الفصل الحادي عشر
بعد يوم حافل بالدبابات والهجولة، اجتمعوا الكل حول "الوجار" (مكان النار) في جلسة عائلية كبرى. الرجال في جهة والنساء في جهة، وبينهم مسافة تسمح بالسوالف المشتركة بس بوقار.
نايف كان جالس يقلب الجمر ومنسجم:
يا جماعة الخير، الليلة الجو يبي له "لعبة" توسع الصدر.. وش رأيكم في (لو خيروك)؟ بس نبي أسئلة ذربة وما فيها إحراج لأحد.
خالد (أخو سديم) وهو يصب القهوة لأبوه وعمه:
تم يا نايف، بس ابدأ بنفسك لا تورطنا.. خلنا نشوف خياراتك الصعبة.
نايف (يضحك):
طيب.. لو خيروني أعيش طول عمري في الثمامة بوسط هالبرد، أو أعيش في شقة فخمة في لندن بس لحالي؟ والله لأختار الثمامة والربع، وش أبي بلندن وضبابها وأنا ما عندي أحد أطقطق عليه!
الكل ضحك على صمولة نايف. الدور وصل عند عزّام. كان جالس بجلسة عسكرية مهيبة، فروته على كتافه وعينه على النار.
نايف بغمزة خفيفة:
عزّام.. لو خيروك تترك العسكرية وتعيش حياة مدنية هادية وتفتح لك بزنس، أو تستمر في المخاطر والمهمات الصعبة طول عمرك؟
عزّام سكت شوي، ونبرة صوته كانت جادة وفيها هيبة:
العسكرية مو بس وظيفة يا نايف.. هي تكليف وشرف. لو خيروني ألف مرة بختار نفس الطريق.. الحياة الهادية زينة، بس فيه ناس انخلقوا عشان يحمون ه الهدوء لغيرهم.
سديم كانت تسمعه من جهة البنات وهي منبهرة بكلامه وثباته.. تحس إنه رجل يعتمد عليه في الشدايد.
ليان (بنت خالة سديم) همست لها:
سديم.. شوفي كيف يتكلم، والله إنه هيبة.. مدري كيف كنتي تهاوشينه الصبح؟
سديم (بصوت واطي وحيا):
ليان اطلعي منها.. الرجال يتكلم عن وطنه وشغله، ماله داعي هالكلام.
نايف التفت لجهة البنات:
طيب الدور عند سديم.. لو خيروكِ يا مهندسة تكملين دراستك برا وتعيشين في أمريكا وتتوظفين في أكبر شركات التقنية، أو تبقين هنا قريبة من أهلك وبنفس روتينك؟
سديم خذت نفس، وبالرغم من طموحها، ردت بذرابة:
الطموح ماله حدود، بس الأهل هم السند.. لو خيروني بختار الطموح اللي يخليني أخدم بلدي وأنا قريبة من أبوي وأمي.. الغربة توجع يا نايف، والنجاح ماله طعم بعيد عن اللي يحبونك.
أبو سديم ابتسم لبنته بفخر، وعزّام رفع عينه بلمحة سريعة وشاف فيها نضج ورزانة زادت من تقديره لها.
سارة (تبي تلطف الجو):
خلاص عاد قلبتوها جد بزيادة! خلوني أسأل خالد.. لو خيروك تتزوج وحدة تطبخ ذبيحة كاملة بس لسانها طويل، أو وحدة ما تعرف تسوي حتى بيض مقلي بس هادية ومالها حس؟
خالد انفجر ضحك:
يا سارة وش ذا الخيارات؟ أبي الهادية وأنا أعلمها الطبخ، ولا أقعد طول عمري أسمع قصف جبهات مع كل لقمة!
الضحك رجع للمخيم، والجو صار عفو ومريح. عزّام قام بهدوء يبي يتمشى شوي بعيد عن الزحمة، وسديم قامت تبي تجيب غرض من السيارة اللي كانت قريبة من مكان وقوف عزّام.
تقابلوا عند السيارة.. سديم نزلت راسها وبأدب:
عزّام.. معليش، بس بغيت الشاحن من السيارة.
عزّام تراجع خطوة عشان يخلي لها مجال وبصوت هادي ورسمي:
تفضلي يا سديم.. السيارة مفتوحة.
سديم خذت الشاحن وبغت تمشي، بس التفتت وقالت بخفوت:
كلامك عن العسكرية قبل شوي.. كان فعلاً مؤثر.. الله يقويكم ويحميكم.
عزّام أومأ براسه بتقدير:
تسلمين.. وهذا واجبنا. والنجاح اللي تطمحين له هو اللي يخلي تعبنا له قيمة.
مشيت سديم بسرعة لجهة البنات وقلبها يدق، وعزّام كمل مشيته وهو يفكر إن هالبنت فيها "ثقل" وعقل يوزن بلد.