🖤الفصل التاسع: ربما كان وداع
وقفت ليلى مكانها للحظات طويلة بعد خروجه، كأن الزمن توقف داخل الغرفة، وكأن صوته ما زال يتردد في الجدران. لم تتحرك فورًا، لكنها كانت تشعر بشيء يتشكل بداخلها، إحساس غريب بين الخوف والإصرار، وكأنها أدركت أن الوقوف هنا يعني خسارته للأبد. فجأة، تحركت، خرجت من الغرفة بسرعة، قلبها ينبض بقوة، وعيناها تبحثان عنه في الممر المظلم. كان قد ابتعد، لكن آثاره ما زالت قريبة… ذلك الشعور الذي يتركه خلفه، ثقل حضوره حتى وهو غير موجود.
في الخارج، كان الليل ساكنًا بشكل مريب، والشارع شبه فارغ، إلا من ظلال تتراقص تحت أضواء خافتة. لم تره في البداية، لكن حدسها قادها، حتى لمحته واقفًا عند نهاية الشارع، ظهره لها، كتفاه مشدودتان، وكأنه يحمل العالم كله فوقهما. توقفت للحظة، ترددت… ثم تقدمت نحوه ببطء.
"زين…" نادته بصوت أقل خوفًا هذه المرة، وأكثر تصميمًا.
لم يلتفت.
لكنها أكملت طريقها حتى أصبحت على بُعد خطوات قليلة منه.
"مش رح أتركك."
سكت للحظة، ثم ضحك ضحكة قصيرة، باردة:
"لسه ما فهمتي؟"
"فهمت." قالتها بثبات، "بس ما رح أمشي."
التفت أخيرًا، ونظر إليها بنظرة حادة، كأنه يقيس مدى صدقها، أو ربما يبحث عن سبب ليبعدها… لكنه لم يجد.
"اللي جاي… مش إلك."
اقتربت خطوة أخرى:
"ويمكن إلك أنت كمان أكثر من اللازم."
تغير شيء في ملامحه، شيء صغير، بالكاد يُرى… لكنه لم يختفِ.
"في ناس…" بدأ كلامه ثم سكت، وكأنه تراجع، لكنه أكمل بصوت منخفض، "في ناس لازم تدفع."
"مين؟"
نظر إليها طويلاً، ثم قال:
"اللي خلّوا كل شي ينهار."
ساد صمت ثقيل بينهما، قبل أن تضيف ليلى:
"وإذا خسرت نفسك بالطريق؟"
هذه المرة… لم يجاوب فورًا.
نظر بعيدًا، نحو الظلام الممتد أمامه، ثم قال بهدوء مرعب:
"يمكن… هذا الثمن."
شعرت ليلى أن الكلمات لم تكن تهديدًا… بل حقيقة.
اقتربت أكثر، حتى أصبحت أمامه مباشرة:
"وأنا؟"
رفع نظره إليها، لأول مرة بدون حواجز واضحة:
"لهيك لازم تبعدي."
هزت رأسها ببطء:
"متأخر."
تجمد للحظة… كأن الكلمة أصابته في مكان لم يكن يتوقعه.
وفي تلك اللحظة تحديدًا—
صوت سيارة توقف فجأة عند طرف الشارع قطع الصمت.
نظر زين بسرعة نحو الصوت، عيونه عادت تتوتر، جسده شدّ بالكامل، وكأن كل حواسه استيقظت دفعة واحدة.
"ارجعي لورا." قالها فورًا.
لكن ليلى لم تتحرك.
باب السيارة انفتح ببطء…
وخرج منه شخص.
ملامحه لم تكن واضحة تحت الظلام، لكن وجوده وحده كان كافيًا ليغيّر كل شيء.
همس زين بصوت منخفض، مليء بالغضب:
"وصلوا أسرع مما توقعت…"
نظرت ليلى إليه بقلق:
"مين هدول؟"
لكن زين لم يجب…
فقط تقدّم خطوة للأمام.
وكأن المواجهة… بدأت الآن. 🔥