الفصل 7
*⏎[ رواية تعافيت بك 💗🧜🏻♀️]*
الحلقة 19
الحلقة 20
باقي الفصل 18
_____________
في الأسفل لم يجد سيارة والده ، ووجد أصدقائه في سيارة «خالد» مال على زجاج السيارة وقال:
"هو بابا راح فين؟"
أجابه «ياسر»:
"خلص وأركب يا عم روميو، أبوك إتعصب ومشي ونكد علينا وخد البنات معاه"
تحدث «عامر» بسخط وهو يقول:
"وأنا أقول إبنه هادم لذات لمين، طالع لأبوه بصحيح"
ضحك «ياسين» ثم ركب بجانب «خالد» في مقعد القيادة.
كان الشباب يتسامرون في أحداث اليوم،أما هو فكان شاردًا بها وبخوفها وملامحها وفي لمسة يدها، وقتها شعر وكأن العالم بأجمعه بين يديه، تم توصيل «عامر» و «عمار» معًا ثم «ياسر» بعدهما، أوقف «خالد» السيارة أسفل منزل «ياسين» ثم قال له:
"مالك ياض في إيه شكلك مش مظبوط"
نظر له «ياسين» ثم قال:
"لأ عادي والله هو إحساس غريب بس مش أكتر"
أومأ له «خالد» ثم قال:
"طيب المهم عاوزك تكلم عمار وتخليه يعقل شوية"
نظر له «ياسين» مُتعجبًا ثم قال:
"ماله يا خالد عملك إيه"
هز «خالد» كتفيه ثم قال:
"معملش ليا أنا، بس هو عاوز شدة عليه صغيرة كدا الامتحانات قربت، وعم فهمي مش حِمل زعلة"
شعر «ياسين» بالفخر من حديث «خالد» فقال بهدوء:
"خلاص متقلقش ، أنا هكلمه، وكمان هتابع مع السنتر علشان نطمن أكتر"
وافقه «خالد» في الحديث ثم قال:
"ماشي إنزل بقى علشان تلحق مكالمة كتب الكتاب"
نظر له «ياسين» مُتعجبًا ثم قال بجهلٍ:
"إيه مكالمة كتب الكتاب دي، هو أنا فاتني كتير أوي كدا؟"
ضحك «خالد» ثم قال:
"أنتَ أتأخرت أوي، دي المكالمة اللي بتعبر فيها عن مكنوناتك وعن مشاعرك من غير تأنيب ضمير"
ضحك «ياسين» ثم قال:
"لو على مشاعري مش عاوزة مكالمة تليفون، دي عاوزة حبس إنفرادي علشان أعرف أقول اللي جوايا"
ضحك «خالد» معه ثم قال:
"طب يلا يا روميو إنزل، خليني أروح أجيب ريهام ويونس من عند ماما"
أومأ له «ياسين» ثم تركه ونزل من السيارة، وحينما أوشك على دخول البيت، صدح صوت «خالد» عاليًا وهو يقول:
"ألف مبروك ياض يا ياسين، مبروك عليك دخلت القفص"
قال جملته ثم ذهب بالسيارة بعيدًا، ضحك عليه «ياسين» ثم صعد إلى شقته.
______________
في بيت آلـ «رشيد» بعدما عاد الوضع لما هو عليه من قبل بعدما غادر الحج «ناصر» وعائلته وقامت «صباح» الفتاة التي تقوم بتنظيف البيت بترتيبه مرة أخرى، كانت «عبلة» في شقتها برفقة «هدير» وكانت تشعر بالغيظ من العائلة بأكملها، فبخت «هدير» سمها وهي تقول:
"أنتِ معندكيش دم يا عبلة وافقتي ليه؟ قولتلك لأ متوافقيش"
نظرت لها «عبلة» بتعجب ثم قالت:
"يعني إيه يا هدير عاوزاني أرفض وأحرج بابا وأعمامي علشان خاطر شوية هبل، لأ طبعًا حتى لو كرامتي غالية عليا مش هتيجي أغلى من شكل بابا وأخويا قُدام الناس"
نظرت لها «هدير» ثم قالت:
"أنتِ حرة يا عبلة مترجعيش تعيطي تاني لما تلاقيه بيضحك عليكي"
في الخارج كان «طارق» واقفًا وهو يسمع حديث أخته عنه وعن والدها وشعر بالفخر من حديثها، على الرغم أنها تسير خلف «هدير» دائمًا إلا إنها إستطاعت الحفاظ على صورة عائلتها، بينما هو شاردًا في حديث أخته خرجت «هدير» وهي تشعر بالضيق منها ومن العائلة بأكملها، وجدت «طارق» في وجهها، شهقت بقوة بينما هو تبدلت نظرته إلى الشر ثم قال لها:
"عقبال ما نفرح بيكي يا هدير يا رب ويعوضك خير إن شاء الله، أصل عقبال عندك كدا خديجة لقت اللي يعوضها، وعبلة أختي لقت نصها التاني مفاضلش غيرك كدا وسلمي وخلود و دول لسه في وراهم ثانوية عامة يعني صغيرين"
علمت أنه يرمي بحديثه قاصدًا إحراجها وتذكيرها أنها أخر فتيات العائلة في الزواج على الرغم من أنها أجملهم في الشكل، نظرت له بشرٍ ثم قالت:
"والله مش أنا لوحدي اللي كدا، وئام إتجوز هدى أختي، و وليد خطب أختك، كدا مش فاضل غيرك أنتَ وأحمد، وآه أحمد دا لسه متخرج يعني مفاضلش غيرك"
كانت طريقتها تُحاكي طريقته في الحديث فنظر لها بخبث ثم قال:
"أنتِ عارفة كويس أوي إنه بمزاجي مش غصب عني، وعارفة إن قلبي مسجون في حبها هي وبس ومفيش واحدة في الدنيا دي كلها تملى عيني زيها"
كان حديثه موجهًا لها لأنه يعلم إنها حاولت مرارًا وتكرارًا أن ترتبط به كما أنها لمحت كثيرًا أمام العائلة أنها تتمنى زوج مثل «طارق».
تحدثت بسخرية وهي تقول:
"يا حبيبي فوق الكلام دا عدا عليه أكتر من ١٤ سنة أنتَ مستني أوهام وهي خلاص ماتت ، حتى أمها نفسها صدقت إنها ماتت"
هز كتفيه ثم قال:
"أنا ميهمنيش مُشيرة ولا يهمني تصدق إيه ومتصدقش إيه، كل اللي يهمني هو قلبي اللي مصدق إنها عايشة وهترجعلي وعمره ماحب ولا هيحب بنت غيرها، زي ما عيني مش شايفة ولا هتشوف غيرها... حتى لو أنتِ يا هدير"
رمى حديثه أمامها قاصدًا لومها على محاولاتها في إرتباط إسمها بإسمه.
نظرت له بغل ثم ضربت الأرض بقدميها ثم تركته وذهبت من أمامه، دخل «طارق» إلى غرفة الجلوس وجد «عبلة» بها وبمجرد دخوله وقفت متأهبة ثم قالت:
"تعالى بقى علشان تفهمني كل حاجة، أنا مش هسيبك"
مسح على وجهه بكفيه ثم بتعب شديد ثم قال:
"حاضر يا عبلة هاخد دُش وأغير هدومي وأكلم وليد ينزل ونفهمك كل حاجة حاضر"
أومأت له ثم دخلت غرفتها لكي تقوم بتبديل ملابسها، وفعل هو المثل أيضًا، كان رجال العائلة بأكملها يجلسون في الطابق الأول ، وزوجاتهم معهم أيضًا يتبادولون المباركات والتهنئات بأحفاد العائلة.
__________
في شقة «طه» كانت «خديجة» جالسة مع «وليد» وهو يحدثها، فقال لها:
"أظن اليوم مشي بخير، نص اللي كنتي خايفة منه محصلش"
أومأت له ثم قالت بهدوء:
"الحمد لله إنه عدا على خير، وألف مبروك ليك أنتَ كمان، قربت كتير من اللي كان نفسك فيه"
أومأ لها ثم قال:
"مكانش نفسي تكون بالطريقة دي، كان نفسي يكون برضاها بس ملحوقة أنا هتصرق"
ربتت على كفه ثم قالت:
"ربنا معاك ويسعدكم إن شاء الله، عبلة غلبانة والله مش زي هدير خالص، بس هي ماشية ورا هدير"
إبتسم لها ثم قال:
"ماهو يا أنا يا علاقتها بهدير"
أوشكت على الحديث ولكن هاتفه صدح عاليًا برقم «طارق» أغلق الهاتف ولم يرد عليه ثم ضحك بخفة وهو يقول:
"أنا هنزل للمتخلفة اللي تحت ديه تلاقيها مبهدلة طارق ومبهدلة الدنيا كلها"
أومأت له «خديجة» وقبل خروجه أوقفه رنين هاتفها، نظر لها وجدها تحاول كتم الصوت لكنها لم تستطع من فرط توترها نظر لها بخبثٍ وهو على عِلم بهوية المتصل، فقال بهدوء:
"رُدي على جوزك يا خديجة ولمي نفسك"
صرخت به بصوتٍ عالٍ وهي تقول:
"متقولش جوزك الكلمة دي بتوترني أصلًا"
إبتسم بسخرية ثم قال:
"وهو إيه في الدنيا دي كلها مش بيوترك يا خديجة، وبعدين اللي يشوفك كدا، ميشوفكيش وأنتِ بتمضي على كتب الكتاب"
بادلته نفس نظرة السُخرية ثم قالت:
"أنتَ عارف أنا مضيت ليه يا وليد بالسرعة دي؟"
هز رأسه نفيًا بقوة فقالت له:
"علشان خوفت.. عارف بقى خوفت ليه؟ علشان كنت في عنبر ٧ زي ماكنا بنقول عليه، أكتر مكان بخاف منه في حياتي ساعتها أنا مضيت من غير ما أحس أصلًا"
كأن حديثها لفت نظره لمكان وجودها أثناء عقد القران فقال بهدوء:
"ليه تعملي في نفسك كدا يا خديجة، ليه مُصممة تعذبي نفسك كدا"
نظرت له بهدوء ثم قالت مُردفة:
"علشان لو مكنتش عملت كدا عمري ما كنت هعرف أمضي، كنت هخاف أكتر بكتير من أني أمضي على ورقة والله أعلم باللي هيجرى بعدها، كنت هخاف أكون بخرج من سجن صغير علشان أروح لسجن كبير مع حد معرفوش كل دا صعب عليا"
كل هذا الحديث الدائر و «ياسين» يحاول الإتصال بها، تفهم «وليد» خوفها فقال:
"أنا حاسس بيكي، بس أنتِ لازم تكوني عارفة إنك كدا بتستسلمي للحياة وللعيلة، وبتخسري واحد زي ياسين معاكي، وهو أنضف من إنه يخسر في حربك ديه، رُدي عليه يا خديجة، وإبدأي معاه من جديد"
رمى حديثه أمامها قاصدًا لومها على ما تفعله في حقها وحق «ياسين» ذلك الملاك من وجهة نظره، فمن يستطع تقبل عيوب الآخرين، والمحاربة لأجلهم من خلال معلومات عابرة، يبدو أن قلبه كطيرٍ ذاق طعم الحرية بعد سنوات من السجن داخل قفص، هكذا شبه «وليد» قلب «ياسين» بعدما إستنتج حبه لـ «خديجة»،ثم تركها ونزل لشقة عمه «محمد».
قامت «خديجة» بالرد على «ياسين» وبمجرد فتحها المكالمة وجدته يتنفس الصعداء ثم قال:
"إيه يا قبولي الوحيد إيه أخرك في الرد كل دا؟"
"قبولي الوحيد !"
ما هذه الكلمة الغريبة الذي يلقيها على مسامعي، وكيف تبدل حاله عن أول مقابلة رآته بها، خرجت من شرودها على صوته وهو يقول:
"ياست الكل، يا خديجة"
ردت عليه بهدوء:
"أيوا معاك أهوه"
ابتسم ثم قال:
"يارب يا ستي علطول معايا، المهم أنا كنت بطمن عليكي قبل ما أنام وقولت أعرفك إننا بكرة هنخرج سوا"
جحظت عيناها بقوة ثم قالت بسرعة كبيرة:
"لأ بلاش"
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
"متخافيش هنخرج خروجة بسيطة، بس لازم نتقابل بكرة علشان أعرف أتكلم معاكي"
توترت أكثر من نبرته التي غلفها الحنان ثم قالت:
"طب ليه طيب، أنتَ قولت اللي عندك وأنا أقتنعت"
هز رأسه نفيًا كأنها تراه ثم قال:
"لأ فيه كتير مسمعتيهوش، لازم تسمعي كل اللي عندي، بدل ما والله أجي أقوله قدام بيت الرشيد كله وأنا ممكن أعملها عادي"
ردت بسرعة كبيرة:
"لأ خلاص خلاص أمري لله نخرج بكرة..بس يـ..ياريت مكان ميكونش زحمة"
تبدلت نبرته إلى التفهم وهو يقول:
"حاضر والله كل اللي أنتِ عاوزاه في الدنيا كلها تحت أمرك ، المهم تكوني مرتاحة"
إذا استمر في الحديث بهذه الطريقة ستفقد وعيها بلا شك، صمت وصمتت هي أيضًا فوجدته يقول:
"تصبحي على خير يا خديجة، وألف مبروك عليا وجودك في حياتي"
أغلق معها المكالمة بينما هي كل تفكر به ماذا سيفعل، عندما يعلم شخصيتها، هل سيوافق بها وبخوفها من كل ما هو حولها، هل ستظل طريقته ناعمة تحمل من الحنان أطنانًا كذلك أم ستتبدل إلى طريقة أخرى تكرهها هي، غرقت في تفكيرها وفي حديثه معها وكلماته التي يُلقيها على مسامعها قامت وجلبت دفترها ثم دونت به مشاعرها، ثم فتحت آخر صفحات الدفتر ودونت به جملها التي قالها لها باللغة العربية الفصحى.
