الفصل الثاني عشر
الساعة كانت أربع الفجر والبرد وصل ذروته لدرجة إن الندى غطى قزاز السيارات وصار الهوا يجرح الوجه من برودته.. سديم قامت من خيمتها بهدوء لافة فروتها عليها تبي تتوضأ لصلاة الفجر قبل الزحمة.
شافت ضو خفيف عند الوجار.. مشت بخطوات هادية ولقت عزّام جالس لحاله يقلب الجمر بعود صغير وعينه شاردة في النار.. المنظر كان فيه هيبة ووقار غريب وسط هدوء البر.
سديم بصوت واطي ومبحوح من البرد:
السلام عليكم.. صباح الخير.
عزّام التفت لها بسرعة ووقف بوقار المعتاد:
وعليكم السلام.. صباح النور يا سديم. عسى ما شر؟ بدري صاحية والبرد قارس.
سديم وهي تحاول تدفي يدينها:
أبد.. الوضوء والصلاة، والجو صراحة ما يتفوت رغم برودته.. أنت ما نمت؟
عزّام هز راسه بنفي خفيف:
تعودت على السهر في المناوبات.. والبر له طعم ثاني في هالوقت، يخلي الواحد يراجع حساباته.
سديم وقفت بعيد شوي بذرابة وقالت:
فعلاً.. الرياض وزحمتها تنسينا أنفسنا.. الله يديم هالهدوء.
عزّام طالع في الأفق البعيد وقال بنبرة غامضة:
الهدوء هذا أحياناً يكون "خداع" يا سديم.. الواحد لازم يستمتع باللحظة قبل ما تبدأ المشاغل والمسؤوليات.
سديم استغربت نبرته بس ما حبت تسأل زيادة.. استأذنت وراحت تتوضأ، وعزّام كمل وقوفه وهو يحس بمسؤولية كبيرة تجاه هالعوائل اللي يضحكون وما يدرون وش اللي يطبخ لهم في الخفاء.
[وقت الرحيل - الضحى]
بدأوا العمال والشباب يطوون الخيام ويحملون العزبة في السيارات.. نايف كان "المشرف" على التحميل وصوته واصل لآخر الدنيا.
نايف وهو شايل كرتون موية:
يا عيال شدوا الحيل! نبي نوصل الرياض قبل الزحمة.. خالد، وين مفتاح سيارتك؟ لا تقولي ضاع في الرمل ونقعد نحفر للظهر!
خالد وهو يدور في جيوبه بتوتر:
لا موجود.. بس مدري وش فيني أحس بصدع.. نايف، تكفى خلنا نخلص بسرعة.
سديم كانت واقفة مع ليان وسارة يودعون المكان بصور أخيرة.. ليان كانت تضحك وتستهبل:
سديم.. شوفي وجهك في الصورة، كأنك طالعة من فيلم رعب من كثر البرد!
سديم (تضحك):
أحسن من وجهك اللي كأنه حبة بطاطس مهروسة! يالله اركبوا السيارة أمي تنادينا.
[لحظة الوداع الرسمية]
عزّام وقف عند سيارة أبو سديم يسلم عليه بتقدير:
عمي عبدالعزيز.. تامر على شيء؟ تبي أوصلكم للبيت؟
أبو سديم بابتسامة متكلفة:
تسلم يا ولدي ما تقصر.. عزّام، انتبه لنفسك في الشغل.. الدنيا هالأيام تخوف.
عزّام حس بلمحة خوف في عيون عمه بس ملامحه ما تغيرت:
أبشر يا عمي.. الأمان بالله، وحنا موجودين.
سديم ركبت السيارة ومرت من جنب عزّام.. رفعت عينها بلمحة سريعة وشافته واقف مثل الجبل يودعهم.. حست بضيق مفاجئ في صدرها وكأنها ما تبيه يغيب عن عينها.
[في الطريق للرياض - نقطة التحول]
خالد كان يسوق سيارة سديم وأمه وخواته.. فجأة وصله تنبيه على شاشة السيارة (بلوتوث).. رسالة نصية طلعت قدام الكل:
"الملف 1411 تم تشفيره بنجاح.. موعدنا الليلة في الشركة يا خالد."
سديم شافت الرسالة وتجمدت في مكانها.. طالعت في خالد ولقت وجهه صار أصفر كأنه ميت.
سديم بهمس:
خالد.. وش ذا الملف؟ وليش اسمي في الكود؟
خالد بلع ريقه وحاول يصرف:
أبد.. هذي إيميلات الشغل، لا تشغلين بالك.. يالله يا يمه قربنا نوصل.
سديم عرفت إن فيه مصيبة.. والهدوء اللي كان في الثمامة انتهى رسمياً عند لوحة "مرحباً بكم في الرياض".
على طريق الرياض والسكن يلف المواتر والجو بدا يقلب من براد البر لزحمة الشوارع والأنوار اللي تعمي العيون كان عزام يسوق سيارته الـ "جي إكس آر" السوداء ويمشي خلف سيارة خالد بمسافة أمان بس عينه ما فارقتهم.. حس إن فيه شي غلط.. طريقة سواقة خالد مهتزة وسرعته تزيد وتنقص بدون سبب.
