الفصل الأول: حيث يبدأ الصمت
مكتبة الجامعة:
كان الصباح رماديًّا، تُغطيه سحابة خفيفة من الضباب، والمدينة تستيقظ ببطء من سباتها، كأنها تنفث تنهيدة طويلة قبل أن تبدأ بالركض المعتاد.
في أحد أركان هذا الضجيج المتصاعد، جلس داني على كرسي خشبي في زاوية المكتبة الجامعية، ينظر من خلف نظارته إلى سطور كتابٍ مفتوح، كأن بين كل صفحة وعدًا بالهروب من واقع لا يحب الانتماء إليه. كان وجهه هادئًا، يحمل ملامحًا رقيقة، شديدة الترتيب، رغم بساطتها. عيناه الخضراوان، بلونهما النادر، تتأملان الحروف بشغف، وشعره الأسود الكثيف ينسدل فوق جبينه، يصففه بعفوية مرتبة توحي بأنه لم يبالِ، ومع ذلك بدا دومًا كأنه خرج لتوّه من لوحة فنية.
داني، الطالب الجامعي البسيط، لم يكن محبوبًا كثيرًا ولا مكروهًا، بل كان كما هو دومًا: صامتًا، مسالمًا، يمشي في دروب الحياة كما تمشي قطرة ماء على زجاج نافذة – بلا صوت، بلا أثر واضح، لكنها حاضرة.
كان يحب الكتب، يعشق رائحة الورق، يجد في صفحات الروايات حياةً أكثر دفئًا من زيف الواقع. ولم يكن غريبًا أن يختار جلوسه هنا، في هذه الزاوية بالذات، كل صباح قبل المحاضرات. خلفه رفوف الكتب، وأمامه نافذة تطل على ساحة الكلية، حيث كان الطلاب يتناثرون كحروفٍ في جملة بلا ترتيب.
دخل عليه صديقه الوحيد تقريبًا، مايك، بصخبٍ خفيف لا يشبه هدوء المكان.
قال مايك مبتسمًا:
"كالعادة، تختبئ هنا وتدّعي أنك لا تهرب من أحد."
ابتسم داني بخجل، وردّ دون أن يرفع عينيه عن الكتاب:
"أنا لا أهرب... أنا فقط أختار البقاء حيث لا أحد يتوقع أن يراني."
ضحك مايك وربّت على كتفه، ثم جلس بجانبه. كان مايك نقيض داني في كل شيء: صاخبًا، واثقًا، يملأ المكان بحضوره، لكنه كان وفيًا له، يحترم هدوءه ولا يسخر منه.
مرت الساعات بين محاضرات جامدة، ووجوه عابرة، وأسئلة أساتذة لا تنتظر إجابة.
جلس داني في المحاضرة الأخيرة، يتظاهر بالتركيز، لكنه كان يفكر في شيء آخر... شيء لا يعرفه بعد.
العم هارولد:
انتهى يوم الجامعة كعادته، رتيبًا، خاليًا من المفاجآت. لم يكن في انتظاره أحد، ولم يكن يحمل في قلبه شوقًا للقاء، سوى لقاءٍ واحد... مع رجلٍ عجوز أصبح له مقام الأب الغائب.
خرج داني من بوابة الجامعة، وسار في طرقات الحي القديمة، حيث الأرصفة المهترئة، والمتاجر الصغيرة، والوجوه التي يعرفها، ولا تعرفه.
وصل إلى زقاق ضيق تفوح منه رائحة الخشب المعتّق، وفي نهايته، وُجد المتجر.
"تحف هارولد القديمة" – لافتة خشبية نصفها مكسور، تتدلى فوق بابٍ عتيق.
فتح الباب الصدئ بخفة، ودخل، ليغمره دفء المكان، ورائحة الغبار الممزوج بالعطر الخشبي.
كان المحل مزدحمًا بالتماثيل القديمة، والسيوف الصدئة، والساعات التي توقفت عن العمل منذ زمن، لكنها تحتفظ بشخصية لا تُشبه الزمن.
من بين كل ذلك، كان العم هارولد واقفًا خلف طاولة ممتلئة بالقطع الغريبة، كأنه حارس لذاكرة لا تخصه.