____________
في الأسفل في شقة «محمد» والد «عبلة» نزل «وليد» وجد شقيقه جالسًا برفقة أبناء عمه تعجب فقال له:
"أنتَ مروحتش يا وئام؟"
رد عليه «وئام»:
"هدى عاوزة تبات هنا النهاردة، قولت خلاص أبات أنا كمان هنا"
أومأ له «وليد» ثم جلس أمام «عبلة» وهو يرفع حاجبه لها وكأنه يبدأ بذلك صد مناوشتها. كانا ينظرا إلى بعضهما البعض بشرٍ تحت نظرات السخرية من «طارق» و «وئام» وأول من تحدث كان «وليد» حينما قال:
"لأ ماهو إحنا مش جايين علشان نرفع حواجبنا لبعض، خلصوني عاوز أنام"
ابتسم الجميع على حديثه بينما «عبلة» أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
"ممكن أفهم إيه اللي حصل النهاردة دا؟ أنتَ إزاي تحرجني كدا وتجبرني أوافق"
شهق «وليد» كما يفعلن النساء ثم قال:
"نــعــم ! مين دا اللي جبرك توافقي ؟ أنتِ اللي ماصدقتي أعرض عليكي الخطوبة وافقتي علطول"
وقفت متأهبة ثم قالت:
"إتكلم عدل من فضلك وبعدين أنا عمري ما فكرت فيك علشان أصدق أول ما تعرض عليا وأوافق علطول"
نظر لها بمشاكسة ثم قال:
"طب عيني في عينك كدا إنك مش فرحانة؟"
تهربت من النظر له ثم نظرت لأخيها وهي تقول:
"يا جماعة حد يفهمه البني أدم دا إني مش عاوزة أتجوزه"
ثم نظرت له بقوة زائفة وهي تقول:
"إعمل حسابك يا وليد كلها شهر ودبلتك ترجعلك تاني، ودا مش علشان خاطر سواد عيونك، لأ دا علشان خاطر شكلي قُدام الناس"
نظر لها بسخرية ثم قال بلامبالاة:
"خلصتي رغي"
رفعت حاجبها ثم قالت ببرود وهي تضم ذراعيها أمام صدرها:
"آه خلصت خير؟"
إقترب خطوة منها ثم قال بثقته المعهودة:
"بُصي يا بنت الرشيد أنا مش عاوز كلام كتير أنا مش هتجوز غيرك، وأنتِ مش هتكوني لحد غيري، ودا نهاية الكلام"
ثم اقترب منها مرة أخرى وهو يقول:
"وقُدام أخويا وأخوكي، أنتِ عندي أغلى من إنك تكوني بديل لحد أو حتى أفكر في غيرك يا عبلة، أنتِ بالنسبة ليا حلم وأنا عمري ما هفرط في حلمي"
رمى حديثه أمامها ثم ترك الشقة بأكملها وغادر تحت نظرات التعجب من الجميع ،وقفت تنظر في أثره بدهشة ثم ارتمت على الأريكة، أما «طارق» و «وئام» خرجا سويًا خلف «وليد» ، دخل «وليد» شقتهم وهو يلهث بسرعة كبيرة من فرط الإنفعال، دخل أخوته خلفه وجدوه جالسًا على الأريكة وهو ممسكًا رأسه بكفيه وكأنه خرج لتوه من حربًا ما، جلس «وئام» ثم أخذه بين أحضانه وهو يربت على كتفه، بكى «وليد» في أحضانه ثم قال:
"هو أنا ليه بتعب كدا في حياتي، ليه لازم أحارب علشان أوصلها، ليه هي مش عاوزة تقتنع بحبي ليها، ليه قلبي اختارها هي وبس؟"
ربت أخوه على كتفه ثم مسح على رأسه وهو يقول:
"صدقني دا إختبار، وأنتَ طول عمرك راجل وقد أي حاجة هتيجي قصة خايبةزي دي مش هتاخد منك حاجة؟"
اقترب منهما «طارق» و جثيْ على ركبته أمامهما ثم قال:
"إسمعني يا وليد، أنتَ عمرك ما كنت عيل صغير، أنتَ طول عمرك راجل، حتى لما كنت بتاخد الزفت اللي أنتَ بتاخده دا، أنتَ بنفسك جيت طلبت مننا نعالجك ووقفت على رجلك تاني، و مجهودك معانا في الشركة باين، زي ما وقعت وقومت تاني متخليش حبك لأختي يضعفك"
خرج «وليد» من بين أحضان أخوه ثم قال:
"معاك حق يا طارق، بس أنا مش هستحمل طريقتها كدا كتير"
غمز له «طارق» ثم قال:
"في ديه متقلقش أنا موجود و هظبطهالك.. سيبها عليا"
تدخل «وئام» وهو يقول:
"هو أنتَ ليه مقولتش ليها إن هدير عملت كل دا، وليه مش عاوزني أقول لـ هدى؟"
رد عليه «وليد» مُردفًا:
"عبلة بتحب هدير أوي مش هتتحمل صدمتها فيها إنها ممكن تأذيها وأنا مش هبني حياتي على حساب سمعة بنت حتى لو كانت البنت دي أذتني"
نظرا له الأثنين بفخر بينما قال «وئام»:
"أنا فخور بيك وفخور إني عرفت أربيك صح، وعلشان أصلك دا ربنا هيكرمك ويجبر بخاطرك"
أيده «طارق» في الحديث ثم تركهما وصعد إلى شقتهم، بمجرد دخوله تصنعت «عبلة» اللامبالاة نظر لها «طارق» بتفحص فعلم أنها تتصنع تلك النظرة، جلس بجانبها ثم قال:
"بُصي يا عبلة الحياة دي بتدينا فرص مرة واحدة في الحياة والعاقل اللي يمسك في فرصته دي، وأنتِ فرصتك عندك أهيه وليد بقى خطيبك، يعني تنسي اللي فات كله وتبدأي معاه من أول وجديد وأظن كلامه قصادنا كان حقيقة ونظرته قالت كل حاجة والعيون مبتكدبش يا عبلة"
نظرت له بتفحص ثم قالت:
"طب أنا معاك تقدر تقولي الرسايل اللي شوفتها على تليفون هدير دي إيه"
زفر «طارق» بقوة ثم قال:
"مش هقولك غير إنها كدب، ورب الكعبة كدب ، وأنتِ بكرة تتأكدي بنفسك، بس ساعتها هتعضي إيدك من الندم على فرصتك اللي هتضيع، سلام بقى علشان اليوم كان صعب"
قال جملته ثم تركها ودخل غرفته، أما هي فنظرت في أثره بتعجب وهي تفكر في حديثه مليًا.
______________
في الصباح التالي لم يستطع الشباب الذهاب إلى «ميمي» نظرًا لمجهدوهم بالأمس من أجل عقد قران رفيقهم، إستيقظ ياسين قبل الصلاة مباشرةً وهذه لم تكن عادته، ثم ذهب لتأدية الصلاة، في عائلة الرشيد نزل رجال العائلة قبل الصلاة مباشرةً أيضًا، قاموا بتأدية الصلاة ثم بعدها تم إعلان عقد قران «خديجة» إبنة العائلة ثم ذُكر بعدها إسم «ياسين»، توالت التهنئات والمباركات لأفراد العائلة تِباعًا، كان الجميع في البيت يشعر بالفرحة أما «خديجة» شعرت برجفة في قلبها نتيجة لذِكر أسميهما سويًا.
في منتصف اليوم صدح هاتفها برقم «ياسين» توترت ثم دخلت غرفتها بعدما كانت جالسة برفقة والدتها وأخواتها، وكان والدها يجلس مع أخوته في الأسفل، قامت بالرد على الهاتف بصوتٍ مهزوز وهي تقول:
"السلام عليكم"
إبتسم ثم قال:
"وعليكم السلام يا خديجة، كويسة النهاردة؟ ولا لسه متوترة زي إمبارح؟"
تحدثت بنفس النبرة المهتزة:
"لأ أحسن كتير الحمد لله، حضرتك عاوز حاجة"
كل
قال مُردفًا بهدوء:
"آه عاوز أقولك جهزي نفسك علشان هجيلك كمان ساعة، أنا كلمت عمي طه وهو عارف"
توترت من ذِكر مشوارهما سويًا فقالت:
"مش لازم ننزل النهاردة خليها مرة تانية"
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
"صدقيني نفسي بس لازم نتقابل"
قالت بصوت مهزوز:
"تمام ساعة وهجهز"
أوشكت على غلق الهاتف، لكنه قال بسرعة كبيرة:
"خديجة ينفع تلبسي نفس الفستان اللي شوفتك بيه أول مرة؟"
توترت أكثر بكثير ولكنها حاولت إستجماع بعض الشجاعة وهي تقول:
"عادي أنا ممكن ألبس حاجة شبهه مش شرط دا"
هز رأسه نفيًا كأنها تراه ثم قال:
"لأ أنا عاوز أشوفك زي أول مرة شوفتك فيها"
أنهى جملته ثم قال:
"ساعة وهكون عندك تحت البيت"
مرت الساعة بسرعة كبيرة من وجهة نظر «خديجة» كانت إرتدت نفس الفستان الزيتوني بنفس لون الحجاب، بعدما أخبرت والدتها بموعدها مع «ياسين» كانت جالسة في غرفة الصالون صدح صوت هاتفها برقمه قامت بالرد عليه، فقال لها:
"أنا تحت بيتك أنزلي"
أخبرت والدتها ثم نزلت له وجدته يقف مستندًا على مقدمة سيارته وبمجرد ما لمح طيفها امامه إبتسم ثم إعتدل في وقفته إقتربت عليه أكثر فمد يده لها، نظرت له بتوتر وخجل ثم مدت يدها وألقت عليه التحية. فتح لها باب السيارة، تعجبت من فعلته ونظرت له فأومأ لها برأسه كأنه يحثها على دخول السيارة، فعلت كما كان يريد وجلست على الكرسي الذي يقع بجانب مقعد القيادة، كانت طوال الطريق صامتة وهي تنظر من نافذة السيارة أما هو فكان ينظر لها تارة وينظر الطريق تارةً أُخرى وبعد فترة من القيادة، وصل «ياسين» بسيارته على كورنيش نهر النيل، بعدما توقفت السيارة نظرت «خديجة» له فوجدته يبتسم لها ثم نزل وفتح لها باب السيارة نزلت أيضًا من السيارة، أمسك كفها ثم أخذها ونزل عدة درجات صغيرة نتيجته تجعلك أمام النيل مباشرةً، كان المكان شبه خالي من البشر، نظر حوله وجد مقاعد رُخامية، ذهب إليها ثم جلس وأجلسها بجانبه كل ذلك وهي تنظر له بتعجب غير مُصدقة لما يفعله، ثم بعدها نظرت أمامها وهي تراقب حركة المراكب الصغيرة في وسط النهر ، أما هو كان ينظر لها بأعين مُحبة ولو إستطاع لكان أفصح لها عما يدور بداخله لها، شعرت بتحديقه بها فنظرت له تحدث هو قائلًا:
"أنا عاوز أسألك سؤال أنتِ ليه مش بتتكلمي زي الناس"
هزت كتفيها ثم قالت بهدوء:
"الناس هي اللي مش بتتكلم زيي، أو يمكن أنا اللي بحب السكوت"
رد عليها مُعقبًا:
"مفيش حد في الدنيا دي كلها بيحب السكوت"
أومأت له موافقة ولم تتحدث، فقال هو:
"كلميني عن نفسك وعن أحلامك عاوز أعرف كل حاجة عن مراتي"
نظرت أمامها ثم قالت:
"صدقني ملوش لازمة تعرف عني حاجة وأنتَ كدا كدا هتسبني وتمشي"
تعجب من حديثها فقال:
"ليه بتقولي كدا مين قالك إني هسيبك"
شعرت بوخز الدموع في عينيها فقالت بهدوء:
"علشان البنات كتير وعلشان الحلوين أكتر وعلشان أنا محدش يتمناني ولا يتمنى وجودي معاه"
رد مُعقبًا:
"لأ طبعًا دا مش مبرر أنا عمري ما هسيبك علشان واحدة تانية أنا أصلًا عيني مش شايفة غيرك واحدة تانية"
نظرت له فوجدت نظرته صادقة، فقالت:
"إنا عاوزة أسألك بس ليه أنا وليه مُصمم إن غير كل البنات"
نظر لها بقوة ثم قال:
"علشان حتى لو البنات كُتار والحلوين أكتر، بس مش فيهم خديجة ولا واحدة منهم عندي زي قلب خديجة"
شعرت بتأنيب الضمير فقالت له:
"صدقني إرتباطك بيا غلط ، حرام عليا أظلمك، أنا واحدة بتخاف من كل حاجة بخاف أخرج وبخاف من الناس ومعنديش صحاب وفاشلة في كل العلاقات اللي حواليا ليه أنتَ مقتنع إن ممكن أنفعك في حياتك وأنا مش عارفة حتى أنفع نفسي؟"
أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
"علشان مش بإيدي إن قلبي أختارك أنتِ، مش بإيدي إن من بنات الدنيا كلها أنتِ الوحيدة اللي قلبي أتمنى قُربك، مش ذنبي إني حبيتك أنتِ"
نظرت له بقوة من جرأة إعترافه ثم سألته مُستفسرة:
"حبتني ! إزاي و إمتى؟"
قال لها بأعين مُحبة وميضها يلمع كنجوم السماء:
"حبيتك من أول مرة شوفتك فيها ،حبيت هدوءك وبساطتك حبيت طبيعتك، غصب عني من غير ما أحس دوبت فيكِ، أنا واحد راح إتقدم لنص بنات مصر مفيش واحدة فيهم حركت قلبي زيك"
هزت رأسها نفيًا وكأنها بذلك تخرج حديثه من رأسها ثم قالت له:
"أنا معنديش حاجة أديهالك حتى قلبي متدمر ومش حِمل علاقات تانية كفاية العلاقات اللي وهو مش قادر يتعافى منها "
مد لها كف يده ثم قال:
"وأنا مش عاوز منك غير إنك تثقي فيا، وأنا والله هخلي قلبك يتعافى هاتي إيدك في إيدي ووعد مني عمري ماهسيبك"
يا الله لماذا ينبعث الصدق من أعينه ونبرة صوته بهذه الطريقة؟ لماذا تخرج نبرته حنونة تحمل من اللُطف أطنانًا هكذا كانت تفكر وهي تنظر له و ليده الممدودة لها فتحدث هو بمرحٍ:
"والله أنا مش شحات علشان كل مرة أمد إيدي لكي كدا؟"
إبتسمت على حديثه بخفة ثم مدت يدها في يده، إبتسم هو أيضًا ثم قال:
"أوعدك إني أعوضك عن كل حاجة شوفتيها زعلتك في يوم"
أومأت له بهدوء وإبتسمت بخفة ثم قالت:
"شكرًا إنك متفهم وضعي"
إبتسم لها ثم قال:
"متقوليش كدا أنتِ مراتي"
إتسعت إبتسامتها حتى وصلت إلى أعينها، بينما هو نظر في أعينها ثم قال بحب:
"وقَعتُ أسيرًا لعيناكِ وما أنا بِفلسطيني لِأُقاومُ، وظَل سوالٌ يُؤرقني في ليلي "كَيْفَ لِشخصٌ مِثلي إعتادَ الإنتصار أن يُهزم بسبب عينين؟"
لتفعيل الوضع الليلي، تكبير الخط، نوع الخط
شاهد الآن
"دخلتُ حربًا فقط لأجل عيناكِ..ولم تأتني الهزيمة إلا من سواها"
____________
قد تعيش سنوات عُجاف لن تستطع الوقوف بها على قدميك، تُعاني روحك من الظمأ، تشعر حينها وكأن قلبك سُجِنَ بين أضلعه، إلا أن يأتي العوض لكَ، وفجأة يتحرر ذلك السجين ويشبه الفراشة في حريته.
