الفصل 9
*⏎[ رواية تعافيت بك 💗🧜🏻♀️]*
الحلقة 23
الحلقة 24
"حُسنكِ أغوى تائبٌ عن الحب..وفي لقاكِ ينبض القلب"
__________
الحب هو أن لا تخاف وأنتَ وسط بحر من الظلمات، أن تُسلم قلبك لقلبٍ أخر يعتني به، فيكون ذلك القلب لقلبك السكن والسكينة والمسكن.
في صباح اليوم التالي، كانت «خديجة» مستيقظة في غرفتها بعد ليلة هاجرها النوم بها، لم تستطع تفسير ما تشعر به، كل تلك المشاعر التي داهمتها بقوة نتيجة حديثهما سويًا، وليلة الأمس بأكملها، تنهدت بعمقٍ ثم إبتسمت وخرجت من غرفتها لكي تتوضأ وتصلي صلاة الصبح، وقفت أمام المرحاض ظنًا منها أن «أحمد» هو الذي بالمرحاض، فُتح الباب فجأة ولكنها تفاجأت بـ «طه» يقف أمامها وينظر لها مُتفحصًا، خشيت نظرته لها فأخفضت بصرها بسرعة كبيرة حتى تتحاشى النظر له فيصيبها الخوف، بعد تفحصه لها قال بنبرته الجامدة:
"أنتِ رجعتي إمتى إمبارح؟"
شحب وجهها من نبرته الجامدة، ومن طريقة إلقاء سؤاله ولكن ما أنقذها هو صوت والدتها حينما أتت مُسرعة من المبطخ وأجابته قائلة بثبات:
في إيه يا طه ما قولتلك رجعت بعد ما أنتَ نمت علطول"
زاره الحرج من سؤاله وطريقته التي خرجت جامدة بعض الشيء ، لكنه حمحم بإحراج ثم قال:
"أنا مش قصدي حاجة يا زينب، أنا بطمن عليها بس، عن إذنكم"
ألقى حديثه، وفر من أمامهن، أما «زينب» ربتت على كتف إبنتها بهدوء وهي مبتسمة ثم قالت:
"أنتِ خايفة ليه يا خديجة؟ ياسين دا جوزك والناس كلها عارفة يعني مفيش حاجة عيب ولا حرام"
أومأت لها «خديجة» في هدوء، ثم دخلت المرحاض وهي تشعر بالتوتر والخجل تحديدًا من حديث والدتها عن «ياسين» فهي فهمت أن والدتها تُشير إلى فعلته بالأمس.
تناول والدها وجبة الإفطار ثم ذهب مع أخوته العمل، أما «خديجة» بعد صلاتها، بدأت في مساعدة والدتها في العمل بالبيت كعادتها، وبعد قليل صدح صوت جرس الباب، توقعت أنه «وليد» وبالفعل كان هو، دخل بمرحه المعتاد ، رحبت به «زينب» ثم قالت:
"إيه طارق مديكم إعفا ولا إيه النهاردة ؟ أنا قولت هتصحوا من الفجر"
إبتسم لها ثم قال:
"لا مش لدرجة إعفاء، كل الحكاية إنه راح يوصل عبلة الكورس، وهيروح بعدها الشركة وأنا وأحمد هنروح وراه"
أومأت له «زينب» وقبل أن تجلس بجانبه، تحدث «وليد» قائلًا:
"لأ أنتِ هتقعدي ولا إيه؟ جهزيلي فطار أنا وأحمد، أمي نايمة ومحدش فطرني"
إبتسمت له ثم قالت بحماس:
"بس كدا ؟ أنتَ تؤمر يا حبيب قلبي، واحلى فطار لعيون ليدو حبيب زينب"
نظرت لهما «خديجة» بسخرية ثم قالت:
"والله؟ مانا من الصبح قدامك وعمالة أروق مشوفتش حتى بوق مياة؟"
نظر لها «وليد» بإستفزاز قائلًا:
"والله لما يبقى إسمك وليد نبقى نفطرك"
مسكت «خديجة» الوسادة الموضوعة على الأريكة بجانبها وضربته بها، بينما «زينب» ضربت كفًا بالأخر ثم تركتهم ودخلت المبطخ، وبمجرد دخولها نظر «وليد» في أثرها ثم قال:
"تعالي أقولك بقى عملت إيه في مُشيرة إمبارح بعد ما مشيتي أنتِ و ياسين"
جحظت عيناها للخارج ثم قالت بحماس:
"أحكي بسرعة عملت إيه؟"
أومأ لها ثم شرع في قص ما قام بفعله مع عمته.
______________
في نفس الوقت إستيقظ «ياسين» من نومه على صوت هاتفه، قام من فراشه وتحمم في مرحاض غرفته، ثم قام بتأدية صلاة «الصبح»، ثم جلس بعدها يتضرع إلى الله سبحانه وتعالى ولكن ذكرها هي «خديجة» كان الغالب في الدعاء، فبدون أن يشعر وجد نفسه يدعو لها بصلاح الحال وأن يجعلها خير زوجة له وأن يقربهما سويًا في طاعته.
بعد تضرعه لله، خرج من غرفته ثم تناول وجبة الإفطار مع والديه تحت نظرات الخبث منهما على وجهه المشرق المرتسم عليه بسمة عذبة، كما أن هذه لم تكن عادته تناول الفطار صباحًا، فتحدث والده بخبث قائلًا:
"دا صحيح الحب بيغير يا زُهرة، هو بقى فاتح شهية الأيام دي؟"
وبنفس نبرة الخبث ردت عليه «زُهرة»:
"بتقول كدا ليه يا رياض ؟ ولا قصدك يعني على إن فيه ناس بقت تفطر وتغني؟"
كل هذا الحديث الدائر و «ياسين» يتصنع التجاهل، لأنه يعلم أن الحديث عائد عليه، فسأله والده مُستفسرًا بخبث:
"متعرفش يا ياسين دا إيه دا ؟"
نظر له «ياسين» بخبث قائلًا:
"لأ يا رياض معرفش دا إيه، مش أنتَ حبيب قديم وفي الكار دا بقالك كتير قولي أنتَ بقى دا إيه"
رد عليه «رياض» بِفطنة:
"دا الحب يا ياسين ومتنكرش علينا، علشان أنا حافظك، اللي أنتَ فيه دا أول حاجة بعد دقة قلبك للحب"
إبتسم «ياسين» ثم قال:
"بالظبط كدا يا رياض اللي أنا فيه دا حب، ومش هنكر علشان أنا نفسي مش مصدق إن ممكن كان يجي يوم وأحب حد كدا"
إبتسمت «زُهرة» ثم قالت:
"ياولا دا أنتَ حتة مني وأنا عارفاك وعارفة كل حاجة فيك، ربنا يسعدك ويجبر بخاطرك"
إبتسم «ياسين» على حديثهما ثم ألقى تحية الوداع عليهما وذهب إلى مقر عمله.
وعلى الجهة الأخرى في شقة «خديجة» قام «وليد» بـ قص ما فعله على «خديجة» التي شهقت بقوة مما فعله بعمته ثم قالت بحنقٍ:
"ليه كدا يا وليد؟ ليه تعمل كدا، إفرض زعلت"
نظر لها بسخرية ثم قال:
"أنتِ عبيطة يا خديجة؟ ما تزعل عادي ماهي نفسها قالت إنها بتكرهك وبتكره أمك، وإمبارح كان كل همها إن تحرجك قدام ياسين بس هو بقى طلع ناصح وعرف يسكتها"
تنهدت براحة ثم قالت:
"ربنا يهديها يا وليد، علشان دي حاجة متفرحش إن عمتي يبقى بيننا وبينها صراع كدا"
وقبل أن يجيبها خرجت «زينب» بالفطار، وأتى بعدها «أحمد» وتناولوا الفطار جميعهم، وبعد ذلك غادر كلًا من «أحمد» و «وليد» معًا، وجلست «خديجة» برفقة «خلود» أختها، وثوان وصعدت «سلمى»، كانت «خديجة» جالسة تتصفح صفحته الشخصية على موقع الفيسبوك بعد أن قام بإرسال طلب لها، كانت تتجول في صفحته وهي تبتسم دون إرادة كلما رأت صوره الشخصية، وتعلقياته مع أصدقائه، وما لفت نظرها هو تعلقه الشديد بهم وكثرة صوره برفقتهم.
كان هناك أزواج من الأعين تراقبها وتراقب بسمتها وهي أعين «خلود» و «سلمى»، وأول من نطقت منهن كانت «سلمى» حينما قالت:
"إلحقي يا خلود، دا في ناس بقت بتضحك وهي بتبص في التليفون"
إنتبهت «خديجة» لجملتها فقامت بإغلاق الهاتف ونظرت لها ثم قالت:
"خير يا سوسة في إيه؟ أؤمري"
ردت عليها «سلمى» وكأنها لم تفعل شيئًا:
"مالك يا خديجة بس هو حد جه جنبك ولا داسلك على طرف"
ضيقت «خديجة» أهدابها وهي تنظر لها ثم قالت:
"طيب يا سلمى أنا هسبهالك و أدخل أوضتي، علشان تكونوا براحتكم"
تلك المرة نطقت «خلود»:
"علشان إحنا برضه اللي نكون براحتنا ؟ على العموم الله يسهلك يا ستي"
نفخت «خديجة» وجنتيها ثم غادرت إلى غرفتها، جلست لتُكمل تصفحها، وبعد قليل تنهدت بعمقٍ ثم ضغطت موافقة على قبول طلبه، وبمجرد قبولها، وجدت رسالة منه محتواها:
"كل دا علشان تقبليني عندك؟ للدرجة وجودي تقيل؟ مكانش عشمي يا قبولي الوحيد"
ضحكت على كلماته وهي تتوقع شكله أثناء قوله ذلك، ولكنها كتبت وهي تبتسم:
"معلش بقى خليها عليك"
إبتسم هو على الجهة الأخرى ثم كتب لها:
"أنا لو علشانك أخلي الدنيا كلها عليا"
إبتسمت مرةً أخرى ثم كتبت:
"شكرًا"
قام بإرسال رمز تعبيري من التطبيق رافعًا أحد حاجبيه مما يدل على حنقه، بينما هي إتستعت إبتسامتها أكثر ثم أرسلت له:
"دا إيه دا إن شاء الله ؟"
إبتسم ثم أرسل:
"لأ ولا أي حاجة، بتقوليلي أكتر كلمة سخيفة بسمعها في حياتي"
إبتسمت أكثر ثم أرسلت:
"معلش خليها عليك يا هندسة"
أرسلت جملتها ثم أغلقت التطبيق وهي تتنهد براحة كبيرة، أما هو إتسعت ضحكته نتيجة رسالتها الأخيرة، ثم عاد لينغمس في عمله من جديد.
___________
كان «طه» جالسًا في عمله وهو يفكر في «خديجة» و ردود أفعالها تجاهه وتجاه لمسته، فهي دائمًا تخشاه وتخشى وجوده في نفس المكان، حتى نظرتها له دائمًا تحمل الذعر منه.
