🖤الفصل السادس: مجرد اعتراف
لم يكن ما حدث تلك الليلة مجرد حادثة عابرة، بل كان نقطة تحوّل لم يعد بعدها شيء كما كان، لا بالنسبة لزين ولا لليلى، فقد أصبحت الحقيقة أوضح من أن تُتجاهل، وأثقل من أن تُحتمل. جلس زين إلى جانبها لساعات، لا يتكلم كثيرًا، فقط يراقب أنفاسها، يتأكد أنها ما زالت هنا، كأن وجودها وحده أصبح شيئًا يخاف أن يفقده في أي لحظة، وهذا الخوف… كان جديدًا عليه، خطيرًا، لأنه لم يكن جزءًا من خطته، ولا من الطريق الذي رسمه لنفسه منذ البداية. ليلى، رغم ضعفها، لم تكن صامتة تمامًا، كانت تنظر إليه أحيانًا بنظرات طويلة، وكأنها تقرأ ما خلف صمته، كأنها ترى الصراع الذي لم يعد قادرًا على إخفائه، ولم تعد تسأله الأسئلة التي كانت تطرحها سابقًا، لأن الإجابات أصبحت واضحة دون حاجة للكلمات. وفي تلك المساحة الصامتة بينهما، بدأ شيء يتغير، ليس بسرعة، ولا بشكل واضح، بل ببطءٍ مؤلم، كجرحٍ يرفض أن يُشفى، لكنه أيضًا لا ينزف كما كان. حاول زين أن يبتعد بعدها، أن يعيد الأمور إلى ما كانت عليه، أن يضع مسافةً بينه وبينها قبل أن يصبح الأمر أخطر مما هو عليه، لكنه لم ينجح، لأن العالم الذي يعيش فيه لم يسمح له بذلك، فقد بدأت الأعين تلتفت، والأسئلة تُطرح، والأسماء التي أسقطها لم تمر دون أثر. كان هناك من يراقب، من يجمع، من يربط الخيوط كما فعلت ليلى، لكن هذه المرة… لم يكن بدافع الحقيقة، بل بدافع السيطرة. ومع كل خطوة كان يقترب فيها من النهاية، كان يشعر أن الدائرة تضيق، أن الأمر لم يعد مجرد مطاردة من طرفٍ واحد، بل أصبح لعبة متبادلة، وكل خطأ فيها قد يكون الأخير. في أحد الأيام، وصل إليه الاسم الذي كان ينتظره منذ البداية، الاسم الذي يقف خلف كل شيء، خلف تلك الليلة، خلف الدم، خلف الفراغ الذي عاش فيه منذ ذلك الحين. "الوحش". لم يكن اسمًا عاديًا، ولم يكن شخصًا يمكن الوصول إليه بسهولة، بل كان ظلًا أكبر من كل ما واجهه، قوةً تتحرك من خلف الستار، تملك من النفوذ ما يجعلها تختفي حتى وهي أمامك. حين عرف مكانه أخيرًا، لم يشعر بالراحة كما توقع، بل بشيء أثقل، كأن النهاية التي سعى لها بدأت تقترب… ومعها، كل ما حاول تجاهله. نظر إلى ليلى في تلك الليلة، وهي تجلس بصمت، أقوى مما تبدو، وأضعف مما تريد أن تعترف، وفهم شيئًا لم يفهمه من قبل؛ أن الطريق الذي يسير فيه لا يمكن أن يجتمع مع وجودها، وأن أحدهما… لن يخرج منه كما دخل. اقترب منها، جلس أمامها، ونظر في عينيها مباشرة، دون هروب هذه المرة، "لازم تبعدي"، قالها بهدوء، لكن صوته كان يحمل قرارًا لا رجعة فيه، لم يكن طلبًا، بل محاولة أخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. لكنها لم توافق، كما لم تفعل من قبل، "وأنت؟" سألته، وكأنها تعرف الجواب، وكأنها تختبره فقط، فصمت للحظة، ثم قال: "أنا… خلصت من زمان." تلك الكلمات كانت أقسى مما بدت، لأنها لم تكن تهديدًا، ولا تضحية بطولية، بل اعترافًا… بأنه لم يعد يرى لنفسه طريقًا آخر. اقتربت منه أكثر، رغم كل شيء، رغم الخطر، رغم الحقيقة، "أنت بتكذب"، قالتها بهدوء، ليس لتجادله، بل لتثبت شيئًا، "لو خلصت… ما كنت رجعت." تلك الجملة كسرت الصمت بينهما، وتركت أثرًا لم يستطع إنكاره، لكنه لم يرد، لأنه كان يعرف أنها محقة… وهذا ما جعله أكثر خطرًا. في تلك اللحظة، لم يكن الصراع بينه وبين أعدائه، بل بينه وبين نفسه، بين ما أصبحه… وما بقي منه. لكنه، في النهاية، لم يتراجع، لأن الطريق الذي بدأه لا يسمح بذلك، ولأن "الوحش" لم يكن مجرد هدف… بل نهاية كل شيء. وفي تلك الليلة، حين خرج زين وحده، دون أن يلتفت خلفه، كان يعرف أنه قد لا يعود، ليس لأنه خائف من الموت، بل لأنه يعرف أن بعض النهايات لا تترك شيئًا خلفها… لا انتصارًا، ولا نجاة، فقط صمتًا طويلًا… يشبه تمامًا ما بدأ منه كل شيء.