بعد الكلمات التي ألقاها «ياسين» على مسامع «خديجة» يتغزل بها في أعينها، أصابها الخرس مع جحوظ مؤقت في العينين و فمٍ مفتوح ببلاهة من مفاجأة وقع الكلمات على أذنيها، وللحق مرت الكلمات على أُذينها قبل أذنيها، أما هو تصنع الثبات إلا أبعد الحدود، وحينما لاحظ طيلة صمتها أشار بكفه أمام أعينها ثم قال:
"يا ست الكل ؟ يا خديجة"
حركت رأسها نفيًا ثم قالت له ببلاهة:
"نـعم"
حاول كتم ضحكته ونجح في ذلك ثم قال:
"نعم؟ كـدا أنتِ إتثبتي"
ثم غمز لها بطرف عينه وهو يبتسم.
خجلت من فعلته تلك وشعرت بالتوتر لكنها سألته مرة أخرى وهي تقول:
"هو أنا سمعت صح؟ ولا دي تَهيُأت؟"
حرك رأسه نفيًا ثم قال:
"لأ يا خديجة سمعتي صح"
أحمرت وجنتيها وزادت حمرتها أكثر من نظرته لها، إلتفت تنظر للجهة الأخرى وهي تأخذ نفسها لعلها تهدأ من فرط توترها، لاحظ حركتها تلك لذلك أشفق على حالها ثم قال:
"أنا أسف لو كنت ضايقتك، بس أنا كنت مجهز الكلام دا أقوله لكِ أول مرة نتقابل فيها بعد كتب الكتاب وبصراحة أنا شخص صريح مش بعرف أخبي مشاعري"
أومأت له مُتفهمة ثم قالت:
"لأ أبدًا متضايقتش ولا حاجة، أنا..أنا بس إستغربت إن الكلام باللغة العربية الفصحى"
تصنع الإندهاش وهو يقول:
"إيه دا هو فيه ناس مبتتكلمش لغة عربية فُصحى"
نظرت له بهدوء ثم قالت:
"الناس كلها بتستغرب من اللي بيحبها، الغريب إن كتير كانوا بيتريقوا عليا لما أتكلمها، أنا بس إستغربت إن فيه حد لسه بيتغزل بيها"
أنهت حديثها ثم سألته مُستفسرة:
"ليه بتتكلم بيها يعني دي مش أول مرة تقولي فيها كلام زي دا؟"
هز كتفيه وهو يتصنع اللامبالاة ثم قال:
"عادي يعني بحبها، بحسها أسهل في التعبير عن المشاعر بصراحة"
كان يكذب عليها ولكنها صدقته من إتقانه في الحديث، فهو على الرغم من جمال كلماته، إلا إنه كان يكره اللغة العربية ولم يستطع التعبير بها.
بعد فترة من الصمت من كليهما، أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
"على فكرة أنا لسه معرفش حاجة عنك..يعني كلميني عنك"
وفي تلك اللحظة تردد على مسامعها حديث «وليد» عن حربها وعن ماضيها، و للوهلة الأولى شعرت بالخوف من أن يتركها من طريقتها كما فعل غيره، تعلم أن الطريق صعب لكن يكفيها المحاول ،وعلى الرغم من إضطراباتها وقلقها النفسي إلا أنها لم تظهر عليها الأعراض المُصاحبة لها دائمًا وما ظهر فقط هو سرعة نبضات قلبها، شردت هي في نفسها وفي الاطمئنان الذي إحتل قلبها، كيف حدث كل ذلك كيف من مقابلة واحدة يختفي خوفي، كيف أشعر بالأمان برفقته وعند هذه النقطة إكتشفت أنها أسترسلت معه في الحديث كثيرًا، وهذه على غير عادتها..كان ينظر لها ولقسمات وجهها والتغيرات التي تطرأ عليها وهو يعلم جيدًا بما تُفكر وكيف تُفكر..وفجأة شعرت برجفة بسيطة في كفيها، فتحدثت بصوتٍ مهزوز وهي تقول:
"لـ..لو سمحت هو ينفع أروح؟"
على الرغم من حزنه على تغيرها فجأة لكنه إبتسم مُطمئنًا لها ثم قال:
"طبعًا ينفع، يلا علشان أوصلك"
أومأت له ثم أخذت نفسًا عميقًا لكي تُهدئ به نفسها بينما هو كان ينظر لها ويراقب تصرفاتها عن كثب وحينها قرر قرار لا رجعة فيه.
___________
في منزل آلـ «رشيد» تحديدًا في الطابق الخاص بشقة «مُحمد» كانت «عبلة» جالسة وهي تُفكر في حديث أخيها عن «وليد» وعن حديثه أمام أخويهما، للحق لمست الصدق في حديثه ونظرته، كما ان علاقته بـ «هدير» لم تكن علاقة مُحبذة لتجعل بينهما قصة حب، لذلك إتخذت قرارها ثم قررت أن تُفاتح أخيها في قرارها.
في غرفة «طارق» كان جالسًا على فراشه وهو مُمسكًا صورة بين كفيه، كان ينظر للصورة بعمقٍ ثم أخرج زفيرًا قويًا ثم تبعه بقوله:
"لو كنتي موجودة كانت حاجات كتير إتغيرت، كان زماني كاتب كتابي عليكي زي ما قولتيلي وأنتِ صغيرة إنك هتتجوزيني في نفس يوم جواز خديجة، عارفة كمان إن أنا وهي أكتر أتنين تعبنا بعدك، هي إتلامت بسببك ومعرفتش تقرب من حد وأنا عيشت عمري كله مش قادر أنسى حبي لكِ ولا عارف أشوف غيرك"
قام بتقبيل الصورة ثم نظر لها مرة أخرى، أخرجه من ذكرياته تلك طُرقات على باب غرفته من قِبل أخته «عبلة» قام بوضع الصورة تحت وسادته ثم فرك وجهه بكفيه ليمحي أثار تعبيراته السابقة، ثم قال بصوتٍ أجش:
"أدخــل"
دخلت «عبلة» الغرفة ثم جلست بجانبه على الفراش وهي تنظر له بتفحص ثم قالت:
"أنتَ كنت بتعيط يا طارق ولا إيه؟ و وشك أحمر كدا ليه؟"
تصنع الثبات ونظر لها ثم قال بسخرية:
"أعيط! ليه إن شاء الله ياختي، كل الحكاية إني بفكر في الشغل والمرحلة الجاية، لسه عاوز أحقق أحلام كتير أوي"
هذه هي حُجته الدائمة حينما يأخذه التفكير في رحلة إلى الذكريات الماضية، كانت «عبلة» تعلم أنه يكذب عليها، لذلك لم تريد التطرق إلى الموضوع أكثر من ذلك فقالت بعدما زفرت بعمق:
"ربنا معاك يا حبيبي وتحقق كل اللي بتتمناه، ويجمعك باللي نفسك فيه"
نظر لها فـفهم من نظرتها له أنها علمت فيما كان يفكر قبل دخولها أومأ لها برأسه ثم آمن وراء دعاؤها، أما هي أخذت نفسًا عميقًا وكأنها تُعد نفسها ثم قالت:
"طارق ، أنا قررت أدي علاقتي بـوليد فرصة، وهنسى كل اللي فات، حتى الرسالة اللي شوفتها بعيني هعمل نفسي مشوفتهاش أصلًا، بس أنتَ اللي مسؤول قُصادي لو طلع بيكذب عليا"
إعتدل «طارق» في جلسته حتى إقترب منها أكثر ثم سألها بـلهفة قائلًا:
"بجد يا عبلة.. يعني مش هترجعي لأسلوبك الزفت دا تاني معاه؟"
هزت رأسها نفيًا ثم قالت:
"لأ يا طارق بس أنتَ اللي هتضمنلي إنه مش زي ما أنا فاكرة"
إحتضنها «طارق» ثم قال بفرحة عارمة إحتلت نبرة صوته:
"وأنا موافق وأضمنهولك برقبتي"
أومأت له ثم تركته وخرجت من الغرفة وهي تحاول السيطرة على ثبات ملامح وجهها.
