الشخص الاخر - بداية الشك | روايتك

اسم الرواية: الشخص الاخر
المؤلف / الكاتب: غير مححدد
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: بداية الشك

بداية الشك

استيقظ حسام من نومه وكأن جسده قد مرّ بساعات من الركض المستمر. عيناه ثقيلتان، قلبه ينبض بسرعة، وتنفسه متقطع، لكنه لم يسمع صوت أي كابوس أو حلم… كان مجرد إحساس بالضياع، إحساس بأن الليل كله لم يكن نومًا، بل رحلة كاملة إلى عالم آخر. جلس على حافة السرير، يضغط يديه على ركبتيه، يحاول أن يفهم ما حدث. كل جزء من جسده كان يشعر بثقل غريب، وكأن كل خلايا جسده احتفظت بذكريات لم يكن هو صاحبها. حاول تذكر يومه السابق: الطريق إلى العمل، رسائل الهاتف، كوب القهوة الذي اعتاد عليه… لكن كل شيء كان ضبابيًا، كما لو أن ذاكرته تعرضت لمحو مؤقت. ثم جاءت الومضات. لحظات خاطفة تظهر في ذهنه، صور وأصوات ومشاهد لا يعرفها. شارع ضيق، أبواب صدئة، أشخاص يمرون بسرعة دون أن يلتفتوا، ضحكات أو همسات لم يسمعها من قبل. كل هذه الصور كانت واضحة جدًا، لكنها ليست له. قلبه بدأ يخفق بقوة، يشعر برعشة تسري في كل جسده. حاول تجاهل الأمر، يغلق عينيه، يتنفس ببطء، لكنه لم يستطع. لأن هذه الصور كانت أكثر من مجرد ذكريات… كانت تشبه حياة عاشها شخص آخر، حياة ليست له، لكنها مزروعة داخل عقله وكأنها تحاول التسلل إلى داخله. كلما ركّز أكثر، شعرت هذه اللحظات بأنها حقيقية، حقيقية جدًا، لدرجة أنه بدأ يشك: هل أنا فعلاً من أنا؟ أم أن شيئًا آخر يسيطر عليّ؟ وبينما هو جالس على السرير، يتأمل يديه المرتعشتين، لمح شيئًا صغيرًا لكنه ملفت: خدش دقيق على ساعده، لم يكن موجودًا البارحة. وقف، اقترب من المرآة، حدق في انعكاسه، وببطء بدأ يرتجف. كل شيء كان كما هو، لكن داخله… كان كل شيء مختلفًا. لم يعرف كيف يفسر هذا الخدش، أو الصور التي تلاحقه، أو ذلك الإحساس بأن جزءًا من حياته قد اختفى في مكان ما، تاركًا له فراغًا غامضًا، ثقيلًا، ومخيفًا. كان يعلم شيئًا واحدًا فقط: أن هذه ليست بداية عادية ليوم جديد… بل بداية شيء أكبر، شيء لا يفهمه بعد، لكنه سيغير كل شيء يعرفه عن نفسه وعن العالم من حوله. لحظات من محاولته استيعاب ما يشعر به، يحاول حسام إقناع نفسه أن كل ما يحدث مجرد تعب أو ضغط نفسي، شيء عابر سينتهي مع الوقت. يتجه نحو الحمام ليغسل وجهه، لعل الماء البارد يعيد له توازنه، لكن إحساس الغرابة لا يفارقه. ينظر إلى انعكاسه في المرآة… يحدّق في عينيه طويلًا، وكأنه ينتظر أن يرى شيئًا مختلفًا. يمرر يده على وجهه ببطء، ثم يتوقف فجأة. الخدش. لم يكن صغيرًا كما ظن في البداية… بل أوضح، كأنه أثر حديث. يقرّب وجهه أكثر من المرآة، يلمسه بحذر، يشعر بوخز خفيف يؤكد أنه حقيقي. تتسارع أفكاره، يحاول أن يجد أي تفسير منطقي، أي لحظة يمكن أن يكون فيها قد تعرّض لإصابة… لكنه لا يجد شيئًا. يتراجع خطوة، قلبه يبدأ بالخفقان بشكل أسرع. "معقول ما نتفكر حتى حاجة؟" يهمس بها لنفسه، لكن صوته يحمل توترًا واضحًا هذه المرة. يحاول أن يهدأ، يقنع نفسه أنها مجرد تفاصيل صغيرة، لكن عقله يرفض ذلك. لأن الإحساس الذي يسكنه ليس عاديًا… بل عميق، ثقيل، وكأنه تحذير مبكر من شيء قادم. ثم، دون سابق إنذار… تعود الصور. لكن هذه المرة، أقوى. يرى نفسه—أو شخصًا آخر—يقف أمام باب حديدي قديم. يده ممدودة، تمسك بمفتاح. يسمع صوت احتكاك المعدن، صوت فتح بطيء، وصوت خطوات في الخلف. يتجمد في مكانه، يشعر وكأنه يعيش اللحظة فعلًا، ليس مجرد تذكر… بل إعادة تجربة. يفتح عينيه فجأة. يتنفس بسرعة. "هذا… مش طبيعي." يتراجع حتى يصطدم بالحائط، يحاول الهروب من تلك الصور، لكنها لا تختفي بسهولة. بل تترك وراءها شعورًا أوضح: هذا المكان موجود… وهذا المشهد حقيقي. يبقى واقفًا