رفع رأسه حين سمع صوت الباب، وما إن رأى داني حتى انفرجت أساريره، وقال بصوته الخافت العجوز:
"ها قد جاء الفتى الذي لا يملُّ من النظر إلى الماضي."
ابتسم داني بحرارة، وتقدّم نحوه، ففتح له العم ذراعيه واحتضنه كما يفعل الأب مع ابنه الضائع في زحام المدينة.
"اشتقت إليك أيها العم هارولد."
"وأنا أيضاً، والمتجر اشتاق إليك... لا أحد يسأل عن القصص التي تخبئها هذه القطع سواك."
جلسا معًا، وأعدّ له العم مشروبًا دافئًا كعادته، مزيج من الأعشاب لا يعرف اسمه، لكنه يحب مذاقه لأنه يأتي من يديه.
وبينما يتحدثان، جالت عين داني في أرجاء المتجر، حتى توقفت فجأة.
هناك، في زاوية مظلمة، بين درع صدئ وسيف قديم، رأى رمحًا ذهبيًّا ضخمًا، يلمع رغم الغبار الذي يكسوه، يشع بهالة غريبة، كأن الضوء لا ينعكس عليه، بل يخرج منه.
سأل بدهشة:
"ما هذا؟ لم أره من قبل..."
تنهّد العم هارولد، ثم قال بصوت منخفض:
"قطعة لا أذكر من أين جاءت... لكنها ظلت هنا منذ زمن، لم يلمسها أحد. يقولون إنها من عالمٍ لا يشبه عالمنا."
اقترب داني أكثر، مدّ يده ببطء ولمس الرمح، فشعر برجفة خفيفة في أطراف أصابعه، كأن الحديد حيّ، ينبض... لكنه لم يقل شيئًا، فقط نظر إليه طويلاً.
قطع العم هارولد لحظة الصمت بقوله:
"أنت مختلف يا داني... لا أدري لماذا، لكن داخلك شيء لا ينتمي لهذا العالم."
نظر إليه داني مبتسمًا ابتسامة خجولة، وقال:
"ربما لأنني أبحث عن مكان لا يشبه هذا العالم."
شكر العم على المشروب، ووعده أن يعود قريبًا، ثم خرج.
اعتراض الطريق:
خرج من المتجر، والليل قد بدأ يُلقي بظلاله الباردة على الأزقة. سار بخطوات هادئة، يُفكر في الرمح، في كلماته مع هارولد، لكن ما جذب فكره هو ذلك الرمح الغريب.
لكنه لم يبتعد كثيرًا، حتى اعترض طريقه ثلاثة من شباب الحي المعروفين بسلوكهم السيء.
وقفوا أمامه، يتبادلون النظرات المستفزة، وأحدهم قال ساخرًا:
"ها قد عاد الفيلسوف، أين كنتَ يا داني؟ في المكتبة أم في متجر ذلك العجوز الخرف؟"
لم يرد داني، فقط تابع سيره محاولًا تجاوزهم.
لكنهم لم يسمحوا له.
دفعه أحدهم من كتفه، فترنّح، وقال آخر:
"ألا تسمع حين يُكلمك الرجال؟"
قال داني بهدوء:
"لا أريد العراك معكم، دعوني أمرّ فقط."
ضحك الثالث، ثم وجه له لكمة خفيفة في بطنه، وقال:
"عراك؟ لا، نحن نُلقي عليك التحية فقط."
بدأت الضربات، ليست مميتة، لكنها مؤلمة. مهينة، مستهزءة، لعب على جسدٍ هشّ لا يقاتل.
كان داني يرفع ذراعيه محاولًا صدّ الضرب، لا ليردّ، بل فقط ليحمي نفسه.
لم يكن خائفًا، بل كان يفضل السلام عن القتال.
وحين شعروا بالملل من صمته، تركوه على جانب الطريق، وساروا وهم يضحكون.
نهض داني بصعوبة، يرتجف بعض الشيء، ونظر خلفه، ثم أكمل طريقه إلى منزله...
لكن في عينيه، تلك العينين الخضراوين، كان هناك شيء جديد... وميض صغير، لا يشبه الخوف.
كأن الرمح قد همس فيه بشيء لم يسمعه أحد... سوى قلبه.
