الفصل الثالث عشر
ساد صمت مرعب في المكتب، وما كان يُسمع إلا صوت "المراوح" حق أجهزة السيرفرات وهي تشتغل بانتظام بارد. عزام كان واقف عند الباب، ملامحه الحادة تحت إضاءة الشاشات الزرقاء كانت تشبه التماثيل، وعيونه العسلية اللي كانت قبل شوي تلمع بحنان في البر، الحين صارت قطع جمر.
خالد وقف بضعف ويدينه ترجف:
عزام.. اسمعني، والله العظيم السالفة مو مثل ما أنت فاهم.. إحنا جينا هنا عشان..
قاطعه عزام بصوت واطي بس فيه "بحة" تخوف:
جيتوا عشان تكملون اختراق سيارتي؟ ولا عشان تشفرون باقي تحركاتي وترسلونها للي مشغلكم؟ خالد.. أنا وثقت فيك، أكلت في بيتكم، اعتبرتك أخوي!
سديم ما قدرت تتحمل، انفجرت بالبكى وهي جالسة على كرسيها، غطت وجهها بيدينها وصوت شهقاتها قطع قلب السكون اللي في المكان.
سديم بصوت مخنوق:
والله يا عزام ما ندري.. الملف وصل باسمي، وكود التشفير هو تاريخ ميلادي.. أنا المهندسة اللي بنوا فوق اسمها "قذارتهم"! شوف الشاشة.. شوف وش قاعدين يسوون فينا!
عزام تقدم خطوات بطيئة، وصوت حذاءه العسكري كان يضرب في قلب سديم. وقف وراها مباشرة، وانحنى ببطء لين صار قريب من كتفها، مد يده الطويلة وسحب الماوس وبدأ يقلب في الملفات بسرعة واحترافية.
سديم حست بحرارة أنفاسه وقربه، وريحة عطره اللي اختلطت بريحة "توتر" المكان.. كانت ميتة من الحيا والخوف في نفس الوقت.
عزام (بصوت هادي ومرعب):
خالد.. اطلبي من أختك تفتح ملف "الصندوق الأسود".. الحين.
سديم بدأت أصابعها تطقطق على الكيبورد بدموعها، فتحت الملف وطلعت "صور" وتسجيلات.. الصدمة كانت إن الصور لـ عزام وهو في المكتب، وعزام وهو يقهوي عمه منصور، وصورة لعزام وهو واقف يكلم سديم عند السيارة في المخيم!
عزام انقبض فكه، وعروق رقبة برزت:
يعني كانوا معنا في المخيم.. كانوا يصورونا وحنا نضحك.
خالد طاح على الكرسي ومسح وجهه:
عزام.. أبوي مهدد، والشركة هذي واجهة لشيء أكبر منا ومنك.. أنا كنت أحاول أحمي سديم، والله العظيم مالي دخل فيهم.
عزام التفت لخالد ونظرة "الخيبة" كانت توجع:
تحميها وتجيبها لمقر الشركة في نص الليل؟ لو داهمتكم القوة الحين وش كان عذرك؟ خيانة عظمى يا خالد!
سديم التفتت له وعيونها السوداء غارقة بالدموع، ومسكت طرف فروته السوداء بضعف:
عزام.. تكفى صدقنا.. أنا فكيت التشفير عشان أعرف مين اللي يراقبك.. أنا مستحيل أضرك.. أنت.. أنت تدري معزتك عندنا وش هي.
عزام نزل عينه ليدها الصغيرة اللي ماسكه فروته، وهدأ روعه شوي بس ملامحه لسه قاسية. سحب كرسي وجلس قدامها، وصار وجهه مقابل وجهها تماماً.
عزام:
سديم.. طالعي في عيني.
رفعت سديم عينها بحيا وألم، والتقت نظراتهم في لحظة "صدق" خالية من أي تمثيل.
عزام:
أنا بصدقك.. مو عشان أخوك، ولا عشان عمتي منيرة.. بصدقك لأن عيونك ما تعرف تكذب. بس الحين.. أنتم تحت حمايتي "غير الرسمية". الملف هذا لازم يختفي من سيرفر الشركة، وينتقل لجهازي الخاص.. والحين تطلعون من هنا كأن شيئاً لم يكن.
خالد (بأمل):
يعني بتساعدنا؟
عزام وقف ومسح وجهه بضيق:
بساعد نفسي وأهلي قبل ما أساعدكم.. بس اسمع يا خالد، كلمة وحدة لأبوك أو لأي أحد بالشركة، وأنا اللي بيدي ب كلبشكم.. فاهم؟
خالد هز راسه بسرعة:
فاهم.. والله فاهم.
سديم بدأت تنقل الملفات وهي ترجف، وعزام واقف وراها يراقب الشاشة ويراقب "الممر" بره.. كان يحس إن فيه "عين" لسه تراقبهم من زوايا المبنى المظلمة.