عاد بذاكرته إلى زمنٍ بعيد، حيث يوم كانت العائلة بأكملها مُجتمعة
(مُنذ عدة سنوات)
كانت «خديجة» تريد اللعب مع فتيات العائلة ولكن «هدير» رفضت رفضًا قاطعًا فهي منذ صغرها تكره «خديجة» نظرًا لأنها كانت أكثر الفتيات خُلقًا في العائلة منذ صغارها، بعد رفض «هدير» لـمشاركة «خديجة» في اللعب، جلست «خديجة» تبكي وحينما لاحظت الدُمية الخاصة بـ «هدير» مُلقية على الأرض، اقتربت منها وأخذتها تلعب بها، لكن بعد قليل إقتربت منها «مُشيرة»و قامت بتخريب الدُمية، ثم بعد ذلك قامت بإجماع العائلة وهي تقول:
"مينفعش كدا يا طه، مش علشان مش هتلعب معاهم يبقى تبوظ اللعب بتاعتهم، كدا غلط وبنتك كدا مش متربية يا طه"
كان كلامها جارحًا لدرجة كبيرة لم يستطع «طه» تحملها، فصرخ بوجه «خديجة» قائلًا:
"أنطقي يا خديجة وقولي بوظتي العروسة ليه؟"
حركت رأسها نفيًا وهي تبكي ثم قالت:
"والله ما أنا يا بابا عمتو هي اللي بوظتها"
صرخت «مُشيرة» بوجهها قائلة:
"يعني مش بس قليلة الأدب وكمان بتكدبي عمتك، شوفلك حل معاها يا طه، ومتسبهاش لزينب وتفتكر إن بنتك هتتربى كويس"
صرخت بها «خديجة» قائلة:
"أنتِ اللي بتكدبي مش أنا، والله أنا معملتش حاجة"
وضعت «مُشيرة» يدها في خصرها ثم قالت بحنقٍ:
"وهو أنتِ هتجيبي البجاحة من برة يعني طالعة لأمك"
وقبل أن تعقب «خديجة» وجدت صفعة قوية تنزل على وجهها من أبيها، إرتمت على الأريكة من قوة الصفعة وصرخت بأعلى صوتها، إقتربت منها «زينب» وهي تبكي وضمتها بقوة، فقالت «خديجة» من بين شهقاتها:
"مش أنا...مش أنا والله يا ماما، هي عمتو"
وعند جملتها الأخيرة سحبها «طه» من حضن والدتها ثم قام بجرها خلفه، تبعته العائلة بأجمعها وهو لم يبالي بما يدور خلفه، أخذها للجهة الأخرى ثم فتح الغرفة المُظلمة ووضعها بها وكأنه يلقي جثة على الأرض، صرخت «زينب» بقوتها، وحينما إقتربت من الباب لكي تُخرج صغيرتها، أوقفها قائلًا:
"عندك يا زينب، أنا هسيبها لحد ما تتربى، وتتعلم الأدب ومتكدبش الأكبر منها"
إقتربت منه «زينب» وهي تبكي قائلة:
"أبوس إيدك خرجها،دي عيلة يا طه لسه"
صرخ بملء صوته قائلًا:
"عيلة بس عاوزة تتربى يا زينب، العيلة دي بتكدب عمتها قصادنا، هي هتفضل هنا لأخر الليل، ولو عاوزة تخرجيها، يبقى أخر ليلة تشوفيها فيها وساعتها مش هتشوفي عيالك تاني"
بكت «زينب» بقوة وهي تنتحب بشدة، وكانت «خديجة» تفعل المِثل في الداخل، وحينما لم يرد عليها أيًا من الواقفين بالخارج، صرخت تستنجد بـ «وليد» وهي تقول:
"علشان خاطري أفتحلي يا وليد قوله إني معملتش حاجة"
كان «وليد» يبكي بجوار والدته وحينما سمع إسمه ركض لكي يحررها من الغرفة،لكن «طه» أوقفه قائلًا:
"بس يا وليد ملكش دعوة، ولو دخلت تفتحلها مش هخليك تشوفها تاني أنتَ كمان".
خرج «طه» من شروده، وكان أخر صوت سمعه قبل أن يفيق من ماضيه:
"يا ولـــيــد علشان خاطري إفتحلي"
هز رأسه بقوة وكأنه يخرج من قوقعة زكرياته بذلك، ثم بعد ذلك مسح دموعه الهاربة من بين أهدابه، رآه «مرتضى» أخيه ورآى حالته تلك، فإقترب منه وهو يقول:
"مالك يا طه في إيه؟ شكلك متضايق"
زَفر «طه» ثم قال:
"مفيش يا مرتضى كنت مخنوق شوية بس"
جلس «مرتضى» مُقابلًا له ثم ربت على كتفه وهو يقول:
"أحكيلي مالك بس يا طه، شكلك مرهق أوي ، أنا أول مرة أشوفك كدا"
أخذ «طه» نفسًا عميقًا ثم قال:
"خديجة يا مرتضى، صعبان عليا أوي إن بنتي هتتجوز وتسبني وهي بتكرهني، وفي نفس الوقت مش قادر ألومها أنا اللي غلطان وسلمت عقلي لمشيرة"
تبدلت نظرة «مرتضى» له ثم قال بعنف:
"ومين السبب في الكره دا يا طه مش أنتَ، مين اللي علطول يعاقب ويزعق ويتعصب ويعلي صوته، وبعدين لما وعرفت إن أختك هي السبب، خوفت اللي كررته مع خديجة تكرره مع خلود، فبقيت تعامل أختها أحسن منها، مبتشوفش محمود و محمد بيعاملوا بناتهم إزاي؟"
أومأ له «طه» ثم قال بنبرة حزينة:
"أنا عارف كل دا يا مرتضى، بس أهيه هتمشي وهي كرهاني يا مرتضى، بنتي بمسك دراعها خافت مني واتمسكت بإيد جوزها"
بكى بعد حديثه ذلك، فإحتضنه «مرتضى» ثم قال:
"متزعلش نفسك وإبدأ من جديد يا طه، متسبهاش تمشي من بيتك وهي بتخاف منك، مينفعش تسيبها تروح بيت واحد تاني وهي مش عارفة إن بيت أبوها هو اللي هترجعله لو في حاجة مزعلاها"
أومأ له «طه» ثم قال:
"معاك حق يا مرتضى".
________________
إنتهى اليوم في عمل «ياسين» وبعد الإنتهاء من عمله ذهب إلى المقهى التي يجلس عليها برفقة أصدقائه، جلس في إنتظارهم، ثم أخرج هاتفه يتفحصه وتحديدًا قام بفتح الرسائل الخاصة به ثم أرسل لها:
"على فكرة بقى أنا مضحوك عليا في الجوازة دي، يعني فين رسايل قبل الشغل ورسايل بعد الشغل، لأ أنا كدا عاوز تجديد عقد"
وصلتها الرسالة وهي جالسة وسط أمها و شقيقتها تشاهد التلفاز، تفحصتها ثم إبتسمت وهي ترسل له:
"على فكرة بقى أنا مش بحب الرسايل دي ولا بحب الشات أصلًا"
إبتسم ثم أرسل لها:
"حلو يعني أجي أتكلم وش لـ وش وأنا بتلكك أساسًا"
إتسعت إبتسامتها ثم أرسلت:
"طيب يا سيدي الله يكرمك باللي نفسك فيه"
أرسل لها يُشاكسها:
"مانا بكلم اللي نفسي فيه كله أهوه، مش عاوز حاجة تانية"
أرسل جملته ثم أرسل نفس الرمز التعبيري الذي يعبر عن غمز بطرف العين.
إبتسمت ثم أغلقت الهاتف وهي تشعر وكأن الدماء تسيل على وجنتيها من شدة الخجل، كل هذا كانت تراقبه «خلود» و «زينب» والبسمة والنظرات الخلثة متبادلة بينهما، وبعد قليل وصلها إشعار أن «ياسين» قام بإرسال رسالة لها على موقع الفيسبوك، وكانت عبارة عن:
"يا أخي الواحد يفضل على الثبات لحد ما يقابل رموش مبيرحموش، وعيون قتالة متراعيش الحالة؛ فيتهز"
شعرت بالإحراج والخجل معًا، ولم تجد مفرًا سوى الهروب لغرفتها تحت نظرات التعجب من «زينب» و «خلود» وقبل أن تتحدث «خلود» تحدثت «زينب» قائلة لها:
"سيبيها متحرجيهاش يا خلود"
نظرت لها «خلود» بحنقٍ ثم قالت:
"ليه كدا يا ماما ما تخليني بس أنكشها، مش عيب"
نظرت لها بضيق وهي تقول:
"ملكيش دعوة بيها يا خلود، هي أصلًا عمرها ما كلمت حد في التليفون غير وليد وكان بيطلب منها أكل علشان مروة مش بتكون عملاله أكل، سيبيها علشان تتعود على وجوده"
أومأت لها «خلود» ولم تتحدث، بينما «خديجة» في الداخل كانت تنصهر خجلًا من مما قام بكتابته، ظلت تقضم أظافرها بقوة ، بينما كان هو متوقعًا حالتها تلك، فقام بإغلاق الهاتف وهو ينتظر أصدقائه.
