الفصل 1
*ـ روايه عصابة ولكن ظرفاء 🥷🏻😂*
*(الفصل: 1-2. 𐙚 ֢ ׁ⤿)*
هيا، لِنبدأ رحلة جديدة!
-
استعادت وعيها لتجد نفسها ملقاة على أرض صلبة، قد آلمت ظهرها، ففتحت عينيها ببطء لتلمح ما يحدث حولها في نظرةٍ خاطفةٍ، وأغلقتهما بسرعة عندما رأت على بُعد بضعة أمتار رجال يقتربون حيث مرمية هي، ويجرون في أياديهم جسدًا لرجلٍ مغطى بالدماء من شعره إلى إخمص قدمه، وفي تلك اللحظة التي فتحت فيها عينيها، استطاعت رؤية قدر الدماء الذي اختفت ملامحه أسفله.
أغلقت عينيها أكثر لشعورها بالصدمة والهلع في تلك اللحظة، فظلت تردد في نفسها: «أقسم بالله حلم، إن شاء الله حلم، ما هو دا لو مش حلم يبقا أقسم بالله لأروح فيكم في داهية» ومن ثم شعرت برغبةٍ في البكاء لتقول في نفسها مسترسلةً بملامح باكيةً: «أو أقسم بالله شكلي أنا اللي روحت في داهية»
2 تعليق
وبعد مدة، بعدما حاولت تهدئة نفسها شعرت بجسدٍ يقترب منها وأنفاسه قد اخترقت بشرتها، فأغمضت عينيها أكثر، وضغطت أكثر على نفسها كي لا تتنفس كما لو أنها إن توقفت عن التنفس ستكون شفافة وغير مرئية! فبالفعل عقلها في تلك اللحظة خيل لها أنها إن أغمضت عينيها جيّدًا وتوقفت عن التنفس، ولم ترَ ما يحدث حولها، لن يراها الشخص الذي كادت أنفاسه تخترقها لتصل للأرض الصلبة أسفلها.
وبعد ثلاث ثوانٍ من تصرفها ذاك، وجدت صوتًا يهمس بالقرب من أذنها بينما يقول: «زهرة، افتحي عينك يا غبية، أنا كدا مش شايفك يعني؟!»
عقدت حاجبيها لا إراديًّا عندما شعرت أنها تعرف صاحب ذلك الصوت لتفكر «أنا عارفة الصوت المنتن دا كويس» وفتحت عينيها بسرعةٍ لتجده رؤوف، صديق أخيها وجارها منذ نعومة أظافرهما، بينما وجهه قريب جدًّا منها وينظر لها بنظرات مختلطة.
فتحت عينيها على وسعيهما بصدمةٍ، لتضربه على وجهه وتقول بخشونة: «بتعمل إيه ياض أنت!»
تأوه رؤوف ووضع يده حيث موضع الضربة التي تلقاها منها، وقال بنبرةٍ باكية: «هعمل إيه يعني مع واحدة زيك يا زهرة، مش كفاية إنك شبه سيد الميكانيكي وسايبك تعيشي معانا عادي!»
فقالت زهرة بعدما استقامت، واعتدلت في جلستها، لتربع قدميها: «طب ما أنت شبه مراته ومتكلمتش يا رؤوف»
امتقع وجه رؤوف مع أنه كان يعرف أنه لن يستطيع الفوز عليها في معركة الكلمات تلك، ولكنه كان يحلم أن يفوز هذه المرة ككل مرة يتمنى ذلك ولا يناله.
تحمحم رؤوف بعدما احمر وجهه، وما زالت تلك الكلمات من زهرة تؤثر فيه على الرغم من عدد المرات المهولة التي تلقاها منها فيها، ليقول: «ما علينا.. ما علينا، خلينا دلوقت في البلوى اللي احنا فيها دي»
فسرعان ما تذكرت زهرة ما يحدث حولها، وذلك المكان الغريب الذي استيقظت لتجد نفسها فيه، ومعها رؤوف وأخيها نادر كذلك، وعندما تذكرت نادر نظرت حولها بسرعة باحثةً عنه، وهي تقول بفزع: «نادر!» قبل أن تجده ما زال فاