لعنه ناجي - 🖤الفصل الاول: مدينة لا تنام - بقلم غنى أنور سمامره | روايتك

اسم الرواية: لعنه ناجي
المؤلف / الكاتب: غنى أنور سمامره
حالة الرواية: مستمرة
الفصل الحالي: 🖤الفصل الاول: مدينة لا تنام

🖤الفصل الاول: مدينة لا تنام

🖤 الفصل الأول: مدينة لا تنام لم تكن "مدينة الظلام" مجرد اسم أُطلق عليها عبثًا… كانت انعكاسًا صادقًا لما أصبحت عليه. في هذه المدينة، لا يأتي الليل بهدوء، بل يزحف ببطء، ككائن جائع، يبتلع الشوارع واحدًا تلو الآخر. المصابيح المعلقة على الأعمدة لم تكن تنير، بل كانت تومض بتردد، كأنها تخشى ما قد تكشفه. الأزقة ضيقة، متشابكة، تختنق برائحة الرطوبة والحديد والبارود… رائحة لا تزول، حتى لو أغلقت أنفاسك. الناس هنا لا ينظرون في عيون بعضهم. ليس احترامًا… بل خوفًا. الخوف من أن ترى في عين الآخر انعكاس مصيرك. وفي أحد تلك الأزقة، حيث تتراكم الظلال فوق بعضها حتى تبدو كجدار لا يُخترق، كان يقف زين. بلا حركة. بلا صوت. كأن الزمن حوله توقف… أو أنه هو من خرج منه. عيناه كانتا ساكنتين، لكن داخله لم يكن كذلك. شيء ما كان يتآكل فيه ببطء، كصدأٍ ينهش الحديد. شيء لم يبدأ هذه الليلة… بل منذ زمن، منذ اللحظة التي انكسر فيها كل شيء. لكن زين… لم يكن دائمًا هكذا. كان هناك وقت… قبل أن تصبح الحياة عبئًا. قبل أن يصبح الصمت ملجأ. قبل أن تتحول الذكريات إلى لعنة. كان لديه بيت. ليس كبيرًا، ولا فاخرًا، لكنه كان دافئًا… بشكل لا يمكن تفسيره. الجدران كانت تحتفظ بأصوات الضحك، والأرضية الخشبية كانت تصدر صريرًا خفيفًا مع كل خطوة، كأنها تشاركهم الحياة. كانت أمه تناديه بصوتٍ يحمل تعب السنين، لكنه مملوء بحب لا ينضب. كانت أخته تضحك بلا سبب، تضحك حتى تبكي، وكأن العالم كله لا يحمل ذرة حزن. وكان أبوه… رجل بسيط، لا يقول الكثير، لكنه حين يضع يده على كتف زين، كان كل شيء يصبح على ما يرام. تلك اليد… كانت الأمان. وكان زين، رغم قوته، مجرد إنسان… يعيش حياة عادية، يحلم بأشياء صغيرة، ويصدق أن الغد قد يكون أفضل. لكن في "مدينة الظلام"… الأشياء الجميلة لا تدوم. كانت الليلة هادئة بشكل غريب. هدوء غير مريح. كأن المدينة تحبس أنفاسها… تنتظر شيئًا. السماء كانت بلا نجوم، والسحب الثقيلة غطّت كل شيء، حتى القمر اختفى، وكأنه رفض أن يشهد ما سيحدث. كان زين عائدًا إلى المنزل. خطواته كانت هادئة، منتظمة. في يده كيس بسيط… أشياء عادية، تفاصيل صغيرة من حياة عادية. لم يكن يعلم أن هذه الأشياء… ستكون آخر ما يحمله إلى بيته… كإنسان. وقبل أن يصل— حدث شيء. صوت اخترق الصمت. طلقة. توقفت خطواته. ثم— طلقة أخرى. ثم صراخ. صوت مألوف… مؤلم… مستحيل. تجمّد جسده. قلبه… لم ينبض للحظة. ثم عاد… بعنف. ركض. لم يفكر. لم يتردد. لم يشعر بالأرض تحت قدميه، ولا بالهواء في رئتيه. كل ما كان يعرفه… أنه يجب أن يصل. يجب أن يصل الآن. حين وصل… كان الباب مفتوحًا. وهذا وحده… كان كافيًا. الباب لم يكن يُترك مفتوحًا. أبدًا. وقف للحظة قصيرة. لحظة واحدة فقط… قبل أن يدخل. الداخل لم يكن كما تركه. الضوء كان خافتًا، ضعيفًا، كأنه يحتضر. الهواء ثقيل… خانق. والصمت— الصمت لم يكن صمتًا. كان صراخًا مكتومًا. خطوة. ثم أخرى. تحت قدمه… صوت تكسير. نظر للأسفل. زجاج. منتشر. كأن شيئًا ما… انفجر. رفع عينيه ببطء. الجدران مخدوشة… الأثاث مقلوب… الأشياء مكسورة… كل شيء كان يصرخ: "لقد حدث هنا شيء لا يمكن إصلاحه." وجدها أولًا. أخته. كانت ممددة على الأرض. بهدوء غريب… هدوء لا يليق بالحياة. اقترب منها ببطء، وكأن كل خطوة تقرّبه من حقيقة لا يريدها. ركع. مد يده… ثم توقف. لمسها يعني الاعتراف. والاعتراف يعني… النهاية. لكن يده لم تستطع التراجع. لمسها. باردة. باردة بشكل لا يمكن للكلمات أن تشرحه. سحب يده بسرعة، كأنه احترق. عينيه اتسعتا… لكن الدموع لم تنزل. لم يستطع حتى البكاء. ثم… صوت. ضعيف. متقطع. من داخل المنزل. تحرك فورًا. دخل الغرفة. وهناك— رأى ما تبقى من عالمه. لم تكن الصورة واضحة في البداية. ربما لأن عقله رفض أن يراها. لكنها كانت حقيقية. قاسية. نهائية. وفي تلك اللحظة… انكسر شيء في داخله. ليس قلبه فقط… بل كل ما كان يجعله إنسانًا. مرت دقائق… أو ساعات. لم يكن يعرف. كان واقفًا فقط. وسط الركام. وسط الذكريات. وسط الحياة التي انتهت. لا صوت. لا دموع. لا كلمات. فقط فراغ. فراغ هائل… يبتلع كل شيء. وفي ذلك الفراغ… وُلد شيء جديد. شيء لم يكن موجودًا من قبل. لم يكن حزنًا فقط. ولا غضبًا فقط. كان شيئًا أعمق… أظلم. شيئًا لا يبحث عن العدالة… بل عن النهاية. رفع رأسه ببطء. نظر حوله. كل زاوية في المكان كانت تهمس باسمٍ ما. وجوه… أصوات… ذكريات… ثم همس هو. بصوت منخفض… بالكاد يُسمع: "لن يبقى أحد…" توقف. أنفاسه ثقيلة. وعينيه… لم تعد كما كانت. "ممن فعل هذا… حيًا." في تلك الليلة… لم يولد قاتل. بل وُلد شيء أخطر. إنسان… فقد كل ما يجعله يتوقف.