🖤الفصل الخامس: خيط النهاية
لم يعد زين قادرًا على إنكار الأمر، فوجود ليلى في حياته لم يكن مجرد صدفة عابرة كما حاول أن يقنع نفسه، بل أصبح حقيقةً تتكرر رغم كل محاولاته للابتعاد، كأن القدر يصرّ على وضعها في طريقه مرةً بعد أخرى، وكأن هذا الطريق المظلم الذي اختاره بدأ يتشقق من الداخل. في الأيام التي تلت لقائهما الأخير، حاول أن يعود كما كان، أن يغلق كل بابٍ فتحته، أن يدفن تلك النظرات، تلك الكلمات، ذلك الشعور الغريب الذي لم يفهمه، لكنه فشل. كل مرة كان يقف فيها أمام هدفٍ جديد، كل مرة كان يرفع يده لينهي ما بدأه، كان يتردد… ليس خوفًا، بل لأن شيئًا ما لم يعد صامتًا داخله. لم يعد الفراغ كاملًا كما كان، ولم يعد الظلام وحده كافيًا لإخفاء ما يشعر به. وفي الجهة الأخرى، لم تتوقف ليلى أيضًا، بل اقتربت أكثر من الحقيقة، أكثر مما يجب، حتى أصبحت على حافة شيءٍ لا يمكن الرجوع منه. كانت تربط الخيوط، تجمع الأدلة، وتدرك تدريجيًا أن ما تلاحقه ليس مجرد شبكة فساد، بل عالم كامل يعيش في الظل، وزين كان جزءًا منه… أو ربما كان شيئًا مختلفًا داخله. وحين التقيا مرةً أخرى، لم يكن اللقاء عابرًا، ولم يكن مليئًا بالتوتر فقط، بل بشيءٍ أثقل، شيءٍ يشبه الاعتراف غير المعلن. لم تهرب، ولم يختفِ، بل بقيا واقفين في مواجهة بعضهما، كأن كل واحدٍ منهما يحاول أن يفهم الآخر دون كلمات. "ليش ما قتلتني؟" سألت فجأة، وصوتها لم يكن متحديًا، بل صادقًا، وكأنها تريد الحقيقة فقط. زين لم يرد فورًا، لأنه لم يكن يملك جوابًا واضحًا، أو ربما كان يملك جوابًا لا يريد الاعتراف به، فاكتفى بالنظر إليها طويلًا قبل أن يقول بصوتٍ منخفض: "لأنك مش منهم." لكنها لم تكتفِ، اقتربت خطوة، وكأنها تختبر حدوده، "ولا أنت منهم…" قالتها بهدوء، وكأنها ترى ما لا يريد أن يُرى. تلك الكلمات أصابته أكثر مما يجب، لأنه لم يعد يعرف إن كانت صحيحة… أم لا. للحظة، شعر بثقل كل ما فعله، كل الأسماء، كل النهايات، كل الطريق الذي مشى فيه دون أن ينظر خلفه، وكأن كل شيء عاد دفعةً واحدة. لكنها لم تتراجع، بل بقيت، وهذا ما جعل الأمر أسوأ… أو ربما أفضل بطريقةٍ لا يفهمها. بدأت المسافة بينهما تختفي، ليس جسديًا فقط، بل في شيءٍ أعمق، شيءٍ لم يكن مسموحًا له أن يوجد في عالمه، ومع ذلك… كان هناك. لكن هذا القرب لم يكن نعمة، بل خطرًا، لأن العالم الذي يعيش فيه زين لا يترك مثل هذه الأشياء دون ثمن. لم يتأخر ذلك الثمن كثيرًا، فبينما كانت ليلى تقترب أكثر من الحقيقة، كانت الحقيقة تقترب منها أيضًا، بأشخاصٍ لا يتركون الشهود أحياء، وبأعينٍ بدأت تراقبها كما كانت تراقب هي الآخرين. وفي إحدى الليالي، حين كانت تسير وحدها، لم تكن تعرف أنها أصبحت هدفًا، وأن الخطأ الذي ارتكبته لم يكن في اقترابها من القصة… بل في اقترابها من زين نفسه. حين وصل الخبر إلى زين، لم يكن مجرد معلومة، بل كان إنذارًا، شيئًا ضرب داخله بقوة لم يشعر بها منذ تلك الليلة الأولى. لم يفكر، لم يخطط، لم يحسب، فقط تحرك. هذه المرة، لم يكن الأمر انتقامًا، بل خوف… خوف حقيقي، خام، لم يعرفه منذ زمن. وصل متأخرًا… أو هكذا ظن. المكان كان مظلمًا، صامتًا، لكنه لم يكن فارغًا. آثار صراع، خطوات، شيء حدث… وما زال أثره موجودًا. بحث بعينيه، بأنفاسٍ ثقيلة، حتى وجدها. كانت هناك، لكنها لم تكن كما كانت. لم تكن مكسورة… لكنها لم تعد سليمة. نظرت إليه حين اقترب، وفي عينيها شيء جديد، شيء لم يكن موجودًا من قبل، ليس خوفًا منه… بل من العالم الذي دخلته. ركع أمامها، لأول مرة منذ زمن، ليس كقاتل، بل كإنسان، ولم يعرف ماذا يقول. الصمت كان أثقل من أي كلمة. "قلتلك… هذا المكان مش إلي"، همست بصوتٍ ضعيف، محاولة ابتسامة لم تكتمل، "بس شكلي ما سمعت." شدّ على يده دون أن يشعر، وكأن الألم عاد أخيرًا، لكن هذه المرة لم يكن له وحده. نظر إليها، وعيناه لم تعودا فارغتين كما كانت، بل مليئتين بشيء واضح… شيء لم يعد يستطيع إنكاره. "غلطتي"، قالها أخيرًا، بصوتٍ مكسور، "إنك عرفتي طريقي." لكنها هزّت رأسها ببطء، رغم الألم، "لا… غلطتك إنك مفكّر إنك ما بتستاهل شي غيره." تلك الكلمات سكنت داخله، كسرت شيئًا، أو أعادت بناءه… لم يكن متأكدًا. لكنه كان متأكدًا من شيء واحد فقط: هذه المرة، لم يعد الأمر يتعلق به وحده، ولم يعد الطريق مجرد انتقام، بل أصبح معركة ضد كل شيء قد يأخذها منه. ومع ذلك… في أعماقه، كان يعرف الحقيقة التي يهرب منها؛ أن هذا العالم لا يترك أحدًا ينجو، وأن كل من يقترب منه… يدفع الثمن، عاجلًا أم آجلًا. وفي تلك الليلة، بينما كان يحملها بين يديه، شعر بثقلٍ لم يشعر به من قبل، ليس لأنها ضعيفة… بل لأنه بدأ يفهم أخيرًا ماذا يعني أن تخسر شيئًا… مرةً أخرى.