حين نطق الرمح - الفصل الثاني: ومضة قبل السقوط - بقلم ميوش السوهاجية - مكتملة | روايتك

اسم الرواية: حين نطق الرمح
المؤلف / الكاتب: ميوش السوهاجية
حالة الرواية: مكتملة
الفصل الحالي: الفصل الثاني: ومضة قبل السقوط

الفصل الثاني: ومضة قبل السقوط

فطور الصباح ولقاء هارولد: أشرقت الشمس على المدينة ببطء، تلونت الشوارع بضوء أصفر دافئ، وكأن النهار يتثاءب قبل أن يبدأ عمله. استيقظ داني على رنين منبّه هاتفه، نهض من فراشه، وفتح النافذة الصغيرة لغرفته، ليتسلل هواء الصباح البارد إلى الداخل. أعد لنفسه فطورًا بسيطًا؛ خبزًا محمصًا مع مربى الفراولة، وكوبًا من القهوة الساخنة. جلس إلى الطاولة يتناول طعامه على مهل، وعقله مشغول ببقايا الحلم الذي رآه الليلة الماضية، ذلك الأمير الغامض، وذلك الرمح الذي بدا وكأنه يحدق في روحه. ارتدى سترته الجلدية، وحمل حقيبته الجامعية، وخرج إلى الشارع. مرّ كعادته من الزقاق المؤدي إلى محل العم هارولد، ودفع باب المحل الخشبي ليلقي تحية الصباح. ابتسم هارولد حين رآه: "صباح الخير يا داني." "صباح النور ياعم هارولد، أردت فقط أن أمرّ وأطمئن عليك." "وجودك يُطمئن يا بني، فلتصحبك السلامة." شكره داني وواصل طريقه، لكنه حين اقترب من الشارع الرئيسي لمح من بعيد الثلاثة المعتادين، يتسكعون على الرصيف بوجوههم المليئة بالملل والعدائية. قلبه انقبض قليلًا، فاختار أن يلتف من طريق جانبي ضيق، حتى يتجنب نظراتهم وكلماتهم السامة. إلى قلب الجامعة: وصل إلى الجامعة في الوقت المناسب، وهناك وجد صديقه مايك ينتظره عند بوابة الكلية، يلوّح له بابتسامة واسعة. "أخيرًا! كنت سأدخل المحاضرة بمفردي." "وأتركك تستمتع وحدك بأسلوب دكتور هارفي الجاف؟ لا يمكن." ضحك مايك، وسار الاثنان إلى القاعة. جلسا في الصف الثاني، بينما بدأ الدكتور هارفي، وهو رجل في أواخر الأربعين، بإلقاء محاضرته في مادة التاريخ القديم. بعد دقائق من الشرح، رفع داني يده، فتوقف الدكتور، وقال: "نعم يا داني؟" "سيدي، في الجزء الذي تحدثت فيه عن الحروب بين الممالك الشرقية، قلت إن السبب الرئيسي كان الموارد، لكن بعض المصادر تشير إلى دوافع دينية. أليس من الممكن أن تكون الموارد مجرد ذريعة تخفي الدافع الحقيقي؟" نظر الدكتور إليه بإعجاب: "سؤال جيد... في الحقيقة، هناك جدل كبير حول هذا، وبعض المؤرخين يذهبون إلى ما قلت. لكن أغلب الوثائق المكتشفة تميل إلى تفسير الصراع اقتصاديًا." ابتسم داني وأردف: "ربما كانت الوثائق التي بين أيدينا قد كتبت بأقلام المنتصرين، والمنتصرون يختارون الرواية التي تناسبهم." ساد القاعة صمت قصير قبل أن يقول الدكتور هارفي مبتسمًا: "أحسنت يا داني… هذا جوهر البحث التاريخي: الشك في الرواية الواحدة." تواصلت المحاضرة، لكن مايك كان يهمس له من حين لآخر: "يا عبقري، ستنتهي بنا الأمور وأنت تجلس مكانه." انتهت الدروس، وقرر داني قضاء ما تبقى من يومه في مكتبة الجامعة، بين رفوف الكتب التي كانت وطنه المفضل. قرأ حتى أسدل الليل ستائره على النوافذ. عودة على غير المتوقع: في طريق عودته إلى البيت، مرّ مجددًا على متجر هارولد. فتح الباب، ودخل، ليجد العجوز جالسًا خلف الطاولة، يلمّع عدسة نظارته. "مساء الخير يا عم هارولد." "أهلًا بفتاي القارئ… يوم طويل، أليس كذلك؟" "ليس كثيراً عن المعتاد." جلس داني على الكرسي المعتاد، وأخذ يتحدث معه عن الجامعة، بينما عيناه تنجذبان مرارًا نحو زاوية المتجر حيث يقف الرمح الذهبي. كان بريقه في ضوء المصباح يبدو وكأنه ينبض بالحياة. لاحظ هارولد ذلك، فسأله: "يبدو أن هذا الرمح قد شغل عقلك." "في الحقيقة… رأيته الليلة الماضية في حلم غريب. كان يحمله أمير… يشبه الأمراء الذين يُذكرون في الأساطير." ارتفع حاجبا هارولد قليلًا، لكن ملامحه بقيت ثابتة. اقترب أكثر، وقال بهدوء: "وماذا قال لك هذا الأمير؟" "كلمات لم أفهمها تمامًا… لكنها كانت عن أنني لست ضعيفًا، وأن قدري مختلف عما أتصوره... مجرد أحلام أليس كذلك؟!" لم