وبعد قليل أتى «عامر» وهو يبتسم بإتساع،جلس مقابلًا لـ «ياسين»،نظر له «ياسين» يتفحصه ويتفحص فرحته ثم قال:
"خير يا أستاذ عامر الضحك من الودن للودن ليه؟"
إتسعت إبتسامة «عامر» أكثر من ذي قبل ثم قال:
"كل الحكاية إن سارة ربنا كرمها وكلمتني علشان نحدد معاد الفرح، أنا دلوقتي حاسس إني ماسك النجوم في إيدي يا ياسين"
لم يستطع «ياسين» تمالك فرحته بصديقه، فاقترب منه وأخذه بين أحضانه وهو يقول بصوتٍ مليءٌ بالمرحِ:
"مبروك يا جحش هتتجوز ونفرح بيك"
وفجأة إقترب منهما «ياسر» و «خالد» وصدح صوت الاخير قائلًا:
"خيانة عامر وياسين، من غيرنا طب كنتم أستنوا الحضن يبقى جماعي"
وفور انتهاء جملته وجد «ياسر» يحتضنه وهو يقول:
"متزعلش نفسك يا خالد أنا موجود"
ضحك الجميع وجلس البقية، فقال «ياسر» بهدوء:
"فهموني سر الحضن دا إيه علشان مقلقش"
ضحك «خالد» و «عامر»، بينما «ياسين» رد مُجيبًا إياه:
"أصل عقبال عندك سارة وعامر هيحددوا معاد الفرح خلاص"
فرح البقية وقاموا بتهنئة أصدقائهم، بينما «ياسر» قال لـ «خالد»:
"إيه رأيك لو نحدد معاد فرحنا إحنا كمان يا خالد"
رد «خالد» مُتعجبًا:
"فرحكم أنتَ ومين؟"
ضحك «عامر» ثم رد متدخلًا:
"يعني هيكون فرحه على الست الوالدة، أكيد فرحه على أختك بطل غباء"
أومأ له «خالد» ثم قال:
"آه، أنا لو عليا نفسي والله أخلص من إيمان، بس لسه ناقصها حاجات كتير وأختي رخمة أساسًا"
رد «ياسر» عليه:
"يا عم أنا عاوزها من غير حاجة، هاتها بس وملكش دعوة"
هز «خالد» كتفيه ثم قال:
"والله هشوفها كدا، ولو تمام هرد عليك ونحدد معاد الفرح"
صفق «ياسر» تصفيقًا حارًا بينما نظر له أصدقاءه بدهشة، وبعد مدة من الصمت تحدث «عامر» قائلًا لـ «ياسين»:
"وأنتَ يا عم قيس بن الملوح، هاكل الجاتوه بتاعك إمتى"
ضحك الجميع على لقبه لـ «ياسين»، بينما «ياسين» رد عليه:
"وعد مني في نص قاعة فرحي لأطفحك الجاتوه بإيدي دي لحد ما تقول إكتفيت"
إنتشرت الضحكات بينهم جميعًا، وبعد ثوانٍ رن هاتف «خالد» برقم زوجته، قام بالرد عليها مُبتسمًا، وبعدها قامت «إيمان» بمهاتفة «ياسر» قام بالرد عليها، وبعدها «سارة» قامت بمهاتفة «عامر» جلس «ياسين» ينظر لهم وهو يتمنى أن تهاتفه هي مثلما فعل زوجات أصدقائه، ويبدو أنها علمت بما يفكر وقامت بمهاتفته، لم يستطع إخفاء فرحته فقام بالرد عليها سريعًا ثم قال:
"هو أنا حظي حلو، ولا العيون القتالة بقت تراعي الحالة"
إبتسمت على جملته ثم قالت بهدوء:
"لأ أنتَ عادي ولو حظك حلو مش هيجمعك بيا يعني"
إختفت إبتسامته ثم قال:
"لأ يا خديجة، أنا حظي حلو علشان جمعني بيكِ، لو الحياة دي أرزاقها متقسمة على ٢٤ قيراط، فأنا بجانب حظي في شغلي وصحتي وصحابي وأهلي، ربنا كرمني بـ ٢٤ قيراط تانيين وهما وجودك في حياتي يا خديجة"
زادت ضربات قلبها نتيجة حديثه الذي يحمل معه من اللُطف الكثير، وبعد ثوانٍ من الصمت تحدثت قائلة:
"المهم أنا عاوزة أقولك إني عاوزة أقابل الدكتورة هناء، علشان...علشان نبدأ العلاج"
إبتهج وجهه ثم قال:
"بجد يا خديجة يعني مستعدة إنك تقابليها خلاص، أنا مكنتش عاوز أضغط عليكِ تاني"
أومأت برأسها كأنه يراها ثم قالت:
"أنا مش عاوزة أفضل خايفة، مش عاوزة أعيش كدا، عاوزة أحس إني مطمنة فعلًا، نفسي أعيش الحياة اللي فاتتني دي"
صمتت تأخذ نفسًا عميقًا ثم أضافت قائلة:
"وكمان عاوزة أبدأ اللي جاي معاك من غير ما أكون خايفة، علشانك أنتَ كمان وعلشان محسش بالذنب ناحيتك"
إبتسم لها ثم قال:
"لو أنا بقيت من ضمن الحاجات اللي بتفكري فيها، صدقيني دا كدا من أحسن الحاجات اللي حصلتلي في حياتي"
إبتسمت على حديثه ثم قالت بهدوء:
"تصبح على خير يا ياسين"
أغلقت هاتفها ثم إرتمت على فراشها وهي تفكر في حديثها وقرارها، بينما هو عاد لينغمس مع أصدقائه في الحديث، ولكن تلك المرة بإبتسامة أكثر إشراقًا ووجهٌ مبتهج عما كان عليه قبل مكالمتها.
________________
مر ثلاثة أيام على مكالمتهم تلك،كان «ياسين» في الأيام السابقة يهاتفها صباحًا و مساءًا، قبل الذهاب لعمله، وبعد العودة منه، حتى إنه أحيانًا يقص عليها تفاصيل يومه ،أما هي كانت تشعر في تلك الأيام كأنها فراشة أضحى لها جناحات، وفي يوم أثناء حديثه معها باغتها بقوله:
"خديجة المفروض نروح لدكتورة هناء بكرة جاهزة"
على الرغم من خوفها من الفشل ومن والدها، إلا إنها إستجمعت جزء من شجاعتها وقالت:
"جاهزة يا ياسين"
إبتسم ثم قال:
"تمام بكرة هكون عندك، علشان نروح سوا"
اغلق هاتفه معها، وبعدها بثوانٍ وجد «ياسر» يهاتفه قام «ياسين» بالرد عليه لكنه يبدو عليه الضيق فقال:
"مالك يا ياسر شكلك مخنوق؟"
زفر «ياسر» بعمقٍ ثم قال:
"إيمان يا ياسين مش عاوزة تحدد معاد الفرح دلوقتي بتقول إن في حاجات كتير نقصاها"
تكلم «ياسين» بحكمته المعتادة:
"طب إديها كام شهر يا ياسر بس تكون جهزت نفسها"
تحدث «ياسر» بضيق قائلًا:
"هي مش عاوزة السنة دي أصلًا"
سأله «ياسين» مُستفسرًا:
"ليه يا ياسر؟"
زفر «ياسر» بقوة ثم قال:
"بتقول إنها نفسها في حاجات كتير في جهازها ، وبتقول كمان إنها مقدرة ظروفي وظروف خالد
ومش عاوزة تضغط حد فينا"
قال «ياسين» مُتفهمًا:
"متقلقش يا ياسر، إحنا نتقابل ونظبط الدنيا سوا"
شعر «ياسر» بالراحة فقال:
"ربنا يخليك ليا يا ياسين، أنا كلمتك علشان أنتَ العاقل،لو كنت كلمت خالد كان عصبني ، ولو كلمت عامر كات موتني"
إبتسم «ياسين» وهو يقول له:
"متقولش كدا إحنا أخوات، وإن شاء الله ربنا هيكرمك ويجمعكم سوا"
أغلق مع صديقه ثم عاد إلى عمله مرة أخرى لينهيه.
______________
في شركة أحفاد آلـ «الرشيد»، كان الأربع شباب برفقة «حسن» يجلسون سويًا، وأول من تحدث كان «أحمد» حينما قال:
"الحمد لله المطبعة كلمتني النهاردة، الناس استلمت التصميمات كدا أنا عملت اللي عليا وإشتغلت أهوه"
نظر له «طارق» بفخر ثم قال:
"على فكرة أنا مبسوط منك أوي علشان قررت إنك تروح وتتعامل أنتَ، دي خطوة كويسة منك، حتى الناس كلموني وقالولي إن أسلوبك معاهم كويس"
إتفق معه «وئام» وهو يقول:
"أيوا كدا إرفع راسي متعملش زي وليد بالله عليك"
ضحك «حسن» بملء صوته ثم قال:
"أنا مش متخيل إن عيلة الرشيد فيها واحد عاقل غير طارق، وبصراحة أنا قولت أحمد دا هيودينا في داهية بس خالف كل توقعاتي"
أومأ «طارق» وهو يضحك ثم قال:
"أنا بصراحة كنت خايف أنا كمان بس أحمد طلع راجل، المهم بالمناسبة دي كلكم أجازة بكرة علشان الكام اللي عدوا علينا عملنا مجهود فيهم"
صفق الجميع وخرجت أصوات الفرحة بينما «طارق» أوقفها قائلًا:
"ماعدا وليد يجي يمسح الشركة وإحنا مش هنا"
نظر له «وليد» بوجهٍ ممتعض، ثم قال:
"نعم ليه بقى إن شاء الله، مانا عوضت اللي أنا عملته، وبعدين أنا بكرة أجازة، علشان من حقي أزور خطيبتي اللي أنتَ مانعها عني دي"
ضحك الجميع على حديثه فتدخل «وئام» قائلًا:
"خلاص يا طارق بقى خليها عليك المرة دي"
أومأ «طارق» ثم بضيق:
"ماشي يا وليد، وأنا هخليك تقعد مع خطيبتك، بس أنا هكون موجود علشان تحترم نفسك"
إبتهج وجه «وليد» ثم قال:
"يا عم إقعد في النص معانا المهم أشوفها ولا حتى أكلمها"
ضحك الجميع، بينما «حسن» وقف قائلًا:
"طب هستأذن أنا بقى علشان عاوز أنام، وورايا غسيل"
تبدلت نظرة الجميع إلى نظرة حزينة، فرد عليه «وئام»:
"وأنتَ تفضل لوحدك ليه يا حسن، روح يا بني أقعد مع أختك زي ما طلبت منك، جوزها بيحبك زي إبنه وأنتَ علطول تحكيلي كدا"
أطاح له «حسن» برأسه وهو يقول:
"يا عم سيبك الواحد مش بيرتاح غير في بيته بصراحة"
رد عليه «طارق» مُعقبًا:
"دا لما يبقى بيت يا حسن، مش سجن ذكريات أنتَ قافل على نفسك فيه من ساعة اللي حصل دا، ليه يابني"
هز كتفيه وهو يقول:
"مش بإيدي يا طارق هي كانت مالية عليا حياتي آه أنا حبيتها بعد الجواز، بس هي برضه متتعوضش، وحاولت أنساها بس مش قادر، وبعدين مين اللي بيتكلم يعني"
فهم «طارق» ما يشير إليه «حسن» فقال:
"على رأيك شوف مين بيتكلم"
رحل «حسن» من مقر العمل عائدًا إلى بيته، وفعل مثله بعد قليل شباب آلـ «رشيد»، ركب «أحمد» مع «وليد» في سيارته، وركب «طارق» سيارته، أثناء قيادة «طارق» شرد في ماضٍ بعيد
(منذ عدة سنوات)
عاد «طارق» راكضًا من مدرسته إلى البيت و «وئام» خلفه، كانا في أخر سنوات المرحلة الابتدائية ، دخل البيت مُهللًا وهو يقول:
"يا ماما أنا قفلت الإمتحان أهو ، اليوم كله هلعبه مع جميلة، مليش دعوة"
وبعد جملته تلك نظر حوله وجد «مُشيرة» ممسكة بالخطاب في يدها، و«فاطمة» زوجة عمه جالسة بجانبها، فإقترب من والدته وسألها مُستفسرًا:
"هي عمتو مالها يا ماما وجميلة فين؟"
أخذته والدته بين أحضانها ثم قالت:
"إطلع نام يا طارق دلوقتي ولما تصحى هقولك"
هز رأسه ثم قال:
"لأ جميلة قاعدة مع طنط زينب فوق هطلع لها، ألعب معاهم و وئام كمان هيجي معايا"
أنهى جملته فوجد «مُشيرة» تصرخ به قائلة:
"زينب هي اللي ضيعت منك جميلة يا طارق، زينب هي اللي قالت لحسان وخد بنتي ومشي، جميلة اللي أنتَ بتحبها وبتلعب معاها مش موجودة يا طارق"
خرج من شروده حينما وصل أمام البيت، أوقف محرك السيارة ثم مسح دمعة فرت من عينيه، بعد ذلك مسح وجهه بكلتا يديه، ليُمحي أثار استياءه، نزل من السيارة ودخل البيت وقف يطلب المِصعد، نزل المصعد له لكنه تفاجأ بـ «زينب» أمامه، إبتسمت له ثم قالت:
"إزيك يا طارق يا حبيبي عامل إيه، هو أحمد مجاش معاك"
نظر لها بضيق ولم يجيب على سؤالها، ثم تركها وصعد إلى شقته على قدميه, أما هي تنهدت بعمقٍ ثم قالت:
"منك لله يا مُشيرة ، حتى الواد كرهتيه فيا"
وقبل أن تخرج من البيت وجدت «أحمد» يركض من «وليد» وضحكاتهم مرتفعة، إختبأ «أحمد» خلفها وهو يقول:
"حاسبي يا زوزو وليد عاوز يغرقني بالعصير"
نظرت لهما بحنقٍ وهي تقول:
"أنا بقول تكبروا بقى علشان كدا عيب، إحنا مش ساكنين هنا لوحدنا، معانا جيران ومحدش في البيت كله بيطلعله صوت زيكم، وبعدين طارق جه قبلكم كنتم فين؟"
حمحم «وليد» قائلًا:
"معلش يا زوزو بقى كنا بناكل كبدة على العربية بس إيه حاجة عظمة السندوتش بـ ٢ جنيه أغلى حاجة عند الراجل"
حاول كتم ضحكته بعد جملته تلك،أما هي نظرت لهما بتقزز وهي تقول:
"حاجة عظمة وبـ ٢جنيه؟ جتكم القرف"
أوشكت على الخروج من البيت لكن «أحمد» أوقفها قائلًا:
"طب أنتِ رايحة فين دلوقتي؟"
أجابته دون أن تلتفت له:
"ياسين جوز أختك جاي بكرة، ومش موافق يتغدى معانا، هجيب أي حاجة نقدمهاله علشان لما يجي"
قالت جملتها ثم تركتهم وخرجت من البيت، بينما «وليد» إقترب من «أحمد» وهو يقول له:
"هي مالها يا أحمد حد زعلها؟"
هز «أحمد» كتفيه ثم قال:
"وأنا هعرف منين مانا كنت معاك"
أومأ له «وليد» ثم صغعه بقوة وركض على درجات السلم، بينما «أحمد» صرخ عاليًا وهو يقول:
"وربنا ما هسيبك يا وليد"
_________________
إنتهى اليوم بأكمله على الجميع ، وفي اليوم التالي كلما تذكرت «خديجة» حضوره للبيت خشيت أكثر وزاد توترها، لكنها كانت تصرف ذلك التوتر في ترتيب البيت ظنًا منها أنها بذلك تبعد التفكير عن رأسها.
