصوت منخفض، لكن فيه وعد لا يُكسر:
"لن يختبئ عني طويلًا… سأجده… حتى لو اضطررت أن أحرق الجنوب بأكمله."
عادت إلى الطاولة، يدها تمر فوق الخرائط ببطء، وأصابعها تتوقف على منطقة غامضة في الجنوب، وابتسامة باهتة ترتسم على شفتيها.
ثم انطفأت أنوار البلورة فجأة، تاركة الغرفة في شبه ظلام… كأن الفصل نفسه أغلق صفحته.