____________
في الطريق وسط «الزحام» كانت «خديجة» تنظر من نافذة السيارة على الطريق بجانبها وهي تُشبه الطريق برأسها الذي لا يخلو من زِحام الأفكار، كانت تفكر كيف إستطاعت الإسترسال معه في الحديث، وكيف فكر بها وفي حديثها، وما هذا الإعتراف الصريح الذي رماه على مسامعها..أما هو كان يفكر في تغيرها المُفاجيء الذي فجأه، ولولا أنه على عِلم بحالتها لكان ظن الكثير من الظنون، هز رأسه نفيًا بقوة ثم تنحنح يُنقي حنجرته ثم قال بصوتٍ حاول جعله هادئًا:
"خديجة هو فيه حاجة ضايقتك؟ أو أنا زعلتك؟"
نظرت له مُتعجبة ثم هزت رأسها نفيًا وهي تُجبر شفتيها على الإبتسام ثم قالت:
"لأ أبدًا مفيش.. أنا بـ..بس مش واخدة على الخروج كتير علشان كدا بس اتوترت شوية"
أومأ لها في هدوء ثم قال:
"أنا أسف لو صممت إننا نخرج، بعد كدا ممكن نتقابل في البيت عندكم"
إبتسمت بتوتر ثم قالت:
"لأ أبدًا متقولش كدا.. مفيش مشاكل"
إبتسم لها موافقًا ثم أوقف السيارة أمام منزلها، نظرت حولها أما هو خرج من السيارة ثم ذهب إلى جهتها ثم قام بفتح الباب لها نظرت له مُتعجبة فوجدته يمد كفه لكي تتمسك به وتترجل من السيارة..مسكت كفه بتوتر ثم نزلت من السيارة وحينما أوشكت على دخول البيت وجدته يمسك به بتملك ثم قال ببسمة هادئة:
"أنتِ أمانة عندهم لحد ما تكوني في بيتي.. وعلشان أنا عاوزهم يحافظوا على الأمانة لازم أنا كمان أحافظ عليها، علشان كدا هوصلك لحد الشقة"
زحفت حُمرة الخجل إلى وجنتيها وكأن الدماء تسيل عليهما..ثم أخفضت رأسها بخجلٍ، ركبا المِصعد سويًا في جو مليءٌ بالتوتر من كليهما..وبعد مرور ثوانٍ توقف المِصعد أمام شقتها..قام بالضغط على زر جرس الباب..فتحت لهما والدتها وحينما رآت «ياسين» تهلل وجهها فَرِحًا ثم نظرت إلى كفيهما المتعانقين عندما لاحظت «خديجة» موضع نظر والدتها، سحبت كفها من كفه في هدوء، إبتسم هو بثبات فتحدثت والدتها قائلة:
"وأنا أقول البيت نور ليه.. دا علشان ياسين هنا، اتفضل يا حبيبي إدخل"
هز رأسه نفيًا ثم قال بنفس بسمته:
"أنا مُتأسف والله مش هقدر علشان أنا أتأخرت، مرة تانية"
هزت رأسها نفيًا ثم قالت بقوة:
"لأ أبدًا متحاولش..هتدخل يعني هتدخل وحظك حلو عمك طه جوه يلا علشان ميزعلش"
نظر لـ «خديجة» فأومأت له بهدوء وكأنها تحثه على الدخول أومأ لها ثم دخل معها، جلس «ياسين» في غرفة الصالون، أما هي دخلت المطبخ مع والدتها ثم خرجت له بكوب عصير ثم قالت بهدوء:
"بابا هيجي حالًا"
أومأ لها مُبتسمًا ثم قال:
"مفيش مشاكل براحته.. أقعدي معايا أنتِ لحد ما يخرج"
نظرت له فوجدت نظرته كأنها تترجاها للموافقة، فلم تستطع الرفض أمام تلك النظرة لذلك جلست على المقعد الذي يقع بجانبه إبتسم لموافقتها، أما هي كانت تنظر للأرض ولم ترفع عيناها له، خرج والدها وهو يُرحب به، أما هي إستأذنت ثم دخلت غرفتها، وبمجرد دخولها غرفتها إرتسمت بسمة على شفتيها ثم إرتمت على فراشها وهي تُفكر في كلماته ونعومتها
___________
كان «وليد» طوال اليوم غارقًا في نومه من كثرة إرهاق الأيام الماضية عليه وكثرة التفكير، إستيقظ على صوت هاتفه وهو يصدح عاليًا برقم «طارق»، أمسك هاتفه ثم قام بالرد عليه بصوتٍ يظهر فيه أثر النوم وهو يقول:
"خير يا طارق في إيه؟"
أجابه «طارق» بنبرة جامدة وهو يقول:
"عاوزك بسرعة في شقتنا يا وليد إطلعلي"
إعتدل «وليد» على فراشه ثم قال:
"بُص يا طارق لو هنزل وأختك تحرق دمي يبقى إنسى، علشان أنا ضغطي عالي وممكن اخرب الدنيا دلوقتي"
بنفس النبرة الجامدة تحدث «طارق» قائلًا:
"ما تطلع يا وليد أنا هشحتك ولا إيه؟"
تحدث «وليد» بنفاذ الصبر وهو يقول:
"تمام يا طارق هاخد دُش وأطلعلك أشوف أخرتها"
قام «وليد» ثم تحمم وتوضأ وقام بتأدية ما فاته من الفروض، ثم خرج من غرفته وجد والديه يجلسان سويًا، فتحدث والده بسخرية قائلًا:
"يا أهلًا يا عريس، إيه هتنام لحد إمتى؟"
ردت عليه «مروة» بطيبتها المعهودة قائلة:
"دا طلع عينه في ترتيبات كتب كتاب خديجة، وفي خطوبته المفاجأة دي كمان، سيبوا يرتاح"
إبتسم والده ثم قال بفخرٍ:
"بس الواد وليد طلع جامد زيي مضيعش وقت وطلبها قدام الكل"
إبتسم له «وليد» ثم غمز له بفخرٍ مُماثل لفخر أبيه وهو يقول:
"تربيتك يا حاج مُرتضى"
تحدثت والدته قائلة:
"كدا نسبنا محمود و محمد، يارتني ما كنت رضعت خديجة"
نظر لها «وليد» ثم قال:
"يمكن من مصلحتها إنك ترضعيها علشان ربنا يكرمها بياسين، الله أعلم لو كان واحد فينا إتجوزها كان إيه الوضع دلوقتي"
أومأ له والديه في موافقة فتحدث «وليد» وكأنه تذكر لتوه قائلًا:
"صح هو وئام راح فين؟ أنا صليت الجمعة ونمت وهو نام قصادي"
تحدثت والدته قائلة:
"خد مراته ومشي هيقعد يعمل إيه بقى"
أومأ لها ثم ذهب إلى المطبخ لكي يقوم بإعداد قهوته... في الأعلى في شقة «خديجة» كان «ياسين» جالسًا مع والدها بعدما رحب به بشدة وفي وسط الحديث سأله «طه» بإحراج وهو يقول:
"أنا أسف يا حبيبي.. بس أنا عاوز أسألك على حاجة"
أومأ له «ياسين» موافقًا ثم قال:
"طبعًا يا عمي إتفضل"
تنحنح يُنقي حنجرته ثم قال:
"هي خديجة زعلتك النهاردة، أو قالت حاجة ضايقتك؟"
نظر له «ياسين» مُتعحبًا ثم قال:
"ليه يا عمي بتقول كدا؟"
وبنفس النبرة المهتزة التي تحمل الإحراج في طياتها قال:
"لأ أبدًا يا حبيبي، هي بس طيبة أوي وعلى نياتها أوي أوي فممكن تكون قالت حاجة تزعلك"
رغم تعجب «ياسين» من حديث والدها إلا إنه قال بثبات وصدق:
"لأ أبدًا يا عمي محصلش حاجة تزعلني وحتى لو حصل حاجة تزعلني منها أنا أقدر أتعامل مع مراتي من غير ما حد يتدخل بيننا"
شعر «طه» بالإحراج من حديثه فتصنع الثبات وهو يقول:
"ربنا يكرمك يا حبيبي ويتمملكم علي خير"
أومأ له «ياسين» وهو يؤمن وراء الدعاء ثم إستأذن منهم جميعًا لكي يرحل بعد محاولات فاشلة في إقناعه بالجلوس أكثر لكنه أصر على الذهاب وعلى أن يكون اللقاء قريب، خرج «ياسين» من الشقة ثم ركب المصعد، كان «وليد» يشعر بالإرهاق في جميع أنحاء جسده لذلك لم يستطع الصعود حتى ولو طابق واحد فضغط على زر المصعد لكي ينقله إلى شقة «طارق» توقف المصعد أمام شقة «وليد» فتح الباب فتفاجأ بـ «ياسين» داخله نظرا كلاهما إلى بعضهما البعض بتعجب فتحدث «ياسين» قائلًا:
"رايح فين كدا يا وليد؟"
أخذ «وليد» نفسًا عميقًا ثم قال مُردفًا:
"طالع عند خطيبتي ، ولا أنتَ بس اللي مسموح لك تزور خطيبتك؟"
نظر له «ياسين» مُتفحصًا بتعجب، فكان «وليد» يرتدي تيشيرت من اللون الرمادي على بنطال رياضي من اللون الأسود و نِعال بيتي نفس لون التيشيرت وشعر غير مرتب على الرغم من نعومته، فتحدث بسخرية قائلًا:
"طالع تزور خطيبتك كدا؟"
بنفس السخرية رد عليه «وليد» قائلًا:
"هو أنا لازم ألبس بدلة يعني علشان أطلعلها؟"
علم «ياسين» أنه يرمي عليه بحديثه فأخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
"مش دا المهم دلوقتي، المهم عاوزين نروح لهناء"
تعجب «وليد» من طلبه فسأله مستفسرًا:
"نروح لـهناء ليه ؟في حاجة حصلت؟"
قص عليه «ياسين» تغيراتها وبتدل تعابير وجهها مع التحفظ على بعض التفاصيل الخاصة بهما و بعلاقتهما سويًا، فربت «وليد» على ذراعه ثم قال:
"خلاص بكرة بعد الشغل نروح سوا، أنا بخلص الساعة ٥ كدا"
أومأ له «ياسين» ثم قال:
"تمام يبقى الساعة ٦ أو ٦ ونص بالكتير نتقابل"
وافقه «وليد» في حديثه ثم ودعا بعضهما البعض، صعد «وليد» شقة عمه وجد «طارق» في إنتظاره، ألقى عليه التحية ثم جلس بجانبه أما عمه وزوجته فنزلا سويًا ليجلسا مع باقي أفراد العائلة كعادة لهم، يجتمعون في شقة المناسبات ليلًا، كان يبحث بعينه عنها فتحدث «طارق» بصوتٍ منخفض وهو يقول:
"بص أنا مش عارف هي حصلها إيه؟ بس هي كلامها النهاردة كان غريب أوي، وقالت إنها قررت تديك فرصة تانية، حتى قالت إنها هتنسى الرسالة اللي شافتها"
تعجب «وليد» من حديثه فقال مُستفسرًا:
"ودا لوحدها كدا ولا أنتَ قولتلها على هدير؟"
حرك «طارق» رأسه نفيًا ثم قال:
"لأ مجبتش سيرة عن هدير خالص، بس إتكلمت معاها إنها ممكن تندم لو ضيعتك من إيدها"
أومأ له «وليد» ثم ربت على فخذه بإمتنان ثم قال:
"ربنا يباركلي فيك يا طارق"
إبتسم له «طارق» ثم تحدث بصوتٍ عالٍ لكي يصل إلى شقيقته:
"عــبــلـة، وليد هنا هاتي الشاي وتعالي"
في الداخل توترت «عبلة» قليلًا بعدما تذكرت حديثه بالأمس وإعترافه أمام أخويهما، لكنها هدأت نفسها ثم تصنعت الثبات وبعضٍ من الشجاعة الواهية ثم أخذت الأكواب وخرجت بعدما ضبطت من وضع حجابها، خرجت وهي تحمل صينية بها أكواب من العصير و صحون صغيرة بها قطع من الكيك الذي يحبه «وليد» وبمجرد إقترابها منهما ، نظرا إلى بعضهما البعض بخبثٍ فهي أحضرت كل ما يفضله «وليد» وضعت الأشياء من كفيها من جلست بجانب «طارق» ثم تحدثت بصوتٍ هاديء وهي تقول:
"نورت يا وليد"
لو أقسم الجميع لـ «وليد» أنه سيأتي اليوم الذي تعامله به «عبلة» بهذه الطريقة ما كان ليصدق أحدًا منهم، لكن ما يراه الآن حقيقة وهي حقًا تعامله بلطفٍ كما أنها حرصت على إحضار ما يفضله، كانت تنظر له بضيق لأنه لم يرد على جملتها، عندما لاحظ «طارق» صمته وكزه في كتفه ثم قال:
"ما ترد عليها يا حيوان، إحنا ما صدقنا"
هز «وليد» رأسه بقوة ثم إبتسم ببلاهة وهو يقول:
"قولي اللي قولتيه تاني كدا يا عبلة؟"
نظرت لأخيها فهز كتفيه كأنه يقول لها:
"مفيش حل تاني"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت ببمسة هادئة:
"نورتنا يا وليد"
بادلها نفس البسمة ثم قال:
"والله ما حد منور غيرك، دا نورك غطى على نور البيت كله"
وكزه «طارق» برفق ثم قال:
"مش للدرجة دي أنا مش قاعد نجفة وسطكم"
نظر له «وليد» ثم قال:
"ياعم مرة من نفسي،أنا بقالي سنين بتمنى اللحظة دي"
نظرت له «عبلة» وهي تستشف صدق نظرته وحديثه وفي تلك اللحظة عاهدت نفسها أنه إذا حتى كان معجب بـ«هدير» من قبلها ستنسى كل ذلك وتبدأ معه من جديد، خرجت من شرودها وعادت إلى الواقع ثم قامت لكي تعطي «وليد» العصير و الطبق الخاص به، أخذهم منها وهو يبتسم بحب ثم قال:
"أنتِ جايبة فراولة مخصوص ليا؟"
أومأت له بهدوء وهي تبتسم ثم أعطت «طارق» العصير الخاص به، ثم جلست وأمسكت الكوب الخاص بها وكان من نفس شكل كوب «وليد» حتى إنه نفس نوع العصير، فتحدث «وليد» بخبثٍ:
"كمان نفس شكل الكوباية، ونفس العصير؟ دا أنتِ واقعة خالص"
نظرت له بحنقٍ بينما «طارق» مال على أذنه وهو يقول بصوت منخفض:
"تصدق بالله أنتَ مينفعكش غير المعاملة الزفت اللي كانت بتعاملها لك"
إبتسم له «وليد» ثم قال:
"يا عم بهزر مع خطيبتي الله، وحياة أمي لولا خوفي من جنانها كنت كتبت الكتاب إمبارح"
تحدثت هي بضيقٍ منه قائلة:
"ما تحترم نفسك بقى إيه جنانها دي؟"
نظر لها بحب ثم قال:
"خلاص يا ستي، ست العاقلين كلهم حلو كدا؟"
أومأت له في رضا ثم عادت تمسك بالطبق مرةً أُخرى، أما هو إبتسم بسعادة بالغة لوصوله لهذه النقطة في علاقته معها.
______________
أثناء قيادة «ياسين» للسيارة وصله مكالمة هاتفية من رقم «خالد» يطلب منه القدوم لمنزل «ميمي» لكي يجلس معهم، لم يستطع الرفض، لذلك غير وجهته وذهب إلى شقة «ميمي» وعند دخوله الشقة وصل إليه صوت «عامر» وهو يُهلل فَرِحًا بعدما ربح «ياسر» في لُعبة الأوراق الرقمية وما يُطلق عليها «الكوتشينة» دخل وألقى التحية على الجميع فلم يرد عليه كلًا من «ياسر» و «عامر» نظر لهما بتعجب ثم جلس بجانب «خالد» نظر له «خالد» مُتفحصًا فوجد علامات الإرهاق بادية على وجهه وكأنه يُصارع نفسه، فربت على كتفه وهو يقول بصوتٍ دافيء:
"مالك يا ياسين شكلك تعبان أو مُجهد، في حاجة مزعلاك"
الحياة تُشبه البحر في غدره وقد تتفاجأ بصراعتها كما يُفاجئك الموج في تلاطمه، ولكن مايريح حقًا هو وجود الأصدقاء، حقًا صدق من قال:
"الدنيا بحرٍ عالٍ وما الأصدقاء سوى طوق النجاة"
ربت «ياسين» على ذراع «خالد» بإمتنان ثم قال:
"أنا كويس يا حبيبي متخافش، هو بس تعب الأيام اللي فاتت والتحضير لكتب الكتاب والتوتر كل دا تعبني شوية"
أومأ له «خالد» ثم قال:
"ربنا معاك يا حبيبي ويريح قلبك"
نظر «ياسين» حوله فلم يجد «ميمي» فسأل عنها مُستفسرًا، فأجابه «خالد» قائلًا:
"هي إستنتك تيجي ولما اتأخرت خدت علاجها وأنا دخلتها تنام"
أومأ له «ياسين» وقبل أن يتحدث مرة أخرى أوقفه صوت «ياسر» وهو يسأل «عامر» بسخطٍ قائلًا:
"في إيه يا عامر ؟ دا سابع ولد تُقش بيه"
رد عليه «عامر» بضيق وهو يقول:
"في إيه يا ياسر العيل بيجي برزقه يا حبيبي"
رد عليه «ياسر» بسخرية:
"عيل إيه دا اللي بيجي برزقه يا أهبل أنتَ؟ أنتَ فاكر نفسك في حضانة الهُدى؟"
كل ذلك و «خالد» و «ياسين» لم يتمالكا نفسهما من الضحك، فتحدث «ياسر» وهو يقول وكأنه يحدث نفسه:
"عَمال أقول أكيد في حاجة غلط أو أنا عديت الولاد غلط، بس لأ دا سابع ولد يظهر كدا كتير"
تدخل «خالد» بعدما أوقف ضحكاته وهو يقول:
"يا عيني على أختي وحظها، أنا كدا هبدأ أخاف على ذكاء ولاد أختي من قبل ما أشوفهم"
ضحك الجميع على «ياسر» بينما تحدث «ياسين» قائلًا:
"يعني تتلغبط في عدد الولاد يا ياسر ممكن تحصل يعني الولاد عددهم كتير، لكن غباءك وصلك إنك متاخدش بالك إنه لم الورق مرتين بنفس الكومي؟ يعني كوتشينة إيه دي اللي فيها أتنين كومي؟"
حديث «ياسين» لفت إنتباه «ياسر» بينما «عامر» نظر بذعر حوله من ردة فعل «ياسر» وفي خلال ثوانٍ كان «ياسر» مُمسكًا برقبة «عامر» من الخلف وهو يقول:
"يا أخي هو ربنا خلقني علشان أنتَ تضحك عليا؟ قرفتني في عيشتي"
كان «عامر» يلوح بذراعه دون الإستطاعة في الحديث نظرًا لذراع «ياسر» الموضوع عند عنقه، تحدت «ياسين» يقول لـ «خالد»:
"فكهم من بعض يا خالد وخلصنا"
أطاح له «خالد» برأسه ثم قال:
"يا عم سيبك منهم دلوقتي ياسر يخاف ويسيبه هو دكتور وعارف بيعمل إيه"
وبعد ثانيتين ترك «ياسر» عنق «عامر» على مضدٍ ثم جلس على مقعده مرةً أخرى، أما «عامر» كان يدلك عنقه وهو يسعل بشدة وبعد فترة من الصمت تحدث «عامر» لـ «ياسر» وهو يقول:
"يلا يا ياسر نلعب فورة تانية؟"
لم يستطع «ياسر» الرفض فشرعا الأثنين سويًا في اللعب من جديد تحت نظرات التعجب والدهشة من «خالد» و «ياسين» ، فسألهما «ياسين» وهو يقول:
"هو أنتم كنتم بتلعبوا إيه ياض أنتَ وهو"
رد عليه «ياسر»:
"مش كنا بنلعب إيه.. إحنا لسه بنلعب يعني فعل مضارع يدل على الاستمرار يوضح المعنى ويقويه"
تدخل «عامر» ليرد على حديث «ياسر» بسخرية وهو يقول:
"فعل مضارع يوضح المعنى ويقويه ؟! ليه يا حبيبي هيشربه لبن ولا هيديله فيتامين c ؟
إسمها فعل مضارع يوضح المعنى ويؤكده بطلوا جهل بقى"
ضحك الجميع على حديث «عامر» بينما تحدث «ياسين» وهو يقول بسخرية:
"يا سلام وطالما أنتَ جامد أوي كدا في العربي، دخلت سياحة وفنادق ليه؟"
أجابه «خالد» متدخلًا بخبث:
"أصل كان بيحب ميس برديس بتاعة العربي أوي"
ضحك الجميع على تحول ملامح «عامر» بينما «ياسر» تحدث قائلًا:
"الدرس كان الساعة ١٠ الصبح يوم الجمعة دا كان بيودينا بيتها من الساعة ٨ مش عارف ليه بس كنا بنروح نستناكم"
ضحك الجميع على تلك الذكريات المُحببة للقلب التي لولاها لكان الإنسان يبكي من فرط نضجه وحزنه على ما أودت به الأيام.
_______________
بعد إنتهاء جلسة الشباب في شقة «ميمي» قاموا بإوصاد البيت ومنافذه بأكملها مع تجهيز وتحضير كل ما تحتاج إليه في الصباح، ذهب كل واحدٌ منهم إلى بيته، عند عودة «ياسين» وجد بيته هاديءً بعد نوم والديه، دخل غرفته ثم قام بتبديل ثيابه وجلس على فراشه وهو مُمسكًا دفترها بيده يتفحصه ويقرأ كلماتها التي حفظها عن ظهر قلب بعدما كان على وشك مُهاتفتها لكنه خشي أن يكون الوقت مُتأخرًا بالنسبة لها مما قد يسبب لها مضايقة، لذلك لم يجد طريقة سوى دفترها تجعله يشعر بقربها منه، أما هي كانت في غرفة الصالون تجلس مع «وليد» بعدما ترك شقة عمه «محمد» كانت متوترة من طلبه وهي تشعر بالخجل منه ومن طلبه لكنه لم يترك لها فرصة للرفض وسحب الهاتف من يدها ثم قام بالضغط على رقم «ياسين» وعندما ظهر له الإسم المُسجل به رقم «ياسين» نظر لها مُتعجبًا ببعض الإشمئزاز ثم قال:
"ياسين رياض الشيخ؟ ما تسجلي رقمه القومي بالمرة معاكي ولا حطي فصيلة دمه"
ضحكت على حديثه ثم قالت ببعض الشجاعة:
"أومال هو إسمه إيه يعني؟ مش دا إسمه"
حرك رأسه بيأس ثم قال:
"منك لله يا خديجة، أنتِ حلال فيكي إنك تعيشي زاهدة في الطبيعة كدا من غير شريك"
كان يتحدث وأصابعه تضغط زر الاتصال، عند «ياسين» عندما صدح صوت هاتفه توقع أنه أحد أصدقائه، وحينما نظر إلى الهاتف تهلل فَرِحًا ولم يستطع الإنتظار فقام بالموافقة على الرد حينها وضع «وليد» الهاتف على أذن «خديجة» ثم تركها وركض من الشقة بأكملها، حينما لاحظ «ياسين» صمتها تحدث قائلًا:
"خديجة؟ آلو يا خديجة"
ضغطت على جفنيها بقوة ثم تحدثت بصوتٍ مهزوز وهي تقول:
"أيوا..أنا خديجة"
إبتسم على إجابتها ثم قال بصوت مليء بالبهجة:
"مانا عارف إنك خديجة، خير أؤمري"
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت بصوتٍ مهزوز:
"هو يعني أنا..أنا يعني كنتـ..، بصراحة كدا كنت بطمن عليك وصلت ولا لأ، أتمنى مكونش أزعجتك"
خرجت كلماتها بسرعة كبيرة من فمها ولكنه إستطاع تمييزها فإبتسم ثم قال:
"لو كل إزعاج في حياتي بالجمال دا يا رب أنزعج كل يوم"
حسنًا لقد عاد كما كان من قبل، أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت:
"طيب الحمد لله إنك كويس"
سألها بخبثٍ مُستفسرًا:
"وهو أنتِ بتحمدي ربنا علشان أنا بخير ليه؟ هو أنا قلقتك عليا أوي كدا؟"
ماذا تفعل هل تغلق الهاتف بوجهه أم تترك المكالمة وتذهب بعيدًا عن الهاتف، عادت من شرودها على صوته يقول بضحك:
"طب خلاص أنتِ روحتي فين يا ست الكل، على العموم أنا متشكر على مكالمتك دي وعلى ذوقك دا"
ردت عليه بنفس النبرة المهتزة:
"من العفو..عن إذنك بقى هنام علشان إتأخرت على معاد نومي..تصبح على خير"
إبتسم ثم قال بهدوء:
"وأنتِ من أهله يا خديجة، وشكرًا مرة تانية على مكالمتك دي".
أغلقا الهواتف سويًا، هي كانت تفكر به وفي حديثه المعسول وطريقته المُحببة لقلبها، أما هو فشعر بالسعادة تغمر قلبه وكأنها علمت بحاله لذلك أطربت أذانه بصوتها قبل النوم"
______________
في اليوم التالي كانت الأمور طبيعية فكان كل فردٍ في عمله وملتزم بروتين يومه الطبيعي، وبعد إنتهاء عمل «وليد» سبق «ياسين» إلى عيادة الطبيبة «هناء» وبعد نصف ساعة تقريبًا وصل «ياسين» ، وبعد الترحيب ببعضهما البعض، صعدا سويًا إلى الطبيبة، وبعد الترحيب بهما من قِبل الطبيبة أخذ «ياسين» نفسًا عميقًا ثم قص عليها ما حدث في مقابلتهما والتغيرات التي طرأت عليها وعلى وجهها، مع الصراع الذي كانت تواجهه.
أخذت الطبيبة نفسًا عميقًا ثم قالت بهدوء مُردفةً:
"بص يا أستاذ ياسين، خديجة دلوقتي بدأت تتقبل وجودك يعني بقى أمر واقع بالنسبة لها، دلوقتي بقى خديجة بتصارع نفسها تعاملك بطبيعتها اللي هي دفنتها من طريقة معاملة باباها ليها، ولا تعاملك بالطريقة الأخيرة اللي هي بتتعامل بيها مع الكل،وبين دي و دي هي كل خوفها إنها تتساب أو إنها تعشم نفسها بقربك وأنتَ تسيبها مرة تانية"
وافقها «وليد» في الحديث ثم قال:
"هو دا بالظبط يا دكتورة اللي هي خايفة منه، بس فعلًا قلقها زاد أوي في الأخر"
أومأت له الطبيبة موافقة ثم قالت:
"دا طبيعي، حياتها شبه إتبدلت في الفترة الأخيرة، يعني لقت نفسها في علاقة رسمية ومطلوب منها تجاهد للحفاظ على العلاقة دي، علشان متتعرضش لأي إنتقاد في طبعها أو شخصيتها، هي ممكن تبان شخصية غريبة بس هي غصب عنها"
أومأ لها «ياسين» وهو يزفر براحة ثم قال:
"يعني الحل إنها تتعالج وإني أكون الداعم ليها..صح؟"
وافقته الطبيبة في حديثه، بينما هو نظر إلى «وليد» وكأنه يؤكد حديثه أنه لن يتنازل عن علاجها وحقه بها.