لثوانٍ، يفكر. ثم، وببطء… يتحول الخوف إلى فضول. إذا كانت هذه الذكريات حقيقية… فلا بد أن هذا المكان حقيقي أيضًا. يلبس بسرعة، دون تفكير كبير، وكأن شيئًا داخله يدفعه. يحاول تجاهل التوتر، يخرج من البيت بخطوات مترددة، لكن عقله بدأ يركّز على شيء واحد فقط: ذلك الباب. وذلك المكان… الذي لم يره في حياته، ومع ذلك… يعرف تمامًا كيف يصل إليه. في تلك الليلة، يحاول حسام أن يبقى مستيقظًا بأي طريقة، وكأنه يخاف مما قد يحدث إذا أغلق عينيه. يجلس على سريره، الدفتر بجانبه، يراقب كل تفصيلة حوله، يحاول أن يتمسك بالواقع… لكن التعب ينتصر في النهاية. تثقل عيناه… وتغلق. … يفتحهما من جديد. لكن… ليس في غرفته. الضوء مختلف، أبيض وقاسٍ، وصوت لوحة مفاتيح يُكسر الصمت. يجلس على كرسي أمام مكتب مليء بالأوراق، شاشة حاسوب مفتوحة على ملف مكتوب فيه عنوان تحقيق. يتجمد في مكانه، لا يتحرك، فقط يراقب. قلبه ينبض بسرعة. يحاول أن يتكلم… فيسمع صوتًا ليس صوته. ينظر إلى يديه. ليستا يديه. يمررهما ببطء على وجهه، ملامسًا ملامح لا يعرفها، جلد مختلف، شكل مختلف… إحساس غريب بأنه داخل جسد شخص آخر، لكنه واعٍ بكل شيء. يقف فجأة، يتجه نحو المرآة القريبة. ينظر. رجل آخر. ليس هو. يتراجع خطوة، يكاد يسقط من شدة الصدمة. يحاول الصراخ، لكن الصوت يخرج هادئًا، وكأن هذا الجسد معتاد على التحكم في نفسه. ثم… دون إرادته، تتحرك يده. تمسك بجهاز تسجيل صغير على الطاولة. يضغط زر التشغيل. يُسمع صوت مسجل: "إذا سمعت هذا… راهي البداية برك." يتجمد. الصوت… صوته. لكن بنبرة مختلفة… أهدأ، أخطر. "ماكش راح تفهم واش صاري دُرك… بصح لازم تكمل. كل واحد منهم عندو دور." يتنفس بصعوبة، يحاول إيقاف التسجيل، لكن جسده لا يستجيب له بالكامل، وكأن هناك قوة أخرى تتحكم فيه جزئيًا. وفي تلك اللحظة، ينهار داخليًا: هذا ليس حلمًا. وليس كابوسًا. هذا… شخص آخر. وحياته بدأت تتداخل مع حياة حسام… بطريقة لا يمكن الرجوع منها. أن يستوعب حسام ما يحدث، يجد نفسه مجبرًا على التحرك. جسده—ذلك الجسد الغريب—يتجه نحو المكتب وكأنه يعرف تمامًا ماذا يفعل. يحاول المقاومة، يحاول التوقف… لكن السيطرة ليست كاملة له. تتحرك يداه نحو ملف مفتوح على الحاسوب. صور… أسماء… تواريخ. عيناه تتسعان ببطء. كل شيء أمامه ليس عشوائيًا، بل تحقيق منظم، دقيق، ومخيف في تفاصيله. يقرأ بسرعة، وكأن المعلومات تُغرس في عقله مباشرة: اختفاء شخص. شاهد صامت. ضحية لم تُسجل رسميًا. ثم… اسم يتكرر. نفس الاسم في أكثر من صفحة. نفس الشخص… لكنه يظهر بأدوار مختلفة. يشعر بقشعريرة تسري في جسده. "كيفاش نفس الشخص يكون شاهد… وضحية… ومشتبه فيه؟" قبل أن يكمل التفكير، تتحرك يده مرة أخرى، تفتح درجًا صغيرًا في المكتب. يخرج منه صورة. ينظر إليها. يتجمد. الصورة تحتوي على عدة أشخاص… حوالي عشرة. بعضهم مبتسم، بعضهم عادي… لكن هناك شيء مشترك بينهم. إحساس غريب… مألوف بشكل مخيف. يقترب من الصورة أكثر، وعيناه تمرّان على الوجوه واحدًا تلو الآخر… وفجأة— قلبه يتوقف لثانية. واحد منهم… يشبهه. ليس تطابقًا كاملاً… لكن الملامح، النظرة، شيء لا يمكن تجاهله. يرتجف. يحاول الابتعاد، لكن عينه تقع على كتابة صغيرة خلف الصورة: "كلهم مرتبطين… وإذا واحد فيهم تذكر… كل شيء راح يخرج." تبدأ أنفاسه تتسارع بشكل جنوني. في تلك اللحظة، لم يعد الأمر مجرد تجربة غريبة… ولا حتى انتقال بين أجساد. بل أصبح واضحًا: هناك رابط خطير بين كل هؤلاء الأشخاص… وربما… بينه هو أيضًا. وقبل أن يستوعب أكثر— كل شيء يظلم. … ويستيقظ. في سريره. يتنفس بسرعة، يلمس وجهه، يعود إلى جسده… لكن الإحساس لم يختفِ. ينظر حوله بارتباك… ثم تتجه عيناه ببطء نحو الطاولة. الدفتر. مفتوح. وعلى الصفحة الأخيرة… مكتوب بخط يده: "واحد منهم… أنت."