في مقر عمل «ياسين» كان منغمسًا في إحدى الرسومات الهندسية أمامه، لكنه توقف حينما صدح صوت هاتفه عاليًا بمكالمة جماعية من أصدقائه، إبتسم ثم قام بالرد عليهم، فأول من تحدث كان «ياسر» حينما قال:
"جهز نفسك علشان هنتقابل سوا في القهوة بليل"
زفر «ياسين» ثم قال:
"مش هينفع النهاردة يا ياسر، ولو رجعت هرجع متأخر"
تدخل «خالد» قائلًا:
"ليه إن شاء الله وراك إيه"
حمحم «ياسين» ثم قال:
"ورايا مشوار مهم مع خطيبتي، مش هينفع آجله"
صدح صوت «عامر» عاليًا وهو يقول:
"اللهم صلي على النبي، ياسين بقى بيقول خارج مع خطيبتي، لأ دي معجزة"
ضحك «الجميع» عدا «ياسين» الذي قال بحنقٍ:
"أهو أنا مكنتش عاوز أقول علشان لسانك دا"
تبدلت نبرة «عامر» إلى نبرة تشبه صوت الفتيات وهو يقول:
"يعني لو قولتلك أنا ولا مراتك يا ياسين هتختار مين فينا؟"
بدون تفكير أجابه «ياسين» قائلًا:
"مراتي ومن غير تفكير طبعًا"
إرتفع صوت ضحكاتهم فتحدث «خالد» قائلًا:
"شكلك وحش أوي يا عامر، متتكلمش تاني بقى"
رد عليه «عامر» معقبًا:
"خليه يا خالد، سيب الحلو على هواه، وبكرة أنا هديله على ققاه"
ضحكوا جميعًا على جملة «عامر» فقال «ياسين» ينهي المكالمة:
"خلاص بقي روحوا شوفوا وراكم إيه، وأنا هحاول أخلص مشواري بدري وأجيلكم"
_____________
في بيت آلـ «رشيد» كان «وليد» جالسًا برفقة «عبلة» و «طارق» في شقتهم وبعد مشاكسته لهما وقف قائلًا:
"طيب أنا مضطر استأذن علشان ياسين جاي وعمي طه نش موجود وأحمد لوحده مش هيعرف يتصرف"
تحدثت «عبلة» بصوت مليء بالفرح:
"جماعة أنا فرحانة ليها أوي بجد، شوفتوا كان بيقول عنها إيه ، والله عمري ما كنت أتخيل إن خديجة حد يحبها كدا، ودا مش تقليل ليها، لأ علشان هي مش بتفتح قلبها لأي حد"
وافقها «طارق» قائلًا:
"أنا أحترمتوا فعلًا بعد كلامه دا أكتر بكتير، وحسيت للحظة كدا إنه يستحقها"
وبعد جملته تلك وقف «طارق» مقابلًا لـ «وليد» ثم قال:
"أنا عاوز أطلع معاك لطنط زينب يا وليد"
نظر كلًا من «عبلة» و «وليد» له بتعجب، بينما هو قال:
"اقعد بس يا وليد وأنا هحكيلك عملت إيه"
جلسا الأثنين معًا فقام «طارق» بـ قص ما حدث منه لزوجة عمه، وبعدما أنهى حديثه قال:
"بس أنا بقى ساعتها كنت لسه فاكر اللحظة دي وإفتكرت كلام مشيرة، بس أنا عاوز أصالحها، علشان هي ملهاش ذنب إني أعاملها كدا"
أومأ له «وليد» ثم قال:
"الحكاية فيها جزء كبير ناقص يا طارق، واحنا برضه مش فاهمين حاجة، والدنيا دي كلها مش هتتظبط غير بظهور حسان"
وافقه «طارق» و «عبلة» في الحديث ثم قال «طارق»:
"طب يلا يا وليد، علشان ألحق أتكلم معاها قبل ما ياسين يجي"
في الطابق التالي إرتدت «خديجة» ثيابها وكلما تذكرت ذلك المشوار شعرت بالتوتر أكثر، فهي الآن ستواجه جزء كبير من ذكرياتها المريرة، ولكنها هدأن نفسها بقولها:
"إهدي إهدي هما شوية وخلاص"
ولكن توترها كان أكبر نها لتستطع السيطرة عليه، إنتبهت لصوت جرس الباب وخرجت من غرفتها ظنًا منها أن «ياسين» هو الطارق ولكنها تفاجأت بأبناء عمومتها، دخلت غرفتها مرة أخرى، بينما في الخارج تفاجأت «زينب» بوجود «طارق» أمامها مع «وليد» لكنها رحبت بهما قائلة:
"منورين يا حبايبي تعالوا ادخلوا"
دخلا الشقة سويًا، جلس «طارق» بينما «وليد» ظل واقفًا، تحدثت «زينب» قائلة:
"تشرب إيه يا طارق أنتَ من زمان مدخلتش هنا"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
"متتعبيش نفسك أنا بس جيت أعتذر عن موقفي إمبارح أنا آسف بس كنت متضايق شوية حقك عليا"
شعرت بالفرحة من حديثه فقالت:
"شكرًا يا حبيبي وأنا مش زعلانة منك، وإنك تيجي تعتذرلي دي بالدنيا عندي"
وقبل أن يجيبها طُرق الباب بواسطة «أحمد» و معه «ياسين»
تم الترحيب به من قبل شباب العائلة، وبعد قليل خرجت «خديجة» وجلست بعيدًا عنه نسبيًا بعدما ألقت عليه التحية، نظرًا لعلامات التوتر وزيادة نبضات قلبها التي أوشك على الوقوف من التوتر، حينما رآها على حالتها تلك قرر المغادرة بها ذلك المكان، وبالفعل إستأذن من الجميع وأخذها ونزل من البيت، ركبت السيارة بجانبه وهي صامته وتفرك كفيها ببعضهما، وبعد فترة من القيادة أوقف السيارة أسفل البناية التي تقع بها عيادة الطبيبة النفسية، التفت ينظر لها وهو يقول:
لو مش عاوزة أنا ممكن أروحك دلوقتي، بس بلاش نظرة الخوف دي يا خديجة"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت:
"لأ أنا عاوزة أطلع ، عاوزة أعمل حاجات كتير خوفي مانعني منها"
كانت على وشك البكاء وهي تتحدث لكنه ربت على كفها يطمئنها ثم قال:
"وطبعًا مش محتاجة أقولك إن أنا معاكِ علطول"
أومأت له وهي تأخذ نفسًا عميقًا، نزل من السيارة ونزلت هي أيضًا، أمسكها من كفها الذي كان يرتجف بشدة نتيجة لتوترها، صعدا طابق العيادة سويًا، أخبرتهم موظفة الاستقبال أن هناك حالة بالداخل وهما بعدها، جلست «خديجة» تنظر للأرض وهي تشعر بآلام في معدتها، أما هو وكزها في كتفها ثم قال:
"بدل ما تبصي للأرض بصيلي أنا"
رفعت رأسها بعد جملته تلك فوجدته يغمز لها بطرف عينيه، شعرت بالخجل منه فأخفضت رأسها مرة أخرى ،لكنها رفعتها سريعًا حينما سمعته يقول:
"تعرفي يا خديجة إن الناس اللي بتغرق في البحر دول بيصعبوا عليا؟"
نظرت له مُتعجبة من حديثه فوجدته يقول:
"أصل فيه ناس هنا بتغرق في مكان أضيق"
تحولت نظرتها للإستفسار فوجدته يومأ لها وهو يقول:
"هما هناك بيغرقوا في البحر وأنا هنا بغرق في عينيكِ"
يتبع..
أجمل ما فيكِ لن يظهر على المرآة، لأن أجمل ما فيكِ لا يُرى بالعين.
