الفصل 3
الفصل الثالث
( أخاف عليك من خوفي عليك – عمر أبو ريشة)
في الليلة التي تقضيها دانة في المستشفى، سيف في سيارته يهيم على وجهه في الشوارع بلا هدف، قلبه يعتصر ويتألم حتى من نبضه ،فتح زر ياقة ثوبه الذي شعر به يضيق عليه،تنهد ووضع يده على صدره يتحسس قلبه فشعر بالبطاقة التي أعطاه إياها الطبيب، أخرجها من جيب الثوب العلوي باستياء،ونظر إليها مستنكراً احتفاظه بها إلى الآن ، لم يستحمل وجودها فرماها في الشارع، رفض الاعتراف بأي معاناة نفسية من زوجته، فالأمر بالنسبة له لا يعدو كونه نوعا من "الدلع الماصخ".
تمنى أن يحضنها حينما دخل عليها الغرفة، أن يلثم كل كدمة ويمسح الدموع قبل أن تنزل، يعلم يقيناً أنها بكت بكاءاً حاراً بعد خروجه! ولكن غضبه عليها منعه من التعبير، استاء منها لأن الطبيب يعلم الآن أنها ليست سعيدة معه ، شيء ما في بعض الرجال يجعلهم يتيقنون إن رأوا نسائهم سعداء بأنهم السبب الأوحد في هذه السعادة، فتعد سعادة نساؤهم مدحاً فيهم! أما إن كانت نساؤهم تعيسات فإن ذلك يعيب رجولتهم ويغضبهم ! وقد غضب منها أيضاً لأنها آذت نفسها وهي تعلم أنها غالية عليه فكأنما هي آذته هو ويجب عليها الاعتذار، لسان حاله يقول " تلك المجنونة، كيف تتجرأ وتؤذي نفسها وهي تعلم أنني أخاف عليها من كل شيء، أخشى عليها من العمل و التعامل مع أناس لا أعرفهم، أخشى أن تحمل فتتعبها أعباء الحمل و الأمومة، أخاف عليها من نفسي أكثر الأحيان فأبتعد لأنني أعلم أن قربي قد يكشف لها جوانب عدة من شخصيتي التي لاتعرفها و لا أريدها أن تضطر للتعامل معها، كيف تصاب بالاكتئاب لمجرد أنني لا أفعل ما يفعله الأزواج الخائنون الذين يخدعون زوجاتهم بالتمثيل و معسول الكلام و"الطلعات" و الهدايا خوف أن يكتشفن شيئاً عن النساء الأخريات في حياة أزواجهن!"
أخـاف عليك أن أطوي كتابي
وأقرأ مــا بـه في مقلتيك
فكم من لهفـــة أودعـت فيهــا
ولم أهمس بهـــا في مسمعيك
تقاسمني الرضا والسخط لما
نفضت زمــــام أمري من يديك
أراك على دروب الشوك حيرى
فكيف تـرى انتهت منـّي إليــك
ليحزننـي اكتئابـك ..لا تطلــِّي
عليَّ بما تبقـــى لي .. لديك ..!
دعي ماضيَّ يطويني .. فإني ..
أخاف عليك .. من خوفي عليك
(عمر أبو ريشة)
في جانب آخر من المستشفى، شخص منذ أٌدخلت دانة للغرفة وهو باق في الدور الذي هي فيه، الرابع، ألغى انشغالاته و فرغ نفسه للمكوث هناك، فلا يفعل شيئاً سوى مراقبة الغرفة، لا يبتعد إلا إذا أراد أن يدخّن سيجارة فيذهب لمخرج الحريق أو الدرج.
الساعة الواحدة صباحاً، المستشفى هادئ والغرف لا يكاد يُسمع منها إلا أنين بعض المرضى الذين لم يتمكنوا من النوم، دانة مستغرقة في النوم، دخل غرفتها بهدوء دون أن تنتبه له الممرضات.
نظر إليها وهي نائمة ، أطال النظر وهو يحدثها في سره " ملااااك يادانة، رغم كل هالضربات بس بعد حلوة، أوعدج نرجع لبعض"، نزلت من عينيه دمعة حارقة مسحها سريعاً و أخرج من جيبه شيئاً دسّه في حقيبة يدها، ثم أخرج هاتفه الجوال ليستخدم الكاميرا في التقاط صورة لها، اقترب منها، صورها " آه يا دانة، هذي آخرتها.. تحاولين تنتحرين! حسبي الله على سيفوه الحرامي اللي باقج مني، كله منه، أنا أراويج فيه، والله ماخليه"..اقترب منها أكثر حاول أن يلمسها ولكن قربه منها أشعرها بحركة غير طبيعية في الغرفة فتحركت وخرج مسرعاً فلم تتمكن من رؤيته ،صرخت وضغطت على جهاز نداء الممرضات فأتين مهرولات إذ سمعن صوت خطواته المتسارعة ولكنه خرج بسرعة ثم توارى عن الأنظار، ظنت دانة أن مارأته قد يكون من الجن أو ربما من محض خيالها فتناست الأمر.
صباح اليوم التالي خرجت دانة من المستشفى، عاد بها السائق إلى المنزل امرأة أخرى، امرأة لا تسلم قلبها العاشق زمام الأمور كلها، امرأة توزع الحب الذي في داخلها على ما حولها ولا تخنق نفسها أو زوجها باستنزاف معظم طاقتها في تحقيق هدف واحد ثم استنزاف بقية الطاقة في النحيب انتظاراً للمقابل، امرأة لا تمحور حياتها كلها حول شيء واحد: "الرَيِل".
أثناء الطريق للمنزل أخذت تبحث في حقيبة يدها عن هاتفها الجوال لتكلم أمها، وبينما هي تبحث وجدت صورة فوتوغرافية قديمة، استغربت وجودها ،مزقتها وهي تتساءل عن كيفية وصولها لحقيبتها، انشغل بالها فقد ظنت أنها قد مزقت كل الصور التي سببت المشاكل، قالت في نفسها لعلها مزحة ثقيلة من شخص يريد أن يذكرني بالخلاف التي حدث بين أمي وخالتي شريفة منذ خمس سنوات، تؤلمها القطيعة المرة بين أمها وخالتها بعد أن كانتا مثالاً رائعاً للأختين الصديقتين، أمها لازالت تعاني فراق أختها التي رفضت أي محاولة للصلح، لعل من وضع هذه الصورة يلومني في تفرقتهما،أنا مع أمي لأن الحق معها، أما خالتي رغم أنها الأخت الكبرى إلا أن عقلها صغير وقلبها عباية كريب سعودي ممتاز/ درجة أولى (أسود جداً).
فور وصولها للبيت اتصل سيف على غير عادته ليخبرها بأنه سيتأخر في العمل إلى الليل، حاولت أن لا تفرح كثيراً لاهتمامه بإعلامها كي لا تحزن إن عاد لما كان عليه؛ وهذا ما سيحدث بعد أن تخبو فورة التعاطف عاجلاً أم آجلاً، كان ذلك الدرس الأول الذي لقنته لنفسها، أن لا تفرح ولا تحزن، وإنما تتقبل الأمور برضا وتتعامل مع المتغيرات بمرونة وتلقائية، فلا حزن يدوم ولا سرور، السعادة المفرطة كالتعاسة المفرطة،:مؤقتة.
(زوجة رجل مشغول)
بقلم/ *دانة*