لست وحدي
لم ينم حسام بعد استيقاظه… أو على الأقل، لم يجرؤ على ذلك.
جلس على حافة سريره، ظهره منحني، وعيناه مثبتتان على الدفتر المفتوح أمامه. الجملة الأخيرة لم تغادر ذهنه:
"واحد منهم… أنت."
قرأها مرة… مرتين… عشر مرات.
في كل مرة، كان ينتظر أن تتغير، أن تختفي، أن يكتشف أنها مجرد وهم… لكنها بقيت هناك، ثابتة، مكتوبة بخط يده.
"أنا؟"
همس بها، وكأنه يخاف أن يسمعها بصوت عالٍ.
حاول أن يقنع نفسه أن ما حدث مجرد حلم طويل، متداخل، أثر على عقله… لكن المشكلة أن التفاصيل كانت واضحة أكثر من اللازم. الوجوه، الأصوات، حتى الإحساس بملمس الأشياء… كل شيء كان حقيقيًا بشكل مخيف.
يمد يده ببطء نحو الدفتر، يقلب الصفحات السابقة. كل الملاحظات عن التحقيق، الأسماء، الأحداث… كلها مازالت هناك.
ليس هذا فقط…
بل بدأ يلاحظ شيئًا جديدًا.
بعض الجمل لم يتذكر قراءتها من قبل.
توقف عند سطر معين:
"الصحفي ليس أول واحد."
تجمد.
قلبه بدأ يخفق بسرعة.
"واش يعني… مشي الأول؟"
يمرر أصبعه على الجملة، يحاول تذكر متى كتبها… لكنه لا يجد أي إجابة.
وفجأة، يضربه إدراك بارد:
إذا كان الصحفي ليس الأول…
فهذا يعني أن هناك آخرين…
قبله.
يحاول النهوض، لكن رجليه تخونانه للحظة. يسند نفسه على الحائط، يتنفس بصعوبة، وكأن الأرض بدأت تميد من تحته.
ثم يرفع رأسه ببطء…
وينظر نحو المرآة.
انعكاسه يقف هناك.
لكن الإحساس الذي ضربه فجأة… كان كافيًا ليجمّد دمه:
كأنه لا ينظر لنفسه…
بل لشخص ينتظر دوره.
لحظات من التردد والخوف، يحاول حسام استعادة السيطرة على نفسه. يقف أمام المرآة، يحدّق في انعكاسه وكأنه يريد أن يتأكد أنه مازال هو… نفس الشخص. لكن داخله، كان كل شيء يهتز.
يقرر الخروج من البيت، ليس هروبًا… بل بحثًا عن تفسير. الشارع يبدو عاديًا، الناس تمشي، السيارات تمر، كل شيء طبيعي… إلا هو. عقله لا يتوقف عن إعادة تلك الصور، ذلك المكتب، ذلك الصوت، وتلك الجملة.
وبينما هو يمشي دون هدف واضح…
يتوقف فجأة.
سيارة شرطة تمر ببطء أمامه.
لكن الذي شلّ حركته… ليس السيارة، بل الإحساس الذي ضربه فجأة.
معرفة.
ليس مجرد رؤية… بل معرفة مسبقة.
يعرف هذا الشرطي.
يعرف اسمه.
يعرف صوته.
ويعرف… أنه مرتبط بالقضية.
يتسارع نبضه، وعيناه تلاحقان السيارة حتى تختفي. يحاول أن يفهم كيف عرف كل هذا، لكنه لا يجد جوابًا.
وفجأة—
تضربه ومضة قوية.
مكان مظلم.
ضوء أزرق وأحمر.
صوت جهاز لاسلكي.
ويد… تمسك مسدسًا.
يتجمد في مكانه، يمسك رأسه بقوة، كأن عقله على وشك الانفجار.
"لا… لا…"
لكن الصور تزداد وضوحًا، أسرع، أقرب…
وكأنها تحاول أن تسحبه داخلها.
ثم… كل شيء يختفي.
…
يفتح عينيه.
لكن هذه المرة—
ليس في الشارع.
بل داخل سيارة.
سيارة شرطة.
أنفاسه تتسارع، ينظر حوله بصدمة، يرى الزي الرسمي على جسده، جهاز اللاسلكي، السلاح… كل شيء.
يرفع يده ببطء…
ليتأكد.
نفس الشعور يعود.
نفس الرعب.
نفس الحقيقة المرعبة:
لم يعد الأمر مجرد ذكريات…
بل أصبح انتقالًا حقيقيًا.
والمرة هذه…
هو داخل جسد
لم يكن لديه وقت ليستوعب الصدمة.
صوت جهاز اللاسلكي ينفجر فجأة داخل السيارة:
"الوحدة 12… وصلنا بلاغ. الموقع قرب المستودع القديم. الحالة خطيرة."
يتجمد حسام لثانية… قبل أن يدرك شيئًا مرعبًا:
هذا الجسد يعرف ماذا يفعل.
يداه تتحركان بثبات، تشغلان السيارة، تضغطان على الدواسة، وكأن الخبرة مزروعة فيه. يحاول التدخل، يحاول إيقاف نفسه… لكنه مجرد متفرج داخل رأسه.
الطريق يمر بسرعة.
أضواء الشرطة تنعكس على الجدران.