_____________
مرت الأيام التالية بهدوء على جميع حتى «خديجة» نفسها ولكن التغير الوحيد لها هي مكالمة «ياسين» لها أخر اليوم وفي يوم الاربعاء تحديدًا بعدما إنتهى «ياسين» من عمله وعاد إلى بيته..كان يتحدث مع «خديجة» هاتفيًا كعادته في الآونة الأخيرة فتنحنح بإحراج وهو يقول:
"خديجة ينفع أطلب منك طلب؟"
تحدثت بصوت منخفض قائلة:
"طبعًا إتفضل"
إستحسن ردها عليه فقال:
"عاوز اقابلك بكرة ضروري، بس للأسف مش هينفع في البيت عندك"
شعرت بالتوتر من طلبه، فهي لم تملك القُدرة الكافية حتى تعيد لقاء المرة السابقة، ولكنها لم تستطع الرفض فقالت بنفس الهدوء:
"ماشي يا ياسين مفيش مشاكل"
أوشك على الرد عليها، لكنه إنتبه إلى طريقة حديثها ولذِكر إسمه بين شفتيها فسألها بلهفة قائلًا:
"أنتِ قولتي إيه؟"
شعرت بالخوف أن تكون وقعت في الخطأ أمامه فقالت:
"أنا متأسفة لو قولت حاجة غلط"
هز رأسه نفيًا ثم قال ببهجة تلمأ صوته:
"لأ أبدًا والله..كل الحكاية إنك قولتي يا ياسين من غير حضرتك ومن غير أستاذ ودي حاجة مفرحاني"
إبتسمت على حديثه ثم صمتت ولم تستطع التحدث مرة أخرى أما هو فتنهد براحة ثم قال:
"المهم أنا بكرة هعدي عليكي زي المرة اللي فاتت، المهم إني هكلم عمي أستأذنه بكرة"
وافقت على طلبه وحديثه ثم أغلقا الهواتفق سويًا، جلست تُفكر في الغد وفي طلبه منها وفي كل ماهو آتٍ معه، في اليوم التالي وافق «طه» على طلب «ياسين» وكما المرة السابقة ذهب «ياسين» تحت بيتها بسيارته، نزلت «خديجة» وهي ترتدي بنطال من اللون الأسود قماشه فضفاض، وترتدي فوقه سترة من خامة الجينز وأسفل منه تيشيرت من اللون الأبيض وحجاب بنفس لون البنطال، كان الطقم رقيق عليها لدرجة كبيرة رغم بساطته إلا إنه كان محتشم يداري تفاصيل جسدها، وقفت أمامه وهي تبتسم بتوتر نتيجة إلتقائها به،وقف ينظر لها ثم قال:
"مش عاوزة تعرفي رايحين فين؟"
هزت كتفيها ثم قالت بهدوء:
"عاوزة بصراحة، وبرضه مُحرجة أسأل"
إبتسم لها ثم قال:
"مشوار اللي جاي كله في حياتنا مبني عليه"
نظرت له بتوتر من حديثه ثم قالت بتوتر جليْ على صوتها قبل ملامحها:
"طب المكان دا زحمة؟"
هز رأسه نفيًا ثم قال:
"لأ متخافيش مش زحمة، بس ضروري نروحه سوا"
أومأت له موافقة، وكما المرة السابقة فتح لها باب السيارة لكي تجلس بجانبه، ركب سيارته وبعد فترة من القيادة أوقف السيارة أسفل البناية التي تقع بها عيادة الطبيبة، كان في تلك اللحظة متوترًا أكثر منها بكثير خوفًا من ردة فعلها القادمة، أما هي فنظرت حولها تحاول إستبيان المكان أو التوصل لسبب تواجدهما في هذا المكان، خرج من السيارة ثم ذهب جهتها وفتح لها باب السيارة، نزلت وهي تنظر حولها بخوف أما هو فنظر لها بثبات ثم قال:
"أنا عاوزك تثقي فيا، وعاوزك تعرفي إن لو الدنيا دي كلها سابتك أو زعلتك أنا عمري ما أسيبك ولا أقدر أزعلك"
نظرت له بقوة ثم قالت بتوتر:
"طب أنتَ ليه بتقولي كدا؟"
أمسك كفها بين كفه ثم قال:
"هتعرفي لما نطلع فوق سوا، وخليكي فاكرة إني عمري ما آذيكي"
نظرت لموضع كفها بين كفيه بخجل وتوتر ثم أومأت له موافقة وهي كالمُغيبة، كانت تسير خلفه بهدوء وعينيها لم ترتفع من الأرض، أما هو كان يحتضن كفها بقوة وكأنها بذلك يبثها بعض القوة التي من المؤكد أنها خلال دقائق ستكون بحاجة إليها..في خلال ثوانٍ كانا يقفا سويًا أمام موظفة الاستقبال في العيادة وهي تخبره أن الطبيبة في إنتظارهما، توتر هو أكثر عند دخوله للطبيبة أما هي فلم تعي لما يدور حولها ولكنها ولأول مرة قررت الوثوق به لذلك لم تستفسر عن ذلك المكان ولا عن سبب وجودها به، دخلا سويًا للطبيبة، ورحبت بهما بوجهٍ بشوش..نظر «ياسين» للطبيبة حتى تبدأ حديثها، حاولت الطبيبة تنقية حلقها ثم بدأت تقص عليها سبب وجودها في هذا المكان، تحت نظرات «ياسين» المراقبة لها عن كثب وهو يرى تغيرات ملامحها وإنفعالتها، بعدما إنتهت الطبيبة من شرح الحالة توقعت غضب وثوران منها ولكن ماصدر منها هي نظرة منكسرة نظرت بها إلى «ياسين» ثم نكست رأسها للأسفل وهي تحاول التحكم في دموعها، نظر «ياسين» إلى الطبيبة ففهمت نظرته وإنسحبت من الغرفة بهدوء لكي تترك لهما المجال يفصحا سويًا عما بداخلهما، نظر لها بقوة وأيضًا لم تصدر أي ردة فعل عما صدر من الطبيبة، إقترب هو منها ثم أمسك كفيها بين كفيه وهو يشدد من مسكته ثم قال بصوتٍ متأثر:
"خديجة.. قولي أي حاجة، قولي إننا كدابين، قولي إنك كويسة وإحنا اللي مرضى نفسيين قولي أي حاجة غير السكوت"
رفعت رأسها وهي تنظر له بنفس النظرة المنكسرة ثم قالت بصوتٍ بالكاد وصل إلى مسامعه:
"هو أنتَ عرفت إزاي وإمتى؟"
على الرغم أن هذا السؤال غير متوقع بالنسبة له، إلا أنه أجابها بثبات وهو يقول:
"من تاني مرة شوفتك فيها، قلقك بان أكتر من المرة الأولى ولما سألت وليد هو اللي قالي"
نظرت له بعمقٍ أكثر ثم قالت:
"و..وهو و..وليد عارف باللي عندي كله"
أومأ لها «ياسين» ثم قص عليها ما قام «وليد» بفعله من أجلها ثم أضاف قائلًا:
"وصدقيني أنا معاكي وهكمل مكان وليد، وحتى لو والدك رافض أنا موجود، أنتِ مراتي يعني من حقي أقرر اللي في مصلحتك"
وعلى عكس المتوقع وقفت متأهبة وهي تبكي ثم قالت:
"ليه أنتَ اللي تتحمل نتيجة أفعاله؟ ليه أنتَ اللي تشيل مسؤولية هو إتخلى عنها، أنتَ معقبتنيش ولا ضربتني ولا إتريقت عليا قصاد العيلة كلها، ولا حبستني في أوضة ضلمة علشان حاجة أنا معملتهاش أصلًا؟"
وقف قبالتها ثم قال بحب:
"أنا هتحمل علشانك أنتِ، علشان عاوزك معايا في العمر اللي جاي عليا..عاوزك معايا شريكة لعمري وحبيبتي وأم لعيالي بس قبل كل دا عاوزك فرحانة عاوزك تنسي كل اللي زعلك في يوم ونبدأ من جديد حياة أنا وأنتِ مأسسينها صح."
نظرت له بعدما مسحت آثار أدمعها ثم قالت:
"وأنا واحدة مسجونة في أوضة الذكريات الضلمة، هتستحمل تسجن نفسك معايا؟"
إقترب منها ثم أخذها بين ذراعيه وهو يقول بنبرة خرجت من فم عاشق قائلًا:
"حتى لو هتسجن معاكِ، السجن في وجودك بَراح يا خديجة"
يحتاج الإنسان إلى وطن في هيئة إنسان، و بلد في صيغة ضلوع، وحياة ملخصة في حي، وجنة حدودها ذراعان.
_____________
على الرغم من وسع العالم وكبرهِ إلا إنه في بعض الأحيان لم يتقبلك، حتى أنه لم يسعك ولا يستطع إحتوائك، في نفس الوقت الذي تجد به ذراعان على الرغم من ضيقهما إلا أنهما ملجأ أمان لقلبك.
"حتى لو هتسجن معاكِ، السجن في وجودك بَراح يا خديجة"
تلك الجملة التي قالها بصوتٍ مُـحب يحمل الصدق في طياته، أما هي خرجت من بين ذراعيه ثم نظرت له بتوتر وهي تقول بخجل:
"أنتَ...أنتَ قولت إيه؟"
تنهد بأريحية كبيرة قم قال:
"حتى لو هتسجن معاكِ السجن في وجودك بَراح يا خديجة ، أنا مش عاوز في الدنيا دي غير وجودك بس وإنك تكوني مبسوطة"
كانت تنظر له بقوة ثم بكت مرة أخرى وهي تقول:
"ليه..وعلشان إيه"
وضع كفه بشير نحو موضع قلبه ثم أضاف مستطردًا حديثه وهو يقول:
"علشان دا اللي أختارك..علشان
دا اللي من أول مرة شافك فيها عرف إنك الشخص الصح"
نظرت له بقوة وحديثه يتردد في أذنيها، فوجدته يمسك كفها بين كفيه وهو يقول مُطمئنًا لها:
"أنا موجود معاكي هنا علشانك أنتِ..علشان كل اللي فات في حياتك تنسيه ونبدأ سوا من جديد..ودلوقتي لو أنتِ موافقة هطلع أجيب الدكتورة"
أنهى حديثه ثم نظر لها لكي يرى التخبط في ملامحها جليًا بوضوح فأضاف مُكملًا:
"ولو مش عاوزة برضه براحتك يا خديجة أنا عمري ما هجبرك..بس هتبقي أنتِ اللي بتختاري الخوف طول عمرك"
رفعت رأسها بقوة تنظر له، فوجدته يومأ لها برأسه بقوة وكأنه يؤكد حديثه،
فتحدثت بصوتٍ مهزوز وهي تقول:
"طب ولو فشلت؟ أو منفعش هعمل إيه؟"
هز كتفيه وهو يقول:
"مش عيب إنك تفشلي..العيب بجد إنك تخافي من الفشل فمتحاوليش..أنا موجود وأنتِ عمرك ما هتفشلي، هاه أطلع أجيب الدكتورة؟"
إبتسمت له بتوتر ثم أومأت برأسها توافق على حديثه، أما هو بمجرد موافقتها تركها وخرج من الغرفة لكي يجلب الطبيبة
دخلت الطبيبة ثم قالت بهدوء مع إحتفاظها ببسمتها الهادئة:
"ها نبدأ يا خديجة؟"
نظرت له «خديجة» فوجدته يومأ لها برأسه بقوة وكأنه يحثها على القبول، فأعادت بصرها تجاه الطبيبة ثم قالت:
"نبدأ"
________________
في بيت آلـ «رشيد» كانت «مُشيرة» جالسة في شقتها وهي مُمسكة بصورة إبنتها «جميلة»
كانت تنظر للصورة بعمقٍ، وعنوةً عنها فرت دموعها على وجنتيها ولم تستطع منعها أو التحكم بها، فقامت بإحتضان الصورة وهي تبكي ، وبعد فترة من البكاء مسحت دموعها ثم شردت في ماضٍ بعيد وتحديدًا في ذلك اليوم المشؤوم من وجهة نظرها
(منذ عدة سنوات):
بعد ما قامت «مُشيرة» بإعطاء الصور و الخطابات لـ «زينب» لكي تتخلص من تلك الأشياء التي تحول بينها وبين حياتها الزوجية مع «حسان» و إبنتها «جميلة»، فقد كانت حياتها مليئة بالملل لم تستطع تقبل زوجها و ظلت عالقة في ماضيها وحينما وصلتها الصور والخطابات قررت التخلص من تلك الأشياء، وبدء حياة جديدة مع زوجها وإبنتها ولكن ماحدث كان عكس ما توقعته تمامًا، ففي صباح اليوم التالي حينما إستيقظت لكي تقوم بإيقاظ صغيرها لكي تقوم بتوصيلها إلى روضة الأطفال تفاجات بخلو فراش الصغيرة منها وكذلك زوجها لم يكن له أثرًا في البيت، ركضت تبحث عنهما في الشقة بأكملها فلم تجد ما يريح قلبها ، كما أن خزانة الملابس الخاصة بزوجها و أيضًا بصغيرتها كانتا فارغتان، لم تستطع تقبل ما حدث وظلت تجول في الشقة ذهابًا و إيابًا وهي تبكي بحرقة إلى أن وجدت ورقة متروكة على طاولة السُفرة مدونة بخط يد «حسان»،
حينما رآت تلك الورقة ركضت إليها وأخذتها بيدٍ مُرتجفة وحينما وقع بصرها على حروف الخِطاب صرخت بأعلى صوتها، وكأنها رآت إحتضار أعز ما تملك أمام عينيها فكانت كلمات الخِطاب عبارة عن:
"صباح الخير يا مُشيرة..من المؤكد إنك هتصحي من النوم مش هتلاقيني أنا وبنتك بس علشان أريحك ومطولش عليكي أنا مشيت وسيبتلك الدنيا كلها علشان انا عمري ما أقبل إني أكون بديل ولا أقبل إن مراتي تكون معايا وبتفكر في حد تاني، الجوابات والصور وصلتلي وشوفتها بعيني وأنا علشان راجل وعندي كرامة كان ممكن أموتك وأرتاح وأريح نفسي، بس أنا خدت بنتي ومشيت وكدا أنا بموتك ألف مرة في اليوم يا مُشيرة وعلى قد ما حبيتك على قد ما كرهت اليوم اللي عيني بصتلك فيه...ورقتك هتوصلك كمان كام يوم..أنتِ طالق يا مُشيرة"
بعد قراءة ذلك الخِطاب صرخت صرخة مدوية أتى على أثرها أفراد العائلة الكبار، أما أبناء العائلة فتم توصيلهم للمدارس
خرجت من شرودها في رحلة الماضي وهي تنظر أمامها بحقدٍ وغضب تِجاه «زينب»، لذلك أقسمت على الإنتقام منها في فرحتها بإبنتها وبزواجها، لذلك قامت بمهاتفة «هدير» لكي تُفكر معها في أخذ حقها منهما.