(شمس التبريزي)
_______________
عيناكِ البريئة تأسرني، وحبكِ في قلبي يغمرني، ولكن سؤالي هنا كيف لقلبٌ يشبه الجماد في سكونه أن ينبض بعد رؤيتكِ؟
"هما هناك بيغرقوا في البحر وأنا هنا بغرق في عينيكِ"
بعد تلك الجملة التي خرجت منه وهي تنظر له بتعجب ممزوج بالدهشة، بينما هو غمز لها بطرف عينه ثم قال:
"طالما سكتي كدا يبقي أتثبتِ يا ست الكل"
وقبل أن تعقب على حديثه، ذكرت موظفة الاستقبال إسمها تطلب منها الدخول للطبيبة، أما هي شعرت بالخوف والتوتر وسارت رجفة عنيفة بجسدها، حينما رآى هو تلك الرجفة في يديها، أمسك كفها مُربتًا عليه ثم قال بنبرة هادئة:
"متخافيش أنا معاكِ"
كانت تلك أصدق جملة سمعتها في حياتها فهو حقًا معها ويدعمها، حتى نبرته تلك تبثها حنان العالم أجمع، كانا ينظرا لبعضهما البعض وفي تلك اللحظة قالت الأعين ما تعجز الألسنة عن قوله، ذكرت الموظفة إسمها للمرة الثانية، فقام هو وأوقفها بعده، وقبل أن يدخل بها للطبيبة أوقفته الموظفة قائلة:
"لو سمحت يا فندم، مش هينفع حضرتك تكون معَاها، لازم هي لوحدها"
بعد تلك الجملة تمسكت بذراعه أكثر وهي تنظر له بخوف، بينما هو ربت على ذراعها ثم قال بهدوء:
"متخافيش يا خديجة، أنا موجود والله"
ثم أضاف مستطردًا حديثه للموظفة:
"ممكن بس أدخل معاها للدكتورة وأخرج تاني، أنا فاهم القواعد كويس، بس لازم أنا أدخل معاها"
كانت نظرته مترجية لها فلم تستطع الرفض وقالت بهدوء:
"تمام يا فندم، بس ياريت حضرتك تكون عارف إن كله علشان مصلحتها هي"
أومأ لها ثم قال لـ «خديجة»:
"يلا يا خديجة"
أخذها ودخل غرفة الطبيبة، بينما هي كانت تسير بتروٍ وكأنها تسير على جسر من الأشواك، أول ما رأتهما الطبيبة وقفت قائلة:
"أنا كنت عاوزة خديجة النهاردة لوحدها يا أستاذ ياسين"
أومأ لها موافقًا ثم قال:
"أنا عارف والله بس أنا جيت معاها علشان أشجعها تدخل، وهخرج تاني"
من فرط خوفها وتوترها، أوشكت أعينها على ذرف الأدمع، بينما أجلسها «ياسين» على المقعد ثم قال:
"أنا دلوقتي هخرج يا خديجة بس متخافيش أنا علطول معاكِ، ومش هسيبك، بس لازم تكوني لوحدك هنا علشان تعرفي تتغلبي على خوفك دا"
أومأت له بهدوء ثم قالت بنبرة مهتزة:
"هخرج ألاقيك موجود صح؟"
أومأ لها مؤكدًا ثم قال:
"إن شاء الله، وأنا هنا علشانك أصلًا"
قال جملته ثم اقترب منها يطبع قبلة بسيطة على جبهتها، قال بعدها:
"أنا واثق فيكِ إنك قدها وقدود"
خرج وهو ينظر لها و لهيئتها التي تدل على خوفها وعلى صعوبة ما تشعر به، جلس ينتظرها في الخارج، بينما الطبيبة دخلت لها بعدما انسحبت من الغرفة لتترك لهما المساحة الكافية للحديث، جلست الطبيبة على المقعد الخاص بالمكتب، ثم قالت بوجهٍ بشوش:
"ها يا خديجة؟ أتمنى تكوني مستعدة"
كانت «خديجة» تتنفس الصعداء، وهي تفرك كفيها ببعضهما، نظرت لها الطبيبة نظرة مُتفحصة، وحينما لاحظت أعراضها تلك، قامت لكي تجلس على المقعد المقابل لها، جلست الطبيبة ثم أمسكت كفها وهي تقول:
"أنا مش عاوزاكِ تخافي مني، ومش عاوزاكِ تعتبريني دكتورة وأنتِ حالة عندي، أنا عاوزاكِ تعتبريني كأنك أنتِ بالظبط، يعني تتكلمي براحتك كأنك بتتكلمي مع نفسك، واللي هيحصل هنا كله محدش في الدنيا دي كلها هيعرف حاجة عنه، اتفقنا؟"
أومأت لها بقوة وهي تأخذ نفسًا عميقًا، ابتسمت الطبيبة ثم قالت:
"على بركة الله يبقى نبدأ"
أخذتها الطبيبة على مقعد أخر أكثر راحةً، حتى تستطع الإسترخاء عليه، وجلست بجانبها ثم قالت:
"أنا جبتك هنا علشان الوضع يكون أهدا لكِ، دلوقتي بقى إفردي جسمك وخدي نفسك جامد"
فعلت «خديجة» كما طلبت منها الطبيبة وجلست على المقعد بوضع أكثر إسترخاءً من ذي قبل، تحدثت الطبيبة بعملية قائلة:
"يلا يا خديجة عرفيني عن نفسك"
أخذت «خديجة» نفسًا عميقًا خرج منها مهزوزًا لدرجة كبيرة ثم قالت بنبرة مهتزة:
"خديجة طه فايز أحمد الرشيد،
عمري ٢٤ سنة،
عندي رُهاب إجتماعي"
______________
تلك الأحلام الضائعة هل يمكننا إيجادها من جديد، هل يمكننا التمسك بما نريد حتى يتحقق ويصبح لنا بالفعل، هكذا كانت تفكر هي في غرفتها وهي تحاول إيجاد طريقة تُقنع بها والدها بما تُريد، خرجت من غرفتها الكبيرة ثم ذهبت لـغرفة جدتها، وجدتها مُمسكة بالمصحف في يديها تقرأ منه، جلست أمامها وهي تبتسم بهدوء كعادتها، بينما العجوز أغلقت المصحف وهي تُصدق ثم قالت:
"خير يا ست جميلة، هتنكدي علينا إزاي النهاردة، وتخرجيه عن شعوره؟"
تبدلت نظرتها إلى الحزن ثم قالت:
"هو اللي مش راضي يديني فرصة أقوله اللي أنا عاوزاه، فيها إيه يعني لو يسمعني؟"
أردفت جدتها بقلة حيلة:
"يا بنتي اللي أنتِ عاوزاه دا صعب، أنتِ عاوزاه يسيب حياته هنا في الصعيد ويرجع القاهرة تاني ؟"
أومأت بقوة ثم قالت:
"أيوا علشان أنا مش قادرة أعيش هنا أكتر من كدا، المكان هنا مش شبهي، وعلى يدك أهوه اتخرجت من الجامعة السنة دي ومفيش فايدة، تخيلي مُدرسة عربي هنا ومش لاقية شغل؟"
نظرت جدتها لها بسخرية ثم قالت:
"ومين قالك بقى لما تروحي القاهرة هتلاقي شغل؟"
قالت بنبرة يملؤها الحماس:
"أكيد هناك في مدارس خاصة كتير، وتقديري هيخليهم يقبلوني"
نظرت لها جدتها وهي مُحتارة ثم قالت:
"يعني أنتِ عاوزة إيه دلوقتي برضه يا جميلة؟"
نظرت لها بفرح ثم قالت:
"أنا هقولك بس إسمعيني كويس يا نوال"
بعد حديثها مع جدتها، خرجت من الغرفة ثم توجهت إلى المطبخ وقامت بإعداد كوبين من الشاي بالنعناع وبعد أن أمسكت الحامل في يدها قالت بقيلة حيلة موجهة حديثها للشاي:
"أنا عارفة إنك زهقت مني بس أعمل إيه مفيش قُدامي غيرك يروقه"
أخذت نفسًا عميقًا وكأنها تُعد نفسها لحربٍ ما، بعد ثوانٍ وصلت أمام غرفته وهي تطرق الباب بخفة، أذن لها والدها من الداخل لتدخل، رسمت بسمة هادئة على وجهها ثم قالت بمرح:
"حسان روح قلب جميلة بيعمل إيه؟"
كان «حسان» جالسًا على مقعد مكتبه يتفحص الأوراق المالية أمامه، فنظر لها من فوق نظاراته الطبية قائلًا بنبرة جامدة:
"حسان مش عاوز لف و دوران وعاوز كلام علطول يا جميلة"
وضعت الشاي على المكتب ثم قالت:
"طيب أنتَ اللي طلبت، أنا عاوزة أروح أعيش في القاهرة"
مسح وجهه بكلتا يديه بقوة ثم قال:
"ولو أنا زي كل مرة قولت نقفل كلام في الموضوع دا هتعملي إيه؟"
إقتربت منه ثم قالت:
"صدقني أنا مش عارفة أعيش هنا، المكان هنا مش شبهي ومش زيي، ليه أضيع عمري في مكان زي دا مش لاقية فرصتي فيه"
نظر لها بحزن وكأن سنوات الماضي تمر أمام عينيه ثم قال:
"صدقيني أنتِ لو روحتي هناك هتندمي، هتدعي عليا، أنا هنا مأمنك"
عندما وجدته يسترسل في الحديث قالت:
"ليه بس، وعلشان إيه أدعي عليك، أنتَ كل حاجة ليا وبعد موت أمي أنتَ بقيت كل حاجة ليا بقيت الأب والأم والأخ والصاحب، علشان خاطري وافق وسبلي فرصة"
حديثها جعله يشعر بالإختناق فقال بصوتٍ مليءٌ بالرفض:
" جميلة، اخرجي دلوقتي واقفلي الموضوع دا خالص، ومتفتحيهوش تاني"
خرجت وهي تبكي من الغرفة، فوجدت جدتها واقفة خارج الغرفة، نظرت لها بحزن ثم ركضت إلى غرفتها، زفرت جدتها بضيق وهي تهز رأسها بيأسٍ ثم دخلت الغرفة له وجدته ينظر من الشرفة، وقفت بجانبه وهي تقول:
"لو أنتَ فاكر نفسك نسيت تبقى غلطان يا حسان، لو فاكر إن بنتك هتسكت أكتر من كدا يبقى بتزيد في غلطك"
التفت ينظر لها ثم قال:
"عاوزاني أعمل إيه يعني يا عمتي؟ عاوزاني أخدها هناك علشان تتعذب زيي، ولا عاوزاني أخدها لأمها اللي ندمت إنها هتخلفها مني، رُدي عليا"
ربتت على كتفه ثم قالت بهدوء:
"تحسبها بالعقل يا حسان، أنتَ فهمتها إن أمها ماتت وهي صغيرة، وفهمت أمها إنها هي ميتة، بس صدقني مفيش حاجة بتتخبى العمر كله وهيجي يوم وكله يتكشف"
نظر لها مُستفسرًا وهو يقول:
"يعني إيه يا عمتي؟ مش فاهمك"
قالت بنبرة بها مغذى:
"يعني طالما اليوم دا هيجي يبقى خلاص خليك مستعد ليه ويجي دلوقتي أحسن، حرام عليك بنتك اللي عيونها دبلت من كتر العياط دي"
زفر بقوة ثم نظر لها وهو يشعر بالحيرة بينما هي إبتسمت تشجعه ثم قالت:
"فكر وإحسبها كويس يا حسان"
_____________
في عيادة الطبيبة النفسية، في خارج الغرفة كان «ياسين» يقرأ القرآن من هاتفه، بينما في الداخل بعدما عرّفت «خديجة» عن نفسها وعن سنها، قالت الطبيبة بهدوء:
"المفروض يا خديجة يكون لينا جلسات أولية بحيث أني أتعرف على حالتك أكتر وبعدها تبدأ جلسات العلاج، لكن إحنا مش في حاجة الجلسات الأولية دي، ودا لأني على علم بحالتك، دلوقتي بقى يا خديجة قوليلي بتحسي بإيه من ناحية الرُهاب الإجتماعي؟"
أخذت «خديجة» نفسًا عميقًا ثم قالت:
"أنا طول عمري بحس إني خايفة، بخاف من كل حاجة، من الكلام ومن الناس ومن الزحمة"
كانت الطبيبة تدون ما تقوله «خديجة»، فسألتها مُستفسرة:
"قوليلي يا خديجة لو أنا دلوقتي قولتلك إنك لازم تنزلي شغل هتحسي بإيه؟"
نظرت لها «خديجة» بخوف ثم قالت:
"هحس بالخوف، فكرة إني أكون وسط الناس بتخوفني"
كان حديثها يخرج منها مهزوزًا وبصعوبة، لكنها كانت تجاهد حتى تستطع الإسترسال في الحديث، سألتها الطبيبة مرة أخرى:
"ممكن تقوليلي يا خديجة أكتر بتحسي بإيه أو بتتعاملي إزاي في التجمعات؟"
أوشكت على البكاء وهي تتذكر مشاعرها في تلك المواقف:
"بحس إني...متراقبة، علطول بحس إني هغلط في الكلام وحد هيحاسبني، بحس إني شخص مش مرحب بيه وسطهم"
أومأت الطبيبة ثم قالت:
"قوليلي يا خديجة عندك صحاب؟"
عند هذا السؤال لم تستطع التحكم في دموعها أكثر من ذلك وقالت:
"لأ...عمري ما كان عندي صحاب"
وبنبرة هادئة سألتها الطبيبة:
"ليه يا خديجة مش عندك صحاب؟"
مسحت دموعها ثم قالت:
"من أول ما دخلت المدرسة وأنا بخاف من كل حاجة، ومن ضمن خوفي إني مبعرفش أتعامل مع حد هما كانوا بيتريقوا عليا كلهم، ومعرفتش أصاحب حد، حتى في العيلة كانوا بنات أعمامي يتجمعوا مع بعض من غيري وعلطول كنت لوحدي، لحد ما اتعودت إني أفضل لوحدي"
سألتها الطبيبة بنبرة مترددة:
"قوليلي يا خديجة، إيه أكتر حاجة بتخوفك في الحياة"
نظرت لها «خديجة» بحزن ثم قالت بنبرة جاهدت حتى تخرج منها:
"بابا هو أكتر حاجة بتخوفني".
____________
في بيت آلـ «الرشيد» كانت «مُشيرة» جالسة مع «هدير» فقالت لها:
"هي البت خديجة بتروح فين مع ياسين دا، هي مش مبتحبش الخروج ولا النزول؟إيه فجأة كدا بقت بتنزل وتخرج؟"
رفعت «هدير» رأسها من على هاتفها ثم قالت:
"عادي يا عمتو هي بتخرج مع جوزها مش حد غريب"
نظرت لها «مُشيرة» بخبث وهي تقول:
"لأ إزاي ودي تيجي برضه، لسه مبقاش جوزها،يدوبك كاتب كتابه بس،يعني ممكن في أي لحظة يسيبها وطه أخويا ميعجبوش الحال المايل"
نظرت لها «هدير» وهي تقول بنفس النبرة الخبيثة:
"قصدك إيه يا مُشيرة؟"
إبتسمت «مُشيرة» بإتساع ثم قالت:
"هقولك أنا قصدي إيه، قصدي إن طه يبدأ يقلل خروج بنته مع جوزها دا لحد ما تبقى مراته وفي بيته، بس مش دلوقتي خليهم يفرحوا شوية ببعض"
في الطابق الخامس تحديدًا الطابق الخاص بشقة «محمد»
طُرق باب الشقة، خرج «طارق» من غرفته وقام بفتح الباب وجد «وليد» و «خلود» و «سلمى» أمامه ويحملون أشياء في أيديهم، نظر لهم مُتعجبًا ثم قال:
"خير يا شباب الخير، نعم؟"
إبتسم «وليد» بإتساع ثم قال:
"يا عم دخلنا إحنا جايين وشايلين حتى"
أفسح لهم «طارق» المجال ليدخلوا الشقة، قام «وليد» بوضع الأشياء على طاولة السُفرة، هو والفتيات تحت نظرات التعجب من «طارق»، خرجت زوجة عمه، و «عبلة» بعدما إرتدت حجابها من الداخل، فقالت الأولى:
"بتعمل إيه يا وليد؟ وإيه اللي معاكم دا؟"
إقترب منها ثم أمسك كفها وهو يقول:
"حماتي العزيزة، انزلي شقتنا هتلاقي نصيبك تحت مع أمي و طنط زينب"
نظرت له مُتعجبة ثم قالت:
"نصيب إيه يا بني أنا مش فاهمة حاجة؟"
فتح باب الشقة وهو يقول:
"إنزلي بس يا سُهير يلا متتعبيش قلبي معاكِ، هتبقي أنتِ وعيالك عليا؟"
ضحكت بتعجب، وقبل أن تعقب على حديثه وجدته يغلق باب شقتها في وجهها، ضربت كفًا بالأخر وهي تضحك بإتساع ثم نزلت شقة «مروة»، في شقة «طارق» وقف ينظر للجميع بحنقٍ ثم قال:
"ممكن أفهم شغل العبط دا ليه؟"
أخذ «وليد» نفسًا عميقًا ثم قال مُردفًا:
"مش أنتَ قبضتنا النهاردة؟ أنا وأحمد بقى هنحتفل بالقبض أنا عليا البيتزا وهو عليه التسالي"
نظر له «طارق» بشك وهو يقول:
"و ليه بيتزا تحديدًا يعني؟ ليه مش حاجة تانية؟"
إبتسم «وليد» وقال موجهًا حديثه لـ «عبلة»:
"أصل قلبي بيحب البيتزا"
إتسعت إبتسامة «عبلة» بخجل، بينما «طارق» تحولت عيناه للون الاحمر ثم قال بصوتٍ جهوري:
"ولــيـد إتلم بدل ما ألمك قصاد العيال الصغيرة"
حمحم «وليد» بإحراج ثم قال:
"أنا أسف يا طارق يلا بس قبل ما الأكل يبرد، جهزوا الحاجة لحد ما أحمد يرجع و.."
وقبل أن ينهي جملته طُرق الباب بواسطة «أحمد»،إبتسم «وليد» بإتساع ثم قال:
"أحمد وصل أهوه، يلا بقى"
قال جملته ثم ركض ليفتح الباب تحت ضحكات الفتيات، بينما «طارق» ضرب كفًا بالأخر ثم قال:
"إيه اللي أنا عملته في نفسي وفي أختي دا؟"
وبعد قليل جلسوا جميعًا على طاولة «السفرة» التي كان يترأسها «طارق»، وقبل الشروع في الطعام إبتسم ثم قال:
"لسه زي ما أنتم لما ربنا يكرمكم تفرحوا كل اللي حواليكم"
بادله «وليد» نفس البسمة ثم قال:
"بصراحة هي فكرة أحمد، علشان دا أول قبض له، بس أنا قولت أساعد معاه"
تحدث «أحمد» بفرح وهو يقول:
"بصراحة أنا متوقعتش إن القبض يكون مُرضي كدا، وعلشان كدا قولت أفرحكم كلكم معايا"
إبتسمت الفتيات له، وكلًا منهن تشكره، بينما «طارق» قال بفخر:
"دا علشان بس أنتَ قررت إنك تتعامل مع الناس، وقولتلي إنك هتروح المطبعة، وكمان الناس شكروا في أسلوبك و إحترامك ليهم، فكان طبيعي تاخد حقك، وبعدين أنا مش عاوز أجيب موظفين تانين علشان زي ما حسن قالك قبل كدا، كل واحد فينا مبدع في اللي بيعمله، وبدل ما أقسم المرتب على أتنين ولا تلاته، ياخده واحد أحسن بيقوم بشغلهم مع بعض"
إبتسم له «أحمد» ثم قال:
"شكرًا يا طارق على ثقتك فيا، وشكرًا علشان الفرصة دي حقيقي هتعلمني حاجات كتير"
بادلته «عبلة» الإبتسامة ثم قالت:
"وأشكر وليد كمان علشان هو أقنع طارق بشغلك معاهم"
نظر لها الجميع بتعجب، بينما «وليد» إتسعت بسمته، نظر لهما «طارق» ثم قال بسخرية:
"والله دلوقتي أشكر وليد، فين أيام ما كنتِ مش طايقاه،ياه يا أخي على البشر دول"
ضحك الجميع فقالت «خلود» بخبثٍ:
"خلاص بقى أبيه طارق، متكسفهاش أكتر من كدا"
نظر لها «طارق» بوجهٍ محتقن وهو يقول:
"أبيه؟! أنا مبحبش الكلمة دي يا خلود، بتخنقني بحس كأني ماسك عصاية"
إبتسمت له ثم قالت:
"خلاص يا طاروق متزعلش، حلو كدا؟"
إبتسم ثم قال:
"أي حاجة منك حلوة يا ستي، يلا بقى ناكل أنتم هتزلونا"
وقبل أن يبدأ في الطعام، صرخ «وليد» قائلًا:
"لأ أستنوا أصور الأول"
ضحكوا جميعًا عليه بينما هو أخرج هاتفه وشرع في التصوير، وأخذ بعض الصور له برفقة الجميع، وعندما حاول التقاط صورة مع «عبلة» دخل «طارق» في الصورة ليفسدها له، بعدها انتشرت ضحكاتهم، فنظر لهم «طارق» بإستمتاع ثم قال:
"ربنا يخلينا لبعض يا رب، ونفضل سوا كلنا"
آمن الجميع وراء الدعاء بينما رفع «أحمد» و «وليد» ذراعيهما و قالوا في نفس الوقت:
"وأبعد عننا مُشيرة و هدير يارب"
بعد طريقتهم وجملتهم تلك إنتشرت الضحكات، وعلت الأصوات المليئة بالبهجة.
____________
في العيادة نظر «ياسين» في ساعته بمللٍ ثم عاد لما كان يفعله من قبل، في الداخل قالت الطبيبة بهدوء:
"بتخافي منه إزاي يا خديجة؟"
أخذت نفسًا عميقًا تهديء به نفسها قليلًا ثم قالت:
"علطول يعاقبني، علطول يحسسني إني فاشلة في كل حاجة، لحد ما خلاني متأكدة من دا، بقيت بخاف أروح الجامعة، وبخاف أنزل شغل برغم إن فرصي كويسة جدًا، بس إحساس الخوف دايمًا ملازمني"
أومأت الطبيبة بتفهم ثم قالت:
"بصي يا خديجة أنا دلوقتي هكلمك عن الرُهاب الإجتماعي، وعن كل حاجة فيه، ودا علشان أعرفك إنه عدو حقيقي للنجاح"
أومأت لها «خديجة» وهي تشعر بحماس في معرفة كل تفاصيل ذلك المرض الذي سُجنت بداخله، طيلة عمرها، بدأت الطبيبة حديثها قائلة:
"الرُهاب الإجتماعي دا يا خديجة زي سجن بالظبط، والمريض فيه بيتحرك زي المحكوم عليه، المشكلة بتبدأ تكبر لما يتم إهمالها، بتظهر المشكلة دي بقى في بداية سن المراهقة"
نظرت لها «خديجة» بإنتباه أكثر وهي تسمعها، فعند ذِكر المراهقة بدأت مشكلتها تتفاخم أكثر من ذي قبل، أضافت الطبيبة قائلة:
"اضطرابات الرُهاب بتأثر على الفرد ونشاطه الإجتماعي، دا غير الفرص اللي بتضيع عليه سواء عمليًا، أو دراسيًا، أو حتى عاطفيًا، لأنه ممكن يخاف من وجود شريك معاه في حياته ، رغم إن الشريك دا بيكون مناسب جدًا ليه"
تذكرت «خديجة» بداية قصتها مع «ياسين» حينما كانت تريد رفضه، ولكن ما شجعها على قربها منه هو «وليد»، عادت من شرودها على صوت الطبيبة وهو تقول:
"المريض بالرُهاب الإجتماعي، دايمًا بيحس إنه متراقب وإن الناس مستنياه يغلط علشان تحكم عليه، ودا بيسبب له إرتباك في التعامل والنطق مع الأخرين"
أومأت لها «خديجة» بقوة، وكأنها تؤكد حديث الطبيبة، فهي تصف ما تشعر به تفصيلًا، أضافت الطبيبة قائلة:
"من أكثر الأسباب اللي بتخلي الإنسان يشعر بالإكتئاب هو الرُهاب الإجتماعي، ودا لإنه دايمًا بيخليه يحس بالفشل وإنه مش زي الناس في نجاحهم، رغم إنه ممكن يكون أفضل منهم في جوانب معينة، لكن الفرصة راحت لغيره، فيدخل في دوامة كبيرة وهي إنه فاشل وغير جدير بالفرص دي"
كل حديث الطبيبة كان يصف حالتها وكل ما تشعر به، صمتت الطبيبة وهي ترى تعبيرات وجهها ثم قالت بهدوء:
"الفكرة هنا إن مريض الرُهاب الإجتماعي مش بإيده لأن المرض دا نتيجة البرمجة السلبية اللي نشأ عليها، زي ما قولتلك قبل كدا"
أومأت لها «خديجة» ثم قالت بهدوء:
"يعني المشكلة مش مني من الأساس؟"
نظرت لها الطبيبة بعمق ثم قالت:
"إزاي يا خديجة المشكلة فيكِ أنتِ؟"
أخذت «خديجة» نفسًا عميقًا ثم قالت:
"يعني أنا علطول فاكرة إن المشكلة مني، وإن أنا اللي متحبش عشان أنا شخص فاشل"
حركت الطبيبة رأسها نفيًا بقوة ثم قالت:
"إطلاقًا يا خديجة، كل الحكاية إن البيئة حواليكِ مساعدتكيش على إنك تطوري من مهاراتك الاجتماعية، دا غير طريقة والدك معاكِ واللي هي السبب الرئيسي في اللي أنتِ فيه"
أومأت لها «خديجة» بينما الطبيبة ذهبت إلى مكتبها وأحضرت منه ورقتين واحدة باللون الأبيض والأخرى باللون الأسود، جلست مرة أخرى أمام «خديجة» وهي مبتسمة بقوة ثم قالت:
"على فكرة أنا فخورة بيكِ أوي، أنتِ معترفة بمشكلتك وبتسعي علشان تحليها، دلوقتي بقى هبدأ معاكِ العلاج النظري، قبل العملي"
نظرت لها «خديجة» مُستفسرة ثم قالت:
يعني إيه علاج نظري وعلاج عملي، هو أنا مش هاخد علاج؟"
كان سؤالها طفولي إلى درجة كبيرة، فإبتسمت الطبية على طريقتها ثم قالت:
"لأ مش هتاخدي علاج، لأن علاج الرُهاب الإجتماعي علاج معرفي، يعني مكتسب زي الصفات كدا،المهم أمسكي الورق دا"
أخذت «خديجة» الورق منها بتعجب، بينما الطبية قالت:
"الورقة السودا دي خديجة السلبية اللي طلعت نتيجة الظروف اللي حواليها، والورقة البيضا دي خديجة الإيجابية اللي برضه محبوسة نتيجة الظروف اللي حواليها"
تحولت نظرة «خديجة» إلى الإستفسار ، فأومأت لها الطبيبة قائلة:
"دلوقتي الورقة السودا دي هتكتبي فيها سلبياتك، وإزاي بتحسي نفسك وبتشوفيها إزاي..،والورقة البيضا دي هتكتبي فيها إيجابياتك وإزاي عاوزة تشوفي نفسك، فهمتي يا خديجة؟"
أومأت لها بهدوء، فأضافت الطبيبة قائلة:
"عاوزة منك في كل ورقة خمس إجابات، بس بشروط"
سألتها مستفسرة:
"شروط إيه يا دكتورة؟"
أجابتها الطبيبة قائلة:
"لازم الإجابات تكون واضحة، متكونش فيها غموض، ولازم كمان تكون بتعبر عن الحاضر مش عن اللي فات ولا عن اللي لسه هيجي،تمام يا خديجة؟"
أومأت لها وهي تأخذ نفسًا عميقًا، بينما الطبيبة ذهبت لمكتبها وهي تطلب من الموظفة إدخال «ياسين»، في الخارج أخبرته الموظفة بطلب الطبيبة، وقف بسرعة كبيرة، وهو يزفر بقوة، ثم
دخل الغرفة، وعيناه تبحث عنها، إبتسمت الطبيبة ثم قالت، هتيجي دلوقتي، جلس «ياسين» على المقعد وبعد ثوانٍ اقتربت منه «خديجة» وهي تنظر للأرض، نظر للطبيبة مُستفسرًا، لكنها أومأت له لكي تطمئنه، ثم قالت:
"تعالي يا خديجة أقعدي"
جلست «خديجة» أمامه ولم تستطع أن ترفع أعينها وتنظر له، بينما تحدثت الطبيبة قائلة:
"دلوقتي أنا طلبت منها واجب يا أستاذ ياسين وبما إن حضرتك الداعم الأول ليها، لازم حضرتك تكون على علم بالخطوة دي"
أومأ لها ثم قال:
"أنا تحت أمرك في أي حاجة، بس هو الواجب دا عبارة عن إيه بالظبط؟"
إبتسمت الطبية ثم قالت:
"طلبت منها خمس رسايل إيجابية و زيهم خمسة سلبية، بس الرسايل دي لازم تكون واضحة و محددة، ولازم كمان تكون إيجابية، ولازم تدل على الوقت الحاضر، ولازم يكون إحساسها قوي علشان العقل الباطن يقدر يستوعبها، يعني يعني تكون نابعة من إرادة قوية، ولازم تكررها لنفسها كذا مرة، علشان تقدر تشجع نفسها ليها"
أومأ لها «ياسين» ثم أمسك كف «خديجة» لكي يُطمئنها، وقال بهدوء:
"وأنا مستعد لدا وهي كمان مستعدة مش كدا يا خديجة؟"
رفعت رأسها تنظر له ثم أومأت له بهدوء، بينما هو إبتسم مُشجعًا لها، فأردفت الطبية قائلة:
"كدا النهاردة تمام أوي كدا، أشوفكم يوم الجمعة الجاية"
أومأ لها «ياسين» ثم أخذ «خديجة» وخرجا من الغرفة، ركبا السيارة سويًا، كانت شاردة أمامها كعادتها، بينما هو كان ينظر لها مُتفحصًا تارة وللطريق تارةً أخرى، أوقف السيارة في مكانهما المعتاد، أمام كورنيش النيل، نظرت له ثم قالت بنبرة مهزوزة:
"ممكن أروح يا ياسين؟"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
"لأ مش ممكن يا خديجة، أنا مش هسيبك تمشي كدا"
أرجعت رأسها للخلف ثم قالت:
"بس أنا مش فيا حاجة أنا كويسة والله"
رد عليها بسرعة:
"لأ مش كويسة، وأنا مش هسيبك قبل ما أعرف أنتِ مالك، فيكِ إيه"
ألقى حديثه في وجهها ثم خرج من السيارة، فتح الباب لها، أما هي أخذت نفسًا عميقًا ثم خرجت من السيارة، نزلا سويًا الدرجات الصغيرة، المؤدية أمام نهر النيل مباشرةً، جلسا سويًا على المقاعد الرُخامية، كانت عيناها مليئة بالحزن، استطاع هو رؤيتها فأخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
"ممكن أعرف مالك يا خديجة، ومتخبيش عليا"
أومأت له ثم قالت بهدوء:
"كل الحكاية إني حسيت بالذنب النهاردة أوي علشانك"
نظر لها مُستفسرًا ثم قال:
"ليه يا خديجة، وإيه اللي خلاكي تحسي بكدا؟"
زفرت بعمق ثم قالت:
"ليه تقضي أيام المفروض إنها أجمل أيام حياتك مع واحدة زيي، ليه بدل ما تخرج وتفرح تقعد تستنى في عيادة وياريتها عيادة عادية ، لأ دي عيادة دكتورة نفسية، واحد زيك بشكلك دا وتعليمك وأخلاقك، يبقى مصيره مع واحدة زيي، حتى أبسط الحاجات اللي الإنسان بيعملها بفشل فيها، حتى شكلي بكرهه"
كان على علم مسبق أن تلك الجلسة ستتسبب في صراعات كتيرة لها، حيث أخبرته الطبيبة بذلك حينما كانت تخبره بالموعد، لذلك أردف بهدوء:
"أنا فعلًا بقضي أجمل أيام حياتي في وجودي معاكِ، ومش عاوز حاجة تانية، وأنا أصلًا زهقت من الخروج و الفُسح، وواحد زيي بتعليمي وأخلاقي يستاهل واحدة زيك بكل الحلو اللي فيها، وشكلك اللي مش عاجبك دا غيرك بيتمنى بس يصحى عليه كل يوم، وعيونك دي اللي بالنسبة ليا زي البحر بغرق فيه، ليه تفكري نفسك بكل حاجة تزعلك"
نظرت له بعد حديثه ثم سحبت نفسًا عميقًا وتحدثت بنبرة جاهدت حتى تخرج منها ثابتة:
"يا بختك يا ياسين لو أنتَ شايف الدنيا زي ما أنتَ فاكرها كدا"
نظر أمامه للسماء ثم أخذ نفسًا عميقًا وقال بعده:
"عارفة يا خديجة ملامحك الهادية دي بتفكرني بأيه؟"
حركت رأسها نفيًا ،بينما قال هو:
"ببراءة الأطفال، وكأن روحك البريئة مرسومة على ملامح وشك، بحس لما ببصلك أني ببص للبدر في تمامه، حاجة كدا زي ضي القمر اللي طلع يأنس نجمة شاردة في ليلها"
نظرت له بقوة ولم تستطع التحكم في أدمعها أكثر ثم قالت بنبرة مهتزة:
"يعني...أنا شكلي حلو مش وحش؟"
أومأ موافقًا لها ثم قال:
"ومشوفتش أحلى منه، ولا عيني حفظت ملامح زي ما حفظت ملامحك يا خديجة"
نظر حوله ثم قال:
"يلا أروحك علشان النهاردة كان يوم صعب عليكِ"
أومأت له موافقة ثم قالت ببسمة هادئة:
"يلا يا ياسين"
_________________
في بيت آلـ «الرشيد» كان «طه» جالسًا برفقة أبنائه وزوجته، نظر في ساعة يده ثم قال:
"هي خديجة لسه مرجعتش؟"
أجابته زوجته قائلة:
"لأ لسه يا طه والوقت مش متأخر يعني لسه يدوبك العشا هتأذن"
أومأ لها ثم قال:
وأنتَ يا أحمد عامل إيه في شغلك مع ولاد عمك؟"
قال «أحمد» في هدوء:
"الحمد لله يا بابا، وطارق فرحان مني أوي وكمان قبضني مرتب حلو"
شعر «طه» بالفخر من إبنه ثم قال لصغيرته:
"وأنتِ يا خلود،بتعملي إيه في حياتك غير التنطيط مع سلمى"
تحدثت معه بمرحها المعتاد:
"بتعب أوي يا طه بجد، يعني بصحى من النوم أفطر أنزل لسلمى، نروح نتمشى شوية ونقعد قدام مسلسلاتنا، حقيقي حياة صعبة أوي بجد"
ضحك أخيها ووالدتها عليها بينما والدها نظر لها بسخرية ثم قال:
"شوف إزاي يعيني، بتتعب فعلًا، ربنا يكتب عليا التعب دا"
في الأسفل وقفت سيارة «ياسين»، كانت هي تبتسم وهي تتذكر حديثه لها عن ملامحها وبراءتها وجمال قلبها، نظر لها مُبتسمًا ثم قال:
"أنا فرحان علشان شوفتك فرحانة كدا، دلوقتي أقدر أطلعك بنفس راضية"
أومأت له ثم قالت:
"أنا كنت واثقة إنك مش هتسبني كدا، علشان علطول حزني بيختفي في وجودك"
خرج الحديث منها بطريقة عفوية من قلبها، بينما هو قال ببهجة:
"الله أكبر إحنا كنا فين وبقينا فين"
بينما هي شعرت بالخجل مما تفوهت به، فأردف قائلًا:
"طب يلا قبل ما تكبر في دماغي وأخدك نلف بالعربية وأنا عندي استعداد لكدا عادي"
إبتسمت ثم قالت:
"لأ وعلى إيه يلا ننزل، الطيب أحسن"
وقبل نزولها من السيارة قالت له:
"ياسين أنا بصراحة عاوزة أقولك حاجة مهمة أوي"
نظر حوله ثم قال يمازحها:
"أنا كنت متأكد إنك مش هتعرفي تخبي مشاعرك أكتر من كدا قولي يا خديجة"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت:
"أنا بس كنت عاوزة أقولك شكرًا"
نظر لها بوجه محتقن ثم قال بسخرية:
"شــكـرًا!! إطلعي يا شاطرة إعملي الواجب يلا"
ضحكت على جملته وطريقته ثم نزلت من السيارة، نزل هو معها ثم أمسك كفها، ركبا المِصعد سويًا، وبعد ثوانٍ وصلا أمام الشقة، طرق «ياسين» الباب وهو ينظر لها مُبتسمًا، وهي أيضًا، لكنه تفاجأ حينما وصله صوت «طه» قائلًا:
"أهلًا يا ياسين منور".
تحولت نظرتها في ثوانٍ إلى الخوف، بينما هو وقف ثبات ومازال كفه يعانق كفها ثم قال:
"دا نورك يا عمي، شكرًا"
نظر «طه» لكفيهما بضيق، ثم قال:
"اتفضلوا يا حبايبي ادخلوا"
قال جملته ثم دخل الشقة، أما هي مالت عليه ثم قالت بصوتٍ منخفض:
"ينفع تدخل معايا علشان خايفة"
نظر لها مُتعجبًا، ألهذه الدرجة تخشاه؟ لكنه أومأ لها ثم قال:
"حاضر علشان خاطرك هدخل"
دخل «ياسين» معها الشقة، وجلس على المقعد المقابل لمقعد والدها، بينما هي جلست على المقعد المجاور لمقعد «ياسين» رحب الجميع به، وأجلبت له والدتها العصير والحلويات، تحدثوا في شتى المواضيع، وكان «طه» يراقب إنفعالتها عن كثب، فكان «ياسين» يمازح الجميع وهي تبتسم له، بعد مدة قليلة، خرج «ياسين» من بيت آلـ «رشيد»، وركب سيارته، بينما «خديجة» همت بالدخول إلى غرفتها لكن والدها أوقفها قائلًا:
"خديجة"
شعرت بالخوف مما هو آتٍ، لكنها نظرت له ثم قالت بصوتٍ مهزوز:
"نـ...نعم يا بابا"
سألها بنبرة حنونة بعض الشيء:
"حصل حاجة زعلتك النهاردة؟"
جحظت عيناها للخارج من سؤاله، ولم تستطع أن تجيبه، بينما هو قال:
"أقصد يعني اتبسطي النهاردة؟"
أومأت له في هدوء ثم قالت بنبرة مهتزة:
"آه..شك...شكرًا"
ولم تستطع الوقوف أمامه أكثر من ذلك، بينما هو نظر في أثرها بحزن ثم أخرج زفيرًا قويًا، ربتت زوجته على يده ثم قالت:
"متقلقش واحدة واحدة، مش من أول مرة يعني"
بنفس النظرة الحزينة نظر لزوجته ثم قال:
"يا رب يا زينب، أنا مش هقدر على بعدها عني وهي كرهاني"
أومأت له زوجته تطمئنه ثم قالت:
"سيبها على الله، وطالما أنتَ ناويت من قلبك يبقى متخافش"
في داخل غرفة «خديجة» كانت جالسة وهي تشعر بالتعجب من والدها، فتلك هي أول مرة في حياتها تجده يحدثها بتلك الطريقة الحنونة، فدائمًا علاقتها معه مرتبطة بالخوف منه ومن حديثه له، ولكن ما أخرجها من حالة الذهول تلك هو أخيها حينما طرق الباب وهو يقول ممازحًا من الخارج:
"يا أهل الله ياللي جوه؟ حد خالع راسه؟"
إبتسمت ثم قالت:
"وحتى لو خالعة راسي، أدخل يا أهبل"
دخل الغرفة وهو ممسكًا شيئًا ما في يده، ثم قال:
"أنا فرحان إني لحقتك قبل ما تنامي، المهم دي هدية بسيطة بمناسبة أول قبض ليا يارب تعجبك"
نظرت له مُتعجبة ثم قالت:
"هدية ليا أنا ليه طيب؟"
جلس بجانبها ثم قال:
"علشان أنتِ اللي قولتي لوليد أشتغل معاهم، وعلشان أنتِ اللي شجعتيني أشتغل وأبني نفسي بدل ما أسافر، وعلشان كل حاجة بتعمليها ليا يا خديجة"
كانت على وشك البكاء، لكنها أمسكت منه الهدية وهي تقول:
"طالما جايبهالي من قلبك يبقى أكيد هتعجبني"
فتحت الهدية ولكنها شهقت بقوة ثم وضعت كفها على فمها من هول المفاجأة، بينما هو قال بحب:
"بصراحة يعني عارف إنك هتتجوزي وتسيبينا، وقولت إنك أكيد هتخرجي كتير مع جوزك، علشان كدا جبتلك طقم الصلاة دا والمصحف اللي كان نفسك فيه، ومعاه كمان النوت بوك اللي كان نفسك فيها"
نظرت له بدهشة من طريقة تفكيره وحنانه لها، ثم قالت وهي تبكي:
"هو أنتَ كبرت كدا إمتى يا أحمد"
أحتضنها ثم قال:
"لسه إمبارح كنت قاعد زهقان قولت أقوم أكبر شوية، في إيه يا خديجة ما أنتِ عارفة إن بقالي فترة، عاقل وراسي"
خرجت من حضنه وهي تقول:
"بطل رخامة، أنا بس فرحانة بيك وفرحانة بتفكيرك"
أومأ لها ثم قال:
"الحمد لله إن ذوقي عجبك، خليها بقى لجهازك علشان لما تتجوزي تفتكريني بيها"
إبتسمت له ثم قالت:
"أنا مش هنساك أصلًا، ولا هعرف أنسى وجودك في حياتي"
أومأ لها ثم قال والدموع تلمع في عينيه:
"خلاص بقى علشان أنا ممكن أعيط، هروح أنام علشان طارق مدينا أجازة بكرة كمان"
أومأت له،بينما هي بمجرد خروج شقيقها، لمست الهدايا بيدها وهي تفكر كيف للحياة أن تصالحها في يومٍ واحد بتلك الطريقة.
___________
أثناء قيادة «ياسين» وصلته رسالة من «عامر» يطلب منه القدوم إلى منزل «ميمي»، وصل «ياسين» لهم ، وجد الجميع في إنتظاره ولكن ما أدهشه هو وقوف «ميمي» مستندة على ذراعي «ياسر» و «عامر»، لم يستطع «ياسين» تمالك نفسه فإقترب منها وهو يقول:
"إزاي دا حصل؟ هي الجلسات نفعت يا ياسر؟"
أومأ له «ياسر» ثم قال بصوت مختنق من الفرحة:
"طب حصل إيه أحكيلي؟"
كان «خالد» واقفًا وإبنه على ذراعيه، فقال:
"طب قعدوها هي بقالها كتير واقفة طيب"
أجلسها الشباب على المقعد وهي مبتسمة، بينما «ياسر» قال بفرح:
"دكتور عصام كان جاي يعمل جلسة زي كل مرة ليها، المرة دي طول معاها لحد ما قدر يوقفها، وقال على تمارين نعملها في البيت هنا هتساعدنا كتير "
أغرورقت أعين «ياسين» بالدموع ثم قال بعدما اقترب منها:
"أنا مش مصدق نفسي، حاسس إني عاوز أخرجك من هنا وأفسحك، صدقيني دا يوم المنى"
ربتت على ذراعه ثم قالت:
"أنا عارفة إنك فرحان من قلبك، زي ما كلهم فرحوا كدا، ربنا يخليكم ليا يارب"
بكى «ياسين» وهو يحتضنها ثم ولكن ما أخرجه من تلك الحالة «عامر» حينما قال:
"طب إيه طيب، أكلوني بمناسبة الخبر الحلو دا"
ضحك الجميع عليه وعلى طلبه، فقال «خالد»:
"يابني أرحم أمي بقى، أنتَ حياتك كلها أكل؟"
أومأ له «عامر» ثم قال:
"أنا لو مش إنسان بحس وعندي دم، كنت خليت ميمي عملتلي محشي بمناسبة وقوفها"
رد عليه «ياسر» بسخرية:
"لأ فعلًا متشكرين لكرم أخلاق أهلك، إيه يا واد الإحساس دا"
قبل أن يُعقب «عامر» وجد «يونس» ممسكًا بحلويات في يده، فقال بهدوء:
"يونس هات حتة لعامر علشان جعان"
تدخل «خالد» قائلًا لإبنه:
"أوعى تديله حاجة، همد أيدي عليك"
ضحك الجميع، بينما «ياسين» قال:
"أنا خايف يكسفك يا خالد أصل متنساش إن عامر مربيه"
نظر له «خالد» بضيق ثم قال:
"طب يعملها كدا، وأنا أرميه قدام باب جامع وأنا مروح"
إقترب منه «عامر» ثم قال:
"يا سلام أنا هوريك عملي، تعالى لعمو يا يونس"
وبمجرد إقترابه منهما، مال عليه الصغير وهو يضحك، بينما الجميع ضحكوا على «خالد» وملامح وجهه المحتقنة، فتحدث هو قائلًا:
"الله يسامحك يا يونس، شمت فيا اللي يسوى و عامر"
يتبع...