وقلبه… يخفق بشكل جنوني.
"وش راه يصير…؟"
لكن لا أحد يجيب.
بعد دقائق، تتوقف السيارة أمام مكان مهجور.
مستودع قديم، باب حديدي نصف مفتوح، والظلام يبتلع ما بداخله.
ينزل.
كل خطوة نحو الداخل كانت ثقيلة… ليس على الجسد، بل عليه هو.
صوت قطرات ماء.
رائحة صدأ.
وإحساس… أن هناك شيئًا خطأ جدًا في الداخل.
يداه تمسكان المسدس.
يرفعه ببطء.
"شرطة… إذا كان كاين واحد هنا، اخرج!"
الصوت يخرج قويًا… واثقًا.
لكن داخله، كان ينهار.
يتقدم أكثر.
ثم يراها.
جثة.
مرمية على الأرض، نصفها في الظل.
يتجمد في مكانه.
أنفاسه تتقطع.
يحاول أن يشيح بنظره… لكنه لا يستطيع.
لأن هناك شيئًا جذب انتباهه.
شيء صغير… لكنه كافٍ ليكسر كل شيء.
علامة.
نفس الرمز… الذي رآه في الدفتر.
يتقدم خطوة، يحدق أكثر…
وقبل أن يستوعب—
تضربه ومضة عنيفة.
هذه المرة… ليست مجرد صورة.
بل إحساس.
هو هنا من قبل.
في نفس المكان.
أمام نفس الجثة.
لكن… ليس كشرطي.
بل… كشخص آخر.
يتراجع فجأة، قلبه يكاد يتوقف.
"لا… مستحيل…"
لكن الحقيقة بدأت تتشكل ببطء، وبشكل مرعب:
هذا المكان ليس جديدًا عليه…
وهذه الجريمة…
قد تكون مرتبطة به… أكثر مما يتخيل.
وقف حسام، داخل جسد الشرطي، أمام الجثة المتهاوية على الأرض، والضوء الخافت للمستودع يلقي ظلالًا طويلة على الحائط. تنفسه سريع ومتقطع، قلبه ينبض بقوة، لكن الشيء الذي جعله يرتجف حقًا… هو الشعور المألوف الذي اجتاحه فجأة. كل التفاصيل الصغيرة حوله كانت مألوفة، رغم أنه لم يسبق له أن زار هذا المكان، ولم يكن يعرف أي شيء عن هذه الجريمة.
أطرافه ترتجف وهو ينظر حوله. ثم يلمح رمزًا صغيرًا على الطاولة، محفورًا بدقة، خربشة شبه مخفية… شيء شاهده سابقًا في دفتره، بين ملاحظات الشخصيات الأخرى. يداه ترتفعان ببطء، يلمس الرمز، ويشعر بأن قلبه يكاد ينفجر. شعور غريب… شعور بأن هذا المكان ليس جديدًا عليه. وكأن جزءًا من ذاكرته موجود هنا… لكنه لم يعيه بعد.
يمد أصابعه نحو الجثة، يلمس الملابس، يراقب الزوايا، يلاحظ شيء في الظل. ضوء خافت يسلط على ورقة صغيرة ملقاة قرب الباب. ينحني، يلتقطها بيديه المرتجفتين… إنها صورة قديمة. وجوه مألوفة، عشر شخصيات، بعضهم مبتسم، البعض الآخر بملامح عادية، لكنها كلها مرتبطة بما شاهده في دفتره. قلبه يخفق بسرعة، عقلُه يصرخ داخله: "كلهم… مرتبطون."
يحاول الابتعاد، خطوة واحدة، لكنه يتجمد فجأة. الوعي يعود إليه تدريجيًا: كل هذه التفاصيل، الرموز، الصور، الملاحظات… ليست مجرد صدفة. شيء ما يربط بينه وبين هؤلاء الأشخاص، بينه وبين الجريمة. وكل حركة يخطوها الآن ستقوده إلى مواجهة الحقيقة المروعة، حقيقة لم يكن مستعدًا لها.
جهاز اللاسلكي يرن فجأة، الصوت ينفجر في صمت المستودع:
"الوحدة 12… المشتبه بهم هربوا… تحركوا بسرعة!"
يتنفس بصعوبة، يحاول أن يسيطر على جسده، لكن السيطرة ليست كاملة. يتحرك ببطء نحو الباب، كل خطوة تثقل على نفسه، كل خطوة تقترب به من ما يعرف أنه جزء من شبكة أكبر، شبكة مظلمة، مخفية… بداخله.
يدرك فجأة، بارتجاف داخلي، أن هذه ليست مجرد جريمة عادية. كل الرموز، كل الأشخاص، كل الأحداث… مرتبطة به مباشرة، ليس كمراقب، بل كعنصر أساسي. كل شيء حوله، كل وجه شاهده، كل اسم كتب في الدفتر، كل رمز… يقوده إلى حقيقة مرعبة واحدة: هو جزء من هذا الفساد والجريمة، أكثر مما يمكنه تصديقه.
يقف للحظة، يتنفس بصعوبة، ينظر حوله بعيون واسعة… وكل شيء يسكت، لكن داخله يعرف الحقيقة: كلهم مرتبطون، وهو… واحد منهم.