يعلّق هارولد فورًا، لكن عينيه حملتا بريقًا غامضًا، كأنه فهم ما وراء الحلم… كأنه يعرف. ومع ذلك، لم يقل شيئًا. فجأة، انفتح باب المتجر بعنف، ودخل الثلاثة، وجوههم مشدودة بعزم سيء النية. قال أحدهم بغلظة: "مساء الخير أيها العجوز … جئنا نأخذ منك بعض المال." وقف هارولد ببطء، وألقى نظرة سريعة إلى داني، قبل أن يهمس له بسرعة: ـ"خذ الرمح… الآن. واخرج من الباب الخلفي. لا تدعهم يرونك." داني تردد لحظة، لكن نظرة هارولد الحادة جعلته يمتثل. أمسك الرمح، وشعر بالرجفة ذاتها التي أحس بها أول مرة، ثم اختفى نحو الممر الخلفي. قبل أن يخرج، سمع أصواتهم تشتد: "أعطنا ما في هذا الصندوق وإلا جعلنا متجرك خردة." "خذوا ما تريدون، واتركوني." ثم سُمع ارتطامًا عنيفًا، وسقوط أشياء على الأرض. لم ينتظر أكثر، وخرج إلى الزقاق، لكن صوت أقدام سريعة لحقه… كانوا قد رأوه وهو يبتعد. "أمسكوا به! معه شيئاً ما!" مطاردة في الظل: بدأ داني يجري، والرمح الثقيل في يده، وقلبه يخفق بقوة، لا يفهم لماذا يطارده الخطر فجأة… ولا لماذا يشعر في داخله أن الهروب هذه المرة ليس مجرد نجاة، بل بداية طريق لا عودة منه. كانت خطواتهم تلاحقه كقضبان حديد تُغلق عليه شيئًا فشيئًا. هرول داني بين الأزقة المظلمة، قلبه يدق بعنف، ويده تقبض على الرمح كما لو كان آخر خيط يربطه بالحياة. العرق يتصبب من جبينه رغم برودة الليل، وأنفاسه تتقطع، بينما أصواتهم تقترب، مشوبة بضحكات ساخرة وصيحات وعيد. انعطف فجأة إلى زقاق ضيق مسدود، لا مفر فيه ولا باب للنجاة. وقف يلهث، ظهره إلى الجدار البارد، فيما أطلّت عليه ظلالهم الثلاثة من طرف الزقاق. قال الأول، عريض المنكبين، بابتسامة مائلة: "ها قد علِق الفأر في المصيدة." رفع داني الرمح بتوتر، صوته مضطرب: "ابتعدوا… لن تأخذوه مني." ضحك الثاني، عينيه تضيقان بازدراء: "وأنت… ماذا ستفعل به؟ هل ستقاتلنا مثل الفرسان في الحكايات؟" لم ينتظروا رده، بل اندفع الأول نحوه بلكمة صاعقة أصابت وجهه، تبعتها ركلة عنيفة في ضلوعه جعلته يتراجع وهو يتألم. حاول داني أن يصدهم بتحريك الرمح عشوائيًا، لكنهم كانوا أسرع، ينهالون عليه بالركلات واللكمات، ضربة في كتفه، أخرى في معدته، حتى شعر أن عظامه تتفتت تحت وطأة العنف. صرخ: "توقفوا!" لكن الصوت خرج مبحوحًا، ضعيفًا وسط صخبهم. في خضم الفوضى، لمع بريق سكين صغيرة في يد أصغرهم، اندفع بها للأمام بعصبية، وداني يرفع الرمح لا شعوريًا لصد الهجوم… غير أن الخطأ كان قاتلًا؛ انحرفت الضربة عن مسارها، والنصل انغرس في بطنه حتى آخره. تجمد جسده للحظة، عيناه تتسعان، ثم خرج نفس طويل متقطع من صدره، ومعه تدفق الدم دافئًا من فمه. أحسّ وكأن كل قواه تُسحب منه دفعة واحدة، ساقاه ترتجفان، والرمح يترنح في يده. تراجع الفتى الذي طعنه، وجهه شاحب مرتجف: "أنا… لم أكن أقصد… أقسم أنني لم أقصد! كنت فقط أريد تخويفه!" أمسكه رفيقاه بعنف، وصاح الأول: "أيها الأحمق! لقد ورّطتنا جميعًا!" قال الثالث ببرود قاتل: "إهدأوا… من سيهتم لأمره؟ لن يفتقده أحد." ثم هرعوا مبتعدين، تاركينه وحيدًا ينزف، ونسوا في ارتباكهم حتى أن يأخذوا الرمح. سقط داني، يده تضغط على جرحه، الدم يتسرب بين أصابعه، البرد يغزو أطرافه، وعيناه تتهامسان بين وعي يتلاشى وظلام يقترب. فجأة… اختفى الزقاق، وغمره فضاء غريب يطفو فيه ضوء ذهبي دافئ. ومن قلب ذلك النور، تقدم الأمير الذي رآه في الحلم، مهيبًا في ملامحه ووقاره. وقف أمامه، وصوته يخرج عميقًا كأصداء زمن قديم: "إذا هرب الرمح من قبضة الظلم، وسكن كفًّا لا تطلب حكم، وصدق القلب، ونطق الصمت، وارتجف الحجر وهمس النبض، إذا اهتزّ الزمان لصوت الحق، ونهض من السكون من لا يدركه الفقد، حينها… تُشرق النار من الذهب، ويخمد الظل، ويعود من قلب الحجر من ذهب." مع آخر كلمة، ارتجّ الرمح في يد داني، واشتعل ضوءه حتى أحاط بجسده كله، لفّه بوهج ذهبياً يذيب الألم والبرد في آن. ثم انطفأ الوجود كله أمام عينيه… وسقط في غيبوبة عميقة.