الفصل 48
** 𝒜𝓂𝒶𝓃𝒾 𝒶𝓁𝒶𝒿𝒶𝓏𝒶𝓇𝒾𝒶**
آمـآنيـﮯ آلجزآئريـﮯهہ
.
.
.
.
.
.
.
.
.
↓
لم يكن السكون الذي التفّ بالممرات كافيًا لاحتواء الضجر الذي أخذ يتسرّب إليها ببطءٍ خانق، حتى غدا عبئًا ثقيلاً على صدرها. وقفت لحظة، زفرت بضيق، ثم ألقت نظرة عابرة على هيئتها دون اكتراث؛ كانت لا تزال في تلك البيجاما التي ألبسها إياها ريكاردو، قميص أبيض واسع ينسدل بنعومة فوق كتفيها، وسروال قصير أسود يكشف عن ساقين ناعمتين بلا تكلّف.
مررت أصابعها في شعرها، تركته ينسدل بحرية، ثم فتحت الباب وخرجت.
لم تكد تخطو خطوتين حتى سُحبت فجأة من خصرها، ارتد جسدها إلى الخلف، وصوته انساب عند أذنها منخفضًا، ثابتًا: — إلى أين تظنين نفسك ذاهبة؟
أغمضت عينيها بانزعاج، وقالت بملل: — إلى دالين… مللت من البقاء وحدي.
ساد صمت قصير، قبل أن تتسلل نظرته فوقها ببطء، نظرة فاحصة لم تخفِ امتعاضه، ثم قال بنبرة قاطعة: — عودي وغيّري ملابسك.
التفتت نحوه بسخرية: — لا أريد.
تركها، واتجه نحو جناحه دون أن يلتفت: — كلامي لا يُعاد… سننزل إلى الغداء، ولدينا ضيوف… أريدك جاهزة خلال دقائق.
أغلق الباب خلفه.
بقيت واقفة لحظة، الضيق يتصاعد في صدرها، ثم استدارت وعادت إلى غرفتها بخطوات مثقلة.
دخلت، أغلقت الباب، واتجهت مباشرة إلى الحمام.
.
.
.
انساب الماء فوق جسدها، دافئًا، يخفف حدّة التوتر دون أن يطفئه تمامًا. خرجت بعد دقائق، واتجهت نحو خزانتها، توقفت قليلًا… ثم اختارت.
أخرجت فستانًا بدا وكأنه صُمم ليُعلن حضورها دون صخب.
فستان طويل بلونٍ بين العاجي والبيج الدافئ، يلامس الضوء فينعكس عليه بلمعانٍ خافت، قماشه من الحرير الناعم الممزوج بشيفون خفيف، ينسدل بانسيابية على جسدها دون أن يلتصق به ابتذالًا. ضيّق عند الخصر، محدد بخياطة دقيقة تُبرز انحناءاته برقيٍّ محسوب، ثم يتسع تدريجيًا نحو الأسفل بانسيابٍ هادئ، كأن القماش يتحرك معها لا عليها.
أكمامه طويلة شفافة قليلًا، تكشف عن بشرتها بقدرٍ كافٍ ليزيد الغموض دون أن يفضحه، ونهايتها مطرزة بخيوط دقيقة تكاد لا تُرى إلا عن قرب. أما الياقة فكانت على شكل حرف V ناعم، غير عميق، يكفي ليمنح عنقها امتدادًا أنثويًا راقيًا دون جرأة زائدة.
ارتدته ببطء.
ثم جلست أمام المرآة.
لم تكن بحاجة إلى الكثير.
بشرتها الصافية بدت أكثر نقاءً تحت الضوء، وعيناها البنيتان الواسعتان بسحبتهما المميزة كانتا تحملان عمقًا هادئًا، مزيجًا من البراءة والتمرّد، نظرة لا تُفسَّر بسهولة.
أنفها المستقيم أضفى على ملامحها اتزانًا، وشفاهها الممتلئة بلونها الوردي الطبيعي بدت كأنها لا تحتاج إلى أي زينة.
اكتفت بلمسات خفيفة جدًا… بالكاد تُرى.
ثم رفعت يدها إلى شعرها.
ذلك اللون، حيث يختلط البني الدافئ بخيوط أشقر خافتة، بدا تحت الضوء أكثر عمقًا، ينسدل بنعومة إلى ما دون كتفيها بقليل. سرّحته بأناملها فقط، وتركته حرًا، يحيط بوجهها بعفويةٍ جذابة.
وقفت أخيرًا.
تأملت نفسها لثوانٍ.
دُقّ الباب طرقًا خفيفًا، فرفعت رأسها قليلًا وهي ما تزال تُعدّل خصلات شعرها أمام المرآة، وقالت بنبرةٍ هادئة:
— ادخل.
انفتح الباب ببطء، ودلف الحارس بخطواتٍ منضبطة، وعلى شفتيه ابتسامةٌ خفيفة لا تخلو من احترام، ثم قال بانحناءةٍ طفيفة:
— برينسيسا…
التفتت إليه بنعومة، وبادلته ابتسامةً هادئة تحمل أثر مزاجها المتقلّب:
— نعم؟
تقدّم خطوة، وصوته يهبط إلى نبرةٍ أكثر جدّية:
— السيد ريكاردو أمرني أن أنبّهكِ… لارتداء الخاتم.
تبدّلت ملامحها في لحظة، وانزلقت إلى سخريةٍ خفيفة، انعكست في عينيها قبل شفتيها:
— ولماذا؟
أجاب الحارس بهدوءٍ صريح، دون محاولةٍ للتأويل:
— لا أعلم، يا آنسة… لقد أمرني فقط أن أبلّغك.
أومأت سابين ببطء، ثم أعادت نظرها إلى المرآة، تُعدّل خصلات شعرها بعنايةٍ أكثر، وكأنها تتهرّب من الفكرة ذاتها، بينما بقي الحارس في مكانه، صامتًا.
لم تحتج أن تلتفت لتدرك ذلك.
ارتسمت ابتسامةٌ خفيفة على شفتيها، وقالت وهي تنظر إلى انعكاسه في المرآة:
— هل هناك شيءٌ آخر؟
تردّد لثانية، ثم هزّ رأسه نفيًا، قبل أن يسأل بنبرةٍ أقل رسمية:
— هل أنتِ بخير الآن؟
توقّفت يدها للحظة، ثم ابتسمت ابتسامةً هادئة، وأومأت:
— بخير… بل أفضل حالًا.
ارتاحت ملامحه، وقال بصدقٍ واضح:
— الحمد لله… كنت قلقًا جدًا عندما فقدتِ وعيكِ أمس.
انخفض صوته قليلًا، يحمل شيئًا من العفوية:
— اعتني بنفسكِ جيدًا، يا برينسيسا… لا تزالين صغيرة.
ضحكت سابين بخفة، ضحكة قصيرة لكنها دافئة، ثم قالت:
— شكرًا لك على اهتمامك… يا…؟
ابتسم، وقد بدا عليه شيءٌ من الارتباك اللطيف:
— هييغو.
أعادت الاسم ببطء، وكأنها تذوقه:
— هييغو… اسمٌ جميل.
اتسعت ابتسامته، وقد سرّه ذلك بوضوح:
— شكرًا جزيلًا، برينسيسا… هذا لطفٌ منكِ.
ثم انحنى لها باحترامٍ أكبر.
اتسعت عيناها بدهشة، وانفجرت ضاحكة وهي تتقدّم نحوه بسرعة، ترفع رأسه بيدٍ خفيفة:
— لا، لا… لا تفعل ذلك.
توقّف، ونظر إليها بابتسامةٍ مترددة، بينما تابعت هي بنبرةٍ أهدأ، أكثر صدقًا:
— أنا من يجب أن أشكرك… على كل شيء، وعلى موقفك بالأمس… حقًا، شكرًا لك.
تراجعت خطوة، وأردفت بابتسامةٍ مشاكسة خفيفة:
— وليس عليك أن تنحني لي… فأنا هنا… مختطفة، لا سيدة هذا القصر.
ثم غمزت بخفة:
— لكن لا أمانع أن تناديني "أميرة".
ضحك هييغو بصوتٍ منخفض، وقال بنبرةٍ واثقة:
— بالنسبة لي… أنتِ أميرة بالفعل.
ثم اعتدل، وأضاف باحترام:
— سعيدٌ جدًا أنني أحرس فتاةً طيبة مثلك.
توقّف لحظة، ثم قال بجدّيةٍ خفيفة:
— لكن… عليكِ أن تسرعي قبل أن يأتي السيد ريكاردو.
ضحكت سابين مرةً أخرى، وأومأت:
— حسنًا، فهمت.
مدّ يده بتردّدٍ خفيف، وكأنّه غير واثقٍ من حدود ما يُسمح به، فبادلته سابين بابتسامةٍ مرِحة، ورفعت يدها لتلتقي بيده في قبضةٍ خفيفة، أقرب إلى مصافحةٍ ودّية عفوية. توقّفت لحظة، ثم انسحبت برفق، تاركةً خلفها أثرًا بسيطًا من الألفة غير المتكلّفة.
خرج فبقيت وحدها.
نظرت إلى انعكاسها في المرآة لثوانٍ، قبل أن تنخفض عيناها ببطء نحو الطاولة… حيث استقرّ الخاتم.
سكونٌ قصير.
ثم امتدّت يدها نحوه.