[داخل سيارة خالد]
سديم كانت منزلة راسها وتطالع في الشاشة اللي قدامها والرسالة لسه معلقة.. قلبها يدق لدرجة إنها تحس عروق رقبتها بتنفجر.
خالد.. وش دخلني أنا في ملفات تشفيركم؟ وليش الرقم 1411؟ هذا تاريخ ميلادي بالهجري يا خالد!
خالد شد على الدركسون لين بيضت مفاصيله ونبرة صوته كانت مرعوبة:
سديم.. انطمي الحين! أمي وراكِ لا تروعينها.. إذا وصلنا البيت وتطمنا عليهم ننزل للشركة ونفهم وش السالفة.. بس تكفين لا تجيبين طاري قدام أبوي.
سديم لفت وجها للدريشة وشافت في المراية الجانبية سيارة عزام.. ملامحه من بعيد كانت حادة ونظراته من ورا القزاز المضلل كأنها تخترق سيارتهم.. حسّت بأمان غريب رغم إنها تدري إنه لو عرف الحقيقة يمكن يكون هو أول واحد يكلبش يدين أخوها.
[عند بوابة بيت سديم - حي النخيل]
وصلوا ونزلوا العزبة بسرعة والكل كان تعبان ويبي النوم.. أم سديم (منيرة) كانت توصي سديم:
يمه سديم.. ادخلي ارتاحي وبكره وراكِ دوام.. والقهوة اللي بقت في الدلة عطيها السواق.
سديم (بصوت يرجف):
أبشري يمه.. بس بمر الشركة مع خالد، نسينا غرض ضروري هناك ولازم نسلمه قبل الصبح.
في هالحظة وقف عزام سيارته ونزل بوقار وهيبة.. عدل شماغه وتقدم يمهم وصوته كان فيه "نبرة استجواب" مغلفة بذرابة:
خالد.. عسى ما شر؟ شفتك في الطريق مشوش.. السيارة فيها بلا؟
خالد حاول يبتسم بس ملامحه خانته:
لا يا عزام.. بس تعرف تعب البر والخط.. ومضطرين نمر الشركة الحين فيه شغلة بسيطة ونرجع.
عزام نقل نظره لسديم.. شاف وجهها الشاحب وعيونها اللي تهرب من عينه.. سديم بطبيعتها "كتاب مفتوح" والارتباك اللي فيها كان يقول مصيبة.
عزام (بصوت هادي):
الشركة في هالوقت؟ الساعة عشر يا خالد.. والمنطقة هناك مقطوعة.. تبون أمر معكم؟
سديم (بسرعة وحيا):
لا لا.. ما يحتاج يا عزام.. تعبناك معنا في المخيم، رح ارتاح وأهلك ينتظرونك.
عزام سكت ثواني.. ونظراته كانت "تحاكم" صمتهم.. أومأ براسه ببرود:
على خير.. انتبهوا لنفسكم.. والرياض هالحزة ما ترحم.
ركب عزام سيارته وحرك.. بس ما راح لبيتهم.. لف مع أول دوار ورجع وقف في زاوية مظلمة يراقب سيارة خالد وهي تطلع من الحارة باتجاه طريق الملك فهد.
[في مقر الشركة - الساعة 11 ليلًا]
المبنى كان عبارة عن برج زجاجي يلمع وسط الظلام.. السكون فيه يخرع.. دخل خالد وسديم ببطاقاتهم التعريفية والمكان كان خالي إلا من موظف أمن واحد.
خالد وهو يهمس في المصعد:
سديم.. ادخلي على السيرفر الرئيسي وفكي الملف.. نبي نعرف مين اللي يتلاعب باسمك وباسمي قبل ما يطيح الفاس بالراس.
دخلوا المكتب.. سديم جلست ورا أجهزتها الثلاثة وبدأت أصابعها "الناعمة" تطقطق بسرعة خرافية على الكيبورد.. وجهها كان تحت إضاءة الشاشة يبين بياضه الناصع وتركيزها العالي.
سديم بذهول:
خالد.. الملف هذا مو تشفير عادي.. هذا "نظام مراقبة" مخفي ومرتبط بكاميرات سرية في بيتنا وفي سيارة عزام!
خالد طاح على الكرسي:
وش تقولين؟ سيارة عزام؟ يعني هم يراقبونه عن طريقنا؟
وفجأة.. طفت أنوار المكتب كلها.. وما بقى إلا إضاءة الشاشات الزرقاء.. وصوت "خطوات" حذاء عسكري ثقيل تقترب من الباب.
سديم مسكت يد خالد برعب:
خالد.. فيه أحد بره!
انفتح الباب ببطء.. وظهر ظل طويل وضخم.. سديم كانت بتصرخ بس وقفها صوت مألوف وبارد:
أدري إن الرياض ما ترحم.. بس ما توقعت إن الغدر يبدأ من "أقرب الناس".
كان عزام.. واقف ومعلق بطاقته العسكرية على صدره.. وعيونه فيها خيبة أمل وقسوة ما شفتها سديم من قبل.