اليوم التاسع والعشرون
"دُعاء الختام"
قبل غروب شمس اليوم التاسع والعشرون، ساد صمت مهيب في أركان البيت. لم يكن صمت كسل، بل كان صمت "الخشوع". كانت "زينب" قد انتهت من قراءة سورة "الناس"، وأغلقت مصحفها ببطء وكأنها تودع صديقاً عزيزاً. نادت على الجميع: يا عادل، يا سلمى، يا عمر.. تعالوا. أنا خلصت الختمة، وعايزين ندعي كلنا مع بعض. بيقولوا دعاء الختام مستجاب والملائكة بتأمن عليه.
اجتمعوا جميعاً في حلقة حول الجدة "هنية" التي كانت تمسك بمصحفها الكبير. بدأت زينب في الدعاء بصوت يرتجف، والجميع يؤمن وراءها بـ آمين.
كانت "سلمى" تبكي بهدوء، و"عمر" مطأطأ الرأس، وحتى "عادل" بدت عليه علامات التأثر الشديد.
بعد انتهاء الدعاء، مسحت الجدة هنية على وجهها بيدها المرتعشة، وقالت بنبره تخلط بين الجد والبهجة: مبروك عليكم النور يا ولاد. الختمة دي مش ورقة خلصت، دي شحنة للعمر كله. يا سلمى، شفتي الدموع دي؟ دي أنضف من كل 'المنظفات' اللي استخدمناها في تنفيضه العيد. الدموع دي هي اللي بتغسل الهموم اللي على القلوب.
تابعت الجدة وهي تنظر لعمر: يا واد يا عمر، إنت كنت فاكر إن الختمة سباق ومستعجل تخلص عشان تلعب طبعا. بس شفت وإحنا بنقرأ سورة الإخلاص النهاردة؟ حسيت بإيه؟ حسيت إن البيت له سقف من نور ازاي. القرآن يا ولاد هو اللي بيحمي البيت من المشاكل والفقر. البيت اللي فيه قرآن، الشياطين بتهرب منه حتى لو كانت شياطين 'العند' اللي بينك وبين أختك!
قالت سلمى وهي تمسح عينيها: يا تيتا، أنا حاسة إني أول مرة أقرأ القرآن بقلبي مش بس بلساني. خايفة لما رمضان يخلص، المصحف يرجع زينة على الرف تاني.
ردت الجدة بحكمة بالغة: المصحف يا بنتي مش موسمي. اللي عرف الطريق في رمضان، ميتهشِ عنه في شوال. خلي ليكي ورد صغير كل يوم، صفحة واحدة بس، بس تفضل الرابطة موجودة. المصحف لو اشتكى من الهجر يوم القيامة، مش هنلاقي حد يشفع لنا. يا ولاد، القرآن في رمضان كان ضيافة، وبعد رمضان لازم يبقى صداقة دايمة.
نظر عادل لزوجته وقال بامتنان: تسلمي يا زينب إنك جمعتينا في اللحظة دي. أنا كنت فاكر إن الختمة دي مهمة لازم تخلص، بس اكتشفت إنها راحة كنا محتاجينها وسط دوشة الشغل والحياة. يا حماتي، تنصحينا بإيه وإحنا بنودع المصحف في آخر ليلة؟
ردت الجدة: أنصحكم إنكم متودعوش المصحف، ودعوا الغفلة. خلي القرآن في أخلاقكم؛ في أمانتك يا عادل في شغلك، في برك بأمك يا عمر، في حيائك يا سلمى. اللي بيختم القرآن بجد، هو اللي القرآن بيختم على قلبه بالرحمة. وقوموا بقى، كفاية دموع.. إحنا عايزين نلحق نجهز بخور الوقفة عشان ريحة البيت تبقى قرآن ومسك!
ضحك عمر وقال: يعني مفيش إجازة من النصايح حتى في لحظة الختام يا تيتا؟
ردت الجدة بضحكة صافية: النصيحة يا واد هي المنبه اللي بيخليك صاحي. والقرآن هو الخريطة. مبروك عليكم الختمة، وعقبال كل سنة وإحنا متجمعين على طاعة الله.
الرسالة المستفادة:
"الختمة الحقيقية تبدأُ بعد رمضان." ليس الشأن في كم مرة قرأت، بل الشأن في كم آيةٍ سكنت قلبك وغيرت طبعك. دعاء ختم القرآن هو لحظة تجلٍّ، فاغتنموها بصدق الطلب. لا تجعلوا المصاحف تشكو الهجر بعد العيد، بل اجعلوا القرآن رفيقاً يومياً، ولو بآيات قليلة، فخَيْرُ العملِ أدومُه وإن قلّ. البيت الذي يُقرأ فيه القرآن، تضيقُ عليه الشياطين وتتسعُ فيه الأرزاق وتتنزلُ فيه السكينة.
الخاتمة:
أغلقت العائلة المصاحف بوقار، وقاموا ليرتبوا سجادة الصلاة. أحس الجميع بخفة في الروح لم يشعروا بها من قبل. كانت ليلة "وداع مهيب" ولكن بقلوب مطمئنة.
قالت زينب وهي تبخر الصالة: يا رب، اجعل القرآن ربيع قلوبنا دايماً، مش بس في رمضان.
ردت الجدة: آمين يا بنتي.. وهاتوا بقى طبق الكحك ده، ندوق 'ثمرة المجهود' مع الشاي، الخاتمة محتاجة تحلية تليق بمقامها!