_________________
في شقة «طه» نظر حوله بهدوء يبحث عنها بعينيه، وحينما رآت زوجته تلك النظرة سألته مُستفسرة:
"بتدور على مين يا طه؟"
إنتبه «طه» لـ سؤال زوجته فقال مُردفًا:
"لأ أبدًا، هي خديجة لسه مجاتش؟"
أومأت له بهدوء ثم قالت:
"أيوا يا طه لسه مجاتش خير؟، دي واحدة مكتوب كتابها وإتعمل إشهار لجوازها معترض على حاجة"
هز رأسه نفيًا ثم قال:
"لأ يا زينب ، بس أنا خايف علشان هي مش بتخرج كتير وبتتلغبط دايمًا، خايف بس تخاف زي ما علطول بتخاف هنا"
نظرت له نظرة ذات مغذى إلتقطها هو على الفور، ثم تبعت نظرتها بقولها:
"وهو مين السبب في دا يا طه مش أنتَ؟ مين اللي خلاها جبانة وخوافة كدا مش أنتَ؟ مين اللي علطول يزعقلها لو إتكلمت قُصاد حد مين اللي فهمها إن الخروج عيب وإن الصحاب غلط مش أنتَ يا طه؟"
كان حديثها جارح كنصل السكين ، فلم يستطع تحمله أكثر من ذلك فصرخ بوجهها وهو يقول:
"خلاص يا زينب عرفت إن أنا السبب، عرفت إن أنا اللي دمرت حياة بنتي ، بس أنا عملت كدا من خوفي عليها يا زينب خوفت كلام مشيرة يكون صح إن..."
صمت ولم يستطع الإسترسال في حديثه أكثر من ذلك ، أما زوجته فنظرت له نظرة مُعاتبة ثم قالت:
"كمل يا طه وقفت ليه ؟ خوفت كلام مُشيرة عني يكون صح ؟ خوفت إن بنتي تتربى على إيدي وتطلع خرابة بيوت زيي صح"
أوقف حديثها وهو يقول:
"لأ يا زينب أنا خوفت إن هي اللي من كتر كلامها عن بنتي تطلع كدا فعلًا ، خديجة طول عمرها كانت بتغلط وإحنا متجمعين وكلهم إتلكموا عن شقاوتها كتير"
نظرت له «زينب» ثم أردفت بحزن قائلة:
"أنا مش مسمحاك يا طه على اللي عملته في بنتي ولا هقدر أسامح أختك على اللي عملته في بنتي ،إنما إفترا أختك عليا دا أنا وكلت ربنا يجبلي حقي فيه"
أمسك كفها ثم قال:
"وأنا مصدقك يا زينب واللّٰه وعارف إن أنتِ متعرفيش حاجة عن اللي وصل لـ حسان ، والدليل على كدا إن لما مُشيرة طلبت مني أطلقك أنا إتمسكت بيكِ وبوجودك في حياتي"
نظرت له بحزن دفين وكأن السنوات الماضية تَمُر أمام عينيها وهي تقول:
"ساعتها أنتَ إتمسكت بيا علشان عيالك يا طه"
هز رأسه نفيًا بقوة ثم قال:
"لأ طبعًا أنا إتمسكت بيكِ علشانك أنتِ يا زينب، علشان وجودك وعلشان أنا بحبك والدليل على كدا من ساعة اللي حصل عمري ما فتحته تاني وقفلنا عليه"
إبتسمت بسخرية ثم قالت:
"أنتَ صحيح مفتحتش الموضوع تاني، بس طلعته علينا أنا وخديجة عصبية ونرفزة، جبت لبنتي عقدة من الحياة يا طه"
شعر بالحرج من حديثها فقال بهدوء لكي يغير مجرى الموضوع:
"كل دا هيتنسي يا زينب وخديجة ربنا هيعوضها ، أنا واثق في كرم ربنا ثم ياسين وحاسس إنه فعلًا يستاهلها".
_______________
في عيادة الطبيبة النفسية كانت الطبيبة منتظرة هدوء «خديجة» وهذا ماحدث بالفعل بسبب وجود «ياسين» بجانبها وبعد فترة من الصمت قطعتها الطبيبة قائلةً:
"بُصي يا خديجة في ناس من صغرهم بيتم برمجتهم على إنهم يتصرفوا بطريقة مُعينة، ويتكلموا بطريقة مُعينة حتى مشاعرهم كمان بيتم برمجتها على مواقف معينة ، في الأخر بقى بيكونوا زي المسجونين لطريقة تصرف معينة وتفكير معينة ودا في الأخر بيخلينا نشوف إرتفاع نسب الطلاق وناس كتير بتعاني من الصداع المُزمن نتيجة لصراع أفكارها"
نظرا لها كلًا مِن «خديجة» و «ياسين» بتعجب، وحينما رآت هي نظرات الإستنكار منهما، أضافت قائلة:
"كل اللي فات دا بيكون سبب في التصرفات السلبية اللي الشخص بيتصرف بيها لأن البرمجة هنا برمجة سلبية، ودا اللي حصل معاكِ يا خديجة من خلال طريقة تصرف والدك معاكِ"
على الرغم من توتر «خديجة» إلا أنها تحدثت بتوتر وهي تقول:
"يعني إيه مش هينفع أغير الطريقة دي؟"
إبتسمت لها الطبيبة ثم قالت بهدوء مُردفةً:
"لأ طبعًا..إحنا مش بس ممكن نغير الطريقة دي إحنا كمان ممكن نغير كل دا لمصلحتنا، ونستغل الطاقة اللي عندك دي في تحقيق نتايج كتيرة مُذهلة"
بنفس التوتر المصاحب لها إبتسمت وهي تومأ برأسها للـطبيبة وهذا ما لفت نظر «ياسين» لشيءٍ ما ، فتدخل وهو يقول:
"خديجة هو أنتِ كنتِ عارفة إنك عندك رُهاب إجتماعي ومشاكل في التواصل مع المجتمع؟"
أومأت له بخجل ونظرة مُنكسرة ثم أطرقت برأسها للأسفل، فنظر هو للطبيبة وكأنه يستفسر منها.
حينما نظر لها سألتها الطبيبة مُستفسرة:
"خديجة ممكن تقوليلي أنتِ عارفة منين؟"
أخذت «خديجة» نفسًا عميقًا ثم قالت وهي تفرك كفيها بإنفعال حتى أوشكت على تمزيقهما:
"لما لقيت الأعراض كتير ..و.. علطول خوفي ملوش مُبرر وكمان الرعشة والصداع ومش بقدر أتكلم مع حد..دا...دا غير خوفي من النزول أو الشغل وبان أكتر خوفي دا في الجامعة لما بقيت أخاف أروحها ساعتها أنا عرفت لما دورت على النت بس خوفي كان أكبر مني إني أعترف لنفسي بحاجة زي دي"
وأثناء حديثها توقفت وهي تأخذ نفسها ولكنها بكت بقوة ثم قالت:
"أنا مش ذنبي والله...بس علطول كنت بتعرض للإنتقادات بسبب شكلي وطريقتي وإني معنديش صحاب وإني كل حاجة في حياتي مش زي اللي في سني، ولما كنت صغيرة كان علطول يزعقلي ويقولي على كل حاجة عيب وغلط لحد مابقيت أخاف حتى أتكلم"
كان «ياسين» يراقبها بقوة وينظر لحركة كفيها فعلم أنها في ذروة توترها الآن، لذلك نظر للطبيبة وكأنه يطلب منها إنهاء هذه الجلسة.
أومأت له الطبيبة ثم قالت بهدوء:
"طب تمام يا خديجة كويس أوي كدا النهاردة، هنتقابل مرة تانية إن شاء الله وصدقيني مفيش حاجة صعبة ولا حاجة تقلق، الرُهاب الإجتماعي والإنطوائية علاجهم مش بياخد وقت يعني ممكن أقصى فترة توصل لـ ٦ شهور وطبعًا دا بناءً على الحالة نفسها وعلى الدعم اللي هياخده من الناس اللي جنبه"
أوقفت الطبيبة حديثها ثم نظرت لـ «ياسين» لكي تكرر حديثها وهي تقول:
"وأنا متأكدة إن أستاذ ياسين هيكون له دور مهم جدًا معانا في الرحلة دي"
أومأ لها «ياسين» مؤكدًا ثم قال:
"أنا هعمل أي حاجة علشانها وعلشان هي تكون مبسوطة"
نظرت له «خديجة» بعد جملته تلك ، فوجدته ينظر لها موافقًا وكأنه يؤكد لها صدق حديثه.
_______________
في شقة «طارق» وصله مكالمة هاتفية من «وئام» فدخل الشرفة لكي يستطع التحدث معه، وحينما وصله طلب «وئام» تحدث بضيق وهو يقول:
"يعني إيه يا وئام ما أنتَ عارف الجمعة أجازة لينا ، هو لعب عيال؟"
رد عليه «وئام» من الجهة الأخرى:
"أعمل إيه بس يا طارق ؟ حسن مش هيكون موجود علشان سنوية وفاة مراته، وأنا بكرة أخر النهار هروح المطبعة علشان آكد على التصميم بعد ما يتعدل، كل اللي عاوزه منكم أنتَ وأحمد ووليد بكرة تكونوا في الشركة تظبطوا التصميمات وتراجعوا عليها قبل الطباعة، علشان الافتتاح ميعاده إتقدم"
نفخ «طارق» وجنتيه بضيق ثم قال:
"ماشي يا وئام، أنا هعرف أحمد و وليد ويارب يوافقوا وميقولوش أجازة"
وافقه «وئام» في الحديث ثم قال:
"تمام يا طارق ومتقلقش كل حاجة هتبقى تمام ، هو بكرة بس وخلاص، ودي مش أول مرة نتعامل معاهم هما معانا من أول ما فتحنا الشركة دي"
أغلق «طارق» الهاتف مع «وئام» ثم قام بمهاتفة «وليد» لكي يخبره بموعد الغد، وكما توقع تمامًا تحدث «وليد» بحنقٍ وهو يقول:
"بقولك إيه يا طارق بكرة أجازة خلينا نرتاح شوية من اللي أنتم عاملينه فينا طول الأسبوع"
علم «طارق» أن الحديث معه لن يُجدي نفعًا فقال بهدوء:
"بص هو بكرة تكونوا معايا فيه وأنا والله هديكم يومين أجازة بعدها حتى المطبعة أنا اللي هتواصل معاها والله"
كان عرضه مُغري لدرجة كبرى لم يستطع «وليد» رفضها فقال بهدوء:
"ومحدش يطلب مني أراجع على الشغل وأنا في البيت؟"
وافقه «طارق» وهو يقول:
"والله ماحد هيطلب منك شغل في البيت"
وافقه «وليد» بسرعة كبيرة وحماس لم يستطع السيطرة في إخفائه وهو يقول:
"بكرة الصبح هكون قدامك وأحمد أنا هقنعه".
