الفصل الرابع عشر
ساد هدوء ما قبل العاصفة في أرجاء الفيلا، سديم كانت واقفة ورا الستارة، وقلبها يضرب في صدرها مثل الطبل. شافت أبوها، عبدالعزيز، يدخل البيت بخطوات ثقيلة ووجهه شاحب تحت أضواء الممر. الشخص الغريب اللي كان معه اختفى في الظلام بلمح البصر، كأنه سراب.
سديم سحبت جلال صلاتها ولفته على راسها بضيق، وقررت تنزل لازم تواجه الحقيقة، الهروب ما عاد ينفع والملف اللي في علبة البخور صار يحرق تفكيرها.
نزلت الدرج ببطء، وشافت أبوها جالس في الصالة الكبيرة، المصباح الصغير كان هو الإضاءة الوحيدة. كان حاط راسه بين يدينه، والسبحة طايحة على السجاد.. منظر يكسر الخاطر لو ما كانت تدري وش المخبى.
سديم (بصوت هادي ومجروح):
يبه؟ بدري راجع.. عسى ما شر؟
فز عبدالعزيز ورفع راسه بصدمة، حاول يرسم ابتسامة باهتة بس عيونه كانت غارقة في الهم:
سديم؟ وش مصحيك يا بنتي؟ الساعة ثنتين.. اطلعي ارتاحي وراكِ دوام.
سديم مشت بخطوات ثابتة وجلست قدامه، ونظرتها كانت "تفتش" في ملامحه:
الدوام يهون يا يبه.. بس اللي ما يهون هو اللي شفته في الشركة الليلة. الملف 1411.. وتاريخ ميلادي اللي صار "كود" لمراقبة عزام. وش قصته يا يبه؟
تجمد عبدالعزيز في مكانه، وبدأت يدينه ترجف بشكل ملحوظ. حاول يصرف نظره عنها:
ملف وشو؟ سديم أنتِ تعبانة من البر.. روحي نامي ولا تتوهمين أشياء ماله داعي.
سديم (بحرقة وصوت واطي عشان أمها ما تصحى):
لا تلبس القناع يا يبه! عزام الحين مطارد في الشوارع بسببي وبسبب خالد.. وبسبب "شركتك" اللي طلعت واجهة لناس ما ترحم. مين اللي كان معك عند الباب؟ وليه عزام صار هو "الهدف"؟
عبدالعزيز وقف فجأة وهو يصارخ بهمس:
سديم! انطمي ولا كلمة زيادة! أنتِ ما تدرين عن النار اللي أنا جالس أطفيها بيدي عشان أحميكم! عزام ضابط ويدبر نفسه، بس أنتم.. أنتم لو عرفوا "العقرب" إنك فكيتي التشفير، والله ما يشرق عليكِ شمس بكره!
سديم وقفت بوقار وشموخ يشبه شموخ عزام:
العقرب؟ هذا هو الاسم اللي كان يتردد في الملفات.. يعني أنت تدري. يعني أنت اللي سمحت لهم يزرعون أجهزة تجسس في سيارة ولد صديقك؟ ولد اللواء سعود اللي كنت تقول إنه أخوك؟
طاح عبدالعزيز على الكرسي وانفجر بالبكى.. بكاء رجل انكسر قدام بنته:
يا بنتي.. مهدديني فيكم. منصور (عم عزام) هو اللي جرني لهالطريق.. هو اللي قال لي إن الموضوع تجارة بسيطة، وما دريت إلا وأنا غرقان في دم وأسرار دولة. عزام صار "خطر" عليهم لأنه بدأ ينبش في ملفات قديمة تخص أبوه.. وأنا مأمور إني أسلمه لهم.
سديم غطت فمها بيدها بصدمة.. "العم منصور"؟ الشخص اللي كان يقهوي عزام في البر ويضحك معه، هو اللي يخطط لتصفيته؟
سديم بمرارة:
يبه.. أنا أرسلت الملف لعزام. وهو الحين معه كل الأدلة. إذا تبي تكفر عن اللي سويته، ساعدني نوصل له قبل ما يوصلون له هم.
[في مكان مجهول - أطراف الرياض]
سيارة عزام كانت متوقفة في "برحة" مظلمة خلف مستودعات مهجورة. الأنوار طافية، وعزام جالس ورا المقود، جبهته تسيل منها دم بسيط من أثر المطاردة، وبيده جواله يراقب "إشارة" معينة.
سمع صوت "تطليق" سلاح وراه مباشرة.
صوت مألوف وبارد:
عزام.. انزل من السيارة بهدوء، وحط يدينك ورا راسك. ما كنت أبيها تنتهي كذا يا ولدي.
عزام غمض عيونه بوجع، ونزل من السيارة ببطء وهو يلتفت. تحت ضوء القمر الباهت، كان واقف عمه منصور.. وبيده مسدس كاتم للصوت.
عزام (بابتسامة سخرية):
كنت شاك فيك يا عمي.. بس قلبي كان يكذبني. ريحة بخورك اللي في المجلس، هي نفسها اللي كانت في الملفات المشفرة. بعت أخوك.. والحين تبي تبيعني؟
منصور (بعيون قاسية):
أبوك كان "مثالي" زيادة عن اللزوم، والمثالية في زماننا تقتل. سلمني الفلاش اللي خذته من سديم، وأوعدك أخليك تسافر وتعيش بعيد.. ولا تضطرني أسوي شي أندم عليه.
عزام ضحك بصوت رجولي واثق:
الفلاش مو معي يا عم منصور.. الفلاش في أمان، وسديم الحين كشفتكم للعالم كله. تظن إنك تقدر تغطي الشمس بمنخل؟
في هاللحظة، رن جوال منصور.. كان الاتصال من "رئيس العمليات".
منصور رد بلهفة:
نعم؟
الصوت من الجهة الثانية:
انسحب فوراً! البنت بثت الملف "لايف" (بث مباشر) على حساباتها الرسمية! كل الرياض الحين قاعدة تقرأ أسماءكم!
منصور طالع في عزام برعب.. عزام ابتسم له:
قلت لك يا عمي.. سديم مهندسة شاطرة، وما تعرف تسكت على الغلط.