البيت الصغير:
عاد داني إلى بيته الصغير في طرف الحي، ذاك البيت البسيط الذي يضم غرفة واحدة ومطبخًا ضيقًا، يعيش فيه وحيدًا بلا جلبة ولا ضحكات.
أغلق الباب خلفه بهدوء، وعلّق سترته الجلدية على المسمار المعتاد، ثم دخل الحمام الصغير، وغسل وجهه من آثار الغبار والتعب. نظر إلى نفسه في المرآة وكأنه يريد أن يثبت لنفسه بأنه أقوى من مجرد عراكٍ تافه مثل الذي حدث.
بدّل ملابسه إلى ما هو أريح، ثم توجه إلى المطبخ. أعدّ لنفسه وجبة بسيطة من الخبز المحمص والجبن، مع كوب من الشاي الساخن، وجلس إلى الطاولة الخشبية القديمة يتناول طعامه بصمت، بينما عقله ما يزال مشغولًا بصورة الرمح الذهبي الذي رآه قبل قليل في محل العم هارولد.
بعد أن أنهى طعامه وغسل الأطباق، اتجه إلى غرفته. جلس على سريره، وأمسك أحد كتبه المفضلة من رف المكتبة الصغيرة، وأخذ يقرأ على ضوء مصباح جانبي. حاول الانغماس في السطور، لكن ذهنه كان يفرّ من النصوص، ويعود إلى تلك الهالة الغامضة التي أحاطت بالرمح في المحل، وإلى لمسته التي جعلت أطراف أصابعه ترتجف.
الحلم:
لم يدرِ متى أثقله النعاس، لكن الكتاب انزلق من يديه، وأغمض عينيه، لينتقل إلى عالم آخر…
في الحلم كان المكان غريبًا، لا هو أرض مألوفة ولا سماء يعرفها، بل فضاء مفتوح يلمع بضوء ذهبي خافت، كأنه بين الحلم واليقظة.
وأمام داني وقف رجل لم يرَ مثله من قبل.
كان طويل القامة، شامخ الملامح، عيناه سوداء عميقة، تشع وقارًا وهيبة، وشعره البني الكثيف مصفف بطريقة ملكية مهيبة، وملامحه حادة ونبيلة كما لو كان من سلالة ملوك الأساطير. كان يرتدي رداء ملكي أزرق أنيقًا يزينه الخيوط الذهبية، وفي يده اليمنى… الرمح الذهبي ذاته الذي رآه في متجر هارولد، يلمع كأنه يستمد النور من قلبه.
تقدّم الرجل خطوة، وصوته حين تكلم كان عميقًا، رخيمًا، يحمل قوة لا تحتملها الكلمات:
"أتعرف من أنت يا داني؟ أنت لست كما تظن… لست ضعيفًا كما يقال لك، ولا مهمشاً كما تظن نفسك."
توقف لحظة، وعيناه تتفحصانه وكأنهما ترى ما لا يراه هو.
"مصيرك ليس ما تعتقده… الطريق أمامك طويل، لكنه طريقك وحدك. لا تهرب حين يأتي النداء… لأنك وُجدت لتجيب."
حاول داني أن يسأل: "من أنت؟" لكن صوته لم يخرج.
ابتسم الرجل ابتسامة هادئة، وقال وهو يرفع الرمح أمامه:
"حين يحين الوقت… ستفهم كل شيء."
وفجأة، بدأ كل شيء يبهت؛ الضوء يخفت، الملامح تتلاشى، وصوت الرجل يتردد في الفضاء حتى أصبح همسًا بعيدًا.
فتح داني عينيه فجأة، جالسًا في سريره، قلبه يخفق بقوة، وقطرات العرق تلمع على جبينه. نظر حوله في الظلام، كل شيء في مكانه… الغرفة، المصباح، الكتاب الساقط على الأرض.
لكن ذلك الصوت… وذلك الوجه… وذلك الرمح… ظلّت صورهم عالقة في ذهنه كأنها حقيقية.
جلس لحظة يستعيد أنفاسه، ثم تمتم لنفسه:
"من كان هذا … ولماذا شعرت أنني أعرفه؟"
أطفأ المصباح، وأسند رأسه إلى الوسادة، دون أن يدرك أن هذا الحلم… لم يكن حلمًا على الإطلاق.