عزام همس لسديم:
خلصي بسرعة يا سديم.. المكان صار "يغلي".
سديم سحبت الفلاش ميموري بيد ترجف ومسحت أثر دخولها للسيرفر بضغطة زر أخيرة. التفتت لعزام ولقت وجهه مشدود وعيونه تراقب "انعكاس" الممر على القزاز المظلل.
عزام (بهمس حاد):
خالد.. خذ أختك واطلعوا من درج الطوارئ، لا تستخدمون المصعد.. المصاعد مراقبة من "الغرفة 404" في القبو.
سديم بوفاء وعينها غارقة بالدموع:
وأنت يا عزام؟ ما نتركك هنا لحالك!
عزام التفت لها ونظرته كانت "طمنيني بسلامتك وأنا بخير".. مد يده وعدل طرف طرحتها اللي سقطت على كتفها بحركة سريعة ورسمية:
أنا بطلع من البوابة الرئيسية عشان ألفت الانتباه.. سديم، الفلاش هذا فيه روحك وروح أخوك.. لا يضيع منك!
سديم هزت رأسها وهي تحس بقلبها بيطلع من مكانه، ومشت ورا خالد اللي كان يركض بصمت تجاه باب الطوارئ.
[في درج الطوارئ - ظلام وسكون]
الدرج كان طويل وبارد، وصوت خطوات سديم وخالد كان يتردد مثل الطبول. وصلوا للدور الأرضي، وفتح خالد الباب ببطء.. وفجأة، شاف "ضوء كشاف" يمسح الممر الخارجي للمواقف.
خالد (بهمس مرعوب):
سديم.. فيه حراسة زيادة! هذي مو حراسة الشركة، هذولي لابسين بدلات سوداء وسماعات.. هذولي "العقرب"!
سديم انقبض قلبها:
طيب وعزام؟ وين سيارته؟
في هاللحظة، سمعوا صوت "تفحيط" قوي وصوت مكينة الـ "جي إكس آر" حقت عزام وهي تنطلق من البوابة الرئيسية بسرعة جنونية، وسيارات جيب سوداء طارت وراه. عزام كان يسوي "تمويه" عشان يفتح لهم الطريق.
خالد:
الحين يا سديم! اركضي للسيارة!
ركضوا في المواقف المظلمة، وركبوا سيارة خالد وحركوا بهدوء وبدون أنوار لين طلعوا للشارع الرئيسي. سديم كانت تطالع وراها وتدعي: "يا رب احمي عزام.. يا رب لا تخليهم يمسكونه."
[في شوارع الرياض - مطاردة الموت]
عزام كان يسوق ببراعة خرافية، يدخل بين الحارات الضيقة ويطلع للدائري، والسيارات السوداء وراه مثل الظلال. كان يبي يبعدهم عن منطقة الشركة تماماً.
سحب جواله "المشفر" واتصل على رقم سديم.
ردت سديم بلهفة:
عزام! أنت بخير؟ وينك؟
عزام وصوت الهوا وصوت المحرك عالي:
سديم.. اسمعيني زين ولا تقاطعين. روحي لبيتكم، ادخلي غرفتك ولا تطلعين منها.. الفلاش خبّيه في مكان محد يتوقعه.. بكره الصبح بمركم، وإذا ما جيت.. اتصلي على الرقم اللي سجلته في جوالك باسم (المكتب).
سديم بانهيار:
ليش تقول كذا؟ عزام تكفى ارجع!
عزام (بصوت هادي رغم الخطر):
سديم.. استودعتك الله الذي لا تضيع ودائعه. قفلي الجوال الحين.
انقطع الخط، وسديم انهارت في المقعد وهي تبكي وتناظر الفلاش اللي بيدها.. كأنه جمرة تحرقها.
[بيت سديم - الساعة 12:30 ليلاً]
وصلوا للبيت ودخلوا كأنهم لصوص. سديم راحت لغرفتها، وقفلت الباب بالمفتاح. كانت تدور مكان تخبي فيه الفلاش.. طالعت في "علبة بخور" قديمة جابتها من الثمامة، حطت الفلاش داخلها ووسط البخور وغلفتها زين وحطتها في زاوية الدرج.
انسدحت على سريرها وهي لسه بعبايتها، تطالع في السقف وتتخيل عزام في وسط هالمطاردة.. وش ذنبه؟ ليش تورط معهم؟ وهل عمه منصور يدري باللي يصير؟
فجأة، سمعت صوت "حركة" تحت الشباك.. قامت ببطء وطالعت من ورا الستارة، ولقت سيارة سوداء واقفة قدام باب بيتهم.. ونزل منها واحد، لابس بشت وفخامة.. كان أبوها (عبدالعزيز) ومعه واحد غريب يهمس في أذنه.
سديم شهقت: "يبه؟ وش تسوي بهالوقت؟ ومين هذا اللي معك؟"
حست إن البيت اللي كانت تحسبه أمان، صار هو "عش العقارب" الحقيقي.