_________
في شقة «مُشيرة» كانت جالسة مع «هدير» وهي تقص عليها مشاعر الغيرة والحقد من إبنة أخيها و والدتها، فتحدثت «هدير» بخبثٍ وهي تقول:
"والله يا عمتو أنا مش عارفة أنتِ تاعبة نفسك ليه على الفاضي، هو مش هيستحمل خديجة أكتر من كدا، دي واحدة مُعقدة يا عمتو"
نظرت لها عمتها بسخرية ثم قالت:
"والله ما حد هيموتني غير برودك يا هدير، ماخلاص كتب الكتاب وبعدين مشوفتيش كان ماسك إيدها إزاي في كتب الكتاب؟"
هزت «هدير» كتفيها ثم قالت:
"مش عارفه بقى بس هو أي حد عاقل مش هيعرف يتعامل معها خصوصًا شكله إبن ناس ونضيف"
ردت عليها «مُشيرة» بضيق:
"يعني المفروض أعمل إيه أفضل مقهورة على بنتي وحياتي كدا؟"
هزت «هدير» رأسها نفيًا ثم قالت:
"لأ ، إحنا نعزمه هنا في العيلة نتعرف عليه بما إنه بقى فرد من العيلة ونعرف كمان أختار خديجة ليه؟"
أومأت لها عمتها وهي تبتسم بخبثٍ ثم قالت:
"حيث كدا أقولهم في العيلة بقى نحضر يوم علشان نتعرف عليه"
_______________
بعد خروجهما من العيادة النفسية كانت ملامحها متوجمة بشدة وكأنها تبدلت، ولكن على الرغم من ذلك كان هناك طمأنينة غريبة تسكن ملامحها وكأنها بذلك أراحت عقلها من الخوف حينما يعلم بأمر إضطراباتها، ركبا السيارة سويًا وهي لم تتفوه بـِحرفًا واحدًا، نظر لها بعدما ركبا السيارة و شَرَعَ هو في القيادة وجدها ساكنة كطفلٍ صغير ينفذ تعليمات والديه، فنظر أمامه مرةً أُخرى، وبعد مرور دقائق من القيادة أوقف السيارة أمام نهر النيل ، لاحظت هي سكون السيارة فنظرت له وجدته ينظر لها مُبتسمًا، لم تتفوه بـِحرفًا بل نظرتها هي التي قالت كل شيء ، حيث خرجت نظرتها مُستفسرة عن وقوفهما، تنهد هو بعمقٍ ثم قال مُردفًا:
"تعالِ نقعد شوية نرتاح من التوتر اللي كنا فيه النهاردة دا قُدام النيل"
حركت رأسها وكأنها تسأله، فقال هو مُردفًا لها:
"علميًا المناظر الطبيعية ليها تأثير قوي جدًا في التخلص من التوتر والخوف، وأنا عارف إننا أتوترنا كتير النهاردة"
قال جملته ثم فتح باب السيارة وخرج منها، ذهب تجاهها وقام بفتح الباب من جهتها، نظرت له متعجبة فوجدته يمد كف يده لها وهو يقول:
"هاتي إيدك في إيدي ويلا نقعد شوية قُدام نهر النيل ، ولا يرضيكي يعني أروح لأمي وأنا متوتر كدا بعد ما كنت نازل من بيتنا شاب زي الورد؟"
عنوةً عنها رُسمت بسمة بسيطة على شفتيها ثم مدت كفها تحضن كفه، قبض على كفها بقوة ثم أغلق باب السيارة ، وعلى غِرار المرة السابقة وفي نفس المكان ونفس درجات السلم نزلا سويًا ثم جلسا على نفس المقاعد، نظرت هي أمامها ثم أغلقت أعينها بقوة وهي تأخذ نفسًا عميقًا ثم أخرجته بتروٍ وكأنها بذلك تُخرج ما يُجيش به صدرها، نظر هو لحركتها تلك بمراقبة وكأنه يعلم ماذا تفعل
إنتظر مرور عدة ثواني ثم قال بهدوء:
"ها أحسن دلوقتي؟"
نظرت له بإمتنان ثم قالت:
"الحمد لله أحسن كتير"
هز رأسه موافقًا لها ثم قال:
"أنا آسف لو كنت عرضتك لموقف مُحرج النهاردة، أو خليتك تواجهي حاجة أنتِ مش مستعدة لها"
نظرت له بقوة وهي تُفكر هل يمكن أن يكون هناك شخصًا يحمل كل ذلك الحنان في قلبه؟ هل يمكن أن يكون هناك مَن يرى أقل تصرفاته ويحاسب نفسه عليها؟ كيف وهي من إعتادت على تلقي اللوم والعِتاب على تصرفاتها، حتى أنها توقعت منه المعاتبة على عدم مصارحتها له بحقيقة إضطراباتها و رُهابها.
لاحظ هو صمتها فقال:
"ياست الكل روحتي فين؟"
نظرت له بعمقٍ في عينيه ثم قالت بهدوء:
"هو أنتَ إزاي كدا؟ إزاي مصمم تخليني أحس بالذنب ناحيتك ، ليه بتعاملني كدا ومخليني أحس أني بظلمك معايا؟"
هز كتفيه ثم قال:
"أنا عمري ما أخليكي تحسي بالذنب وعمري ما أخليكي تحسي إنك بتظلميني لأنك ببساطة مبتعمليش حاجة من دي، أنا اللي قررت بإرادتي إني أمشي معاكِ الطريق دا"
ردت عليه بصوتٍ منفعل:
"بس أنا كنت عارفة ومقولتش لِك، أنا كان ممكن أقولك من قبل ما إسمي يرتبط بإسمك وأنتَ اللي تقرر، كدا أنا مفروضة عليك"
حرك رأسه نفيًا بقوة ثم قال مُعقبًا:
"لأ يا خديجة أنا كنت عارف من الأول، وليد قالي على كل حاجة وأنتِ مكدبتيش ولا خبيتي عليا لأنك ببساطة مكنتيش متأكدة من دا؟"
أومأت له في هدوء ثم قالت:
"طيب أنا معاك ، تقدر تقولي شكلك إيه لما حد يعرف إن مراتك بتتعالج عند دكتور نفسي، تقدر تقولي أنتَ تتحمل ليه وبابا نفسه رفض يعالجني؟"
أجابها بنبرة هادئة مُحببة للقلب:
"أنا ميفرقش معايا الناس، أنا اللي يفرق معايا هو أنتِ، ولو فعلًا والدك رافض إنه يعالجك، أنتِ دلوقتي مراتي يعني أنا اللي مسؤول عنك ولحد ما تكوني في بيتي يا خديجة أعتبري نفسك حمايتي"
إبتسمت على حديثه وأخفضت رأسها بخجل ثم رفعتها مرة أخرى وهي تقول:
"ممكن أسألك حاجة تانية ؟"
أومأ لها ثم قال ببهجة ظهرت بوضوح على نبرة صوته:
"صدقيني أنا نفسي تتكلمي معايا وتسأليني من غير خوف والله، إتفضلي المايك معاكِ"
إبتسمت رغمًا عنها على حديثه ثم قالت:
"شكرًا على كلامك ...بس هو ليه أنا بحس معاك كدا؟"
تعجب من سؤالها فقال مُستفسرًا:
"مش فاهم بتحسي بإيه يعني؟"
هزت كتفيها ثم قالت بهدوء:
"بحس إن أنا مش خايفة..أنا أول مرة أقدر أتكلم قصاد حد كدا وأول مرة أحس إن في حد عاوزني أتكلم"
أومأ لها مُتفهمًا ثم قال:
"صدقيني أنا عارف كل حاجة وكل اللي عاوزه منك إنك تفضلي تحسي كدا طول العمر وطول ما أنا معاكِ..مش عاوزك تخافي طول ما أنا هنا"
إبتسمت له ثم قالت:
"ليه يا ياسين ؟ وإزاي بالسرعة دي قدرت تختار إنك تقف جنبي وتساعدني من غير مُقابل حتى، إزاي أخترتني وأنا مطفية كدا؟"
نظر لها بعمقٍ ثم قال:
"علشان ربنا سبحانه وتعالى خلق الست والراجل يكملوا بعض، يعني علاقة مبنية على التفاهم مش على المظاهر، أنا واحد طول عمري بكره المظاهر وعمري ما تخيلت إني ممكن أختار شريكة عمري علشان شكلها، دايمًا كان كل هدفي إني قلبي يرتاحلها وهو دا اللي حصل يا خديجة من أول مرة شوفتك فيها ، عرفت إن العيون لا يمكن تعدي عليا كدا، حتى إسمك اللي محفور على الدبلة دا محفور في قلبي من قبلها"
إتسعت إبتسامتها أكثر من ذي قبل بينما هو نظر لها بحب ثم قال:
"أنا لو عليا أفضل طول اليوم أبصلك وأنتِ بتضحكي كدا، بس أنا وعدتهم إني مأخركيش وعلشان عم طه كمان ميتعصبش عليا"
على ذِكر والدها دب الذعر في أوصالها وتبدلت ملامحها إلى ضيق ممزوج بخوف مما هو آتٍ ومن ردة فعل أبيها، نظر هو لتخبطها فقال بهدوء:
"يلا بينا متخافيش أنا معاكِ".
________________
في منزل آلـ «الرشيد» كان «طه» فى ردهة البيت في إنتظار إبنته حينما لاحظ تأخرها، كان جالسًا على مقعد خشبي من المقاعد المُخصصة لمناسبات العائلة، لاحظ إقتراب سيارة «ياسين» من المنزل فوقف متأهبًا، نزل «ياسين» من السيارة أولًا ثم أنزلها بعده،
وجد والدها ينظر له بحنقٍ، فقرر مضايقته بإمساكه لكفها وكأنه بذلك يتحداه، أما هي فشعرت بالخوف من إمساكه كفها أمام والدها وحينما حاولت إفلات كفها من كفه قام هو بإمساك كفها أكثر ثم قال بهدوء:
"قولتلك أنتِ مراتي والناس كلها عارفة وهو لازم يعرف حاجة زي دي "
بعد إنتهاء جملته وجد نفسه يقف أمام والدها، نظر لهما «طه» ثم نظر لكفيهما المتعانقين بضيق ، لكنه حاول إخفاء ضيقه وقال بهدوء:
"إتأخرتوا ليه كدا يا ولاد أنا قلقت عليكم؟"
إبتسم له «ياسين» بإستفزاز ومازال كفه يعانق كفها ثم قال:
"معلش يا عمي حضرتك عارف بقى إن إحنا في فترة التعارف وخصوصًا إن إحنا معملناش فترة خطوبة"
أومأ له «طه» بهدوء ثم أمسك ذراع إبنته الأخر وهو يقول:
"محصلش حاجة يا ياسين، بس ياريت متتأخروش كدا مرة تانية"
من خلال إمساك والدها لها أجفل جسدها من لمسته حتى إنها دون وعيًا منها شددت من مسكت كف «ياسين»،
شعر والدها بالإحراج من موقفها فهي غير معتادة على لمسته لها منذ زمن بعيد، حيث كانت كل علاقتها به مُلخصة في عقابه لها وضربها.
نظر «ياسين» في وجه «طه» فخشي أن الأمور تطور أكثر من ذلك حينما رآى ضيق ملامحه، لذلك ترك كفها ثم قال ببسمة هادئة:
"أنا آسف مرة تانية يا عمي على التأخير وإن شاء الله دا مش هيتكرر مرة تانية "
قال حديثه لوالدها ثم نظر لها وهو يقول:
"أشوفك على خير إن شاء الله"
كل ذلك كانت تتابعه «مُشيرة» من أمام شقتها، وحينما أوشك «ياسين» على المُغادرة، ركضت حتى وصلت أمامهم، نظر لها أخيها مُتعجبًا أما «ياسين» من نظرة «خديجة» علم أن هذه هي «مُشيرة» السبب الرئيسي في إضطرابات زوجته، لذلك نظر لها بقوة وهو يتفحص ملامحها حتى أنه لم ينتبه لترحيبها به، وحينما لاحظ صمتها فجأة قال بهدوء:
"أهلًا بحضرتك"
ردت عليه تحيته بإقتضاب ثم قالت لأخيها:
"معقول يا طه جوز بنتك يكون هنا وتسيبه واقف على باب العمارة كدا؟
بدا على «طه» وكأنه إنتبه للتو لوقوف «ياسين» في مدخل البيت فقال بإحراج:
"معلش يا ياسين أنا متأسف تعالى إتفضل معانا"
إبتسم له «ياسين» لكي يرفع الحرج عنه وهو يقول:
"لأ يا عمي متقولش كدا أنا أتأخرت فعلًا ،خليها مرة تانية"
هَمَ بالمغادرة فتحدثت «مشيرة» بسرعة وهي تقول:
"خلاص بكرة الجمعة يبقى تيجي تتغدى معانا بقى"
نظر لها «ياسين» مُبتسمًا ثم قال بهدوء:
"مُتشكر لحضرتك جدًا بس أنا معزوم عند أصحابي بكرة"
كانت هذه مُجرد حُجة لكي يرفع الحرج عن نفسه إذا رفض، حينما شعرت برفضه قالت من جديد:
"خلاص طالما هتتغدى مع صحابك يبقى تيجي تشرب الشاي معانا هنا ولا إيه يا طه؟"
رد عليها «طه» مُعقبًا:
"أكيد يا مُشيرة والمرة كمان يتعرف على عيلة مراته"
نظر «ياسين» إلى «خديجة» فوجد التخبط والخوف ظاهر على وجهها لذلك قال بهدوء:
"خلاص بكرة أخر النهار هكون هنا إن شاء الله".
_____________
تركهم «ياسين» ورحل إلى بيته،
كان يشعر بالسعادة تغمره نظرًا لحديثها معه وعن إطمئنانها له، دخل شقته كانا والديه في إنتظاره، ولكن ما آثار دهشتهما هي الطريقة التي دخل بها «ياسين» الشقة، حيث أنه كان يدندن أغنية في هدوء وهذه على غير عادته، جلس على الكرسي الذي يقع بجانب الشقة هو يغني:
"دا اللي كان نفسي فيه ، لو تيجي صدفة تجمعني بيه ، فرصة عمري أضيعها ليه ؟ مش معقول....عيني قدام عينيه
دا أكتر من اللي حلمت بيه جه اليوم اللي أنا مستنيه علشان أقول:
"وياه الحياة هتحلى وأنا معاه.. هو دا اللي أنا بتمناه ..واللي عيني شايفاه إحساس إنه أحلى وأغلى الناس"
رفع صوته في الجملة الأخيرة مما أدى إلى خروج والده من غرفة الصالون وهو يقول:
"الــلـه! هايل يا فنان، والله العظيم وقعت ومحدش سمى عليك"
شعر «ياسين» بالإحراج فهذه لم تكن عادة والده السهر لذلك الوقت، فوقف وهو يحمحم مُحرجًا ثم أضاف مستطردًا:
"حاج رياض خير إيه اللي مسهرك كدا؟"
نظر له والده بسخرية ثم قال:
"حظي حلو علشان أسمع الفنان وهو بيغني"
وقبل أن يرد عليه «ياسين» وجد والدته تقف أمامه وهي تقول بضحك:
"بس إيه رايق وعمرو دياب، بيسموه إيه دا يا رياض؟"
ضحك «رياض» ثم قال مُجيبًا إياها:
"دا بيسموه حب يا زُهرة"
رد «ياسين» عليهما بضجرٍ قائلًا:
"لأ هتعملوني مسرحية ليكم ولا إيه تصبحوا على خير ويلا السهر غلط عليكم"
أنهى حديثه ثم ركض هاربًا إلى غرفته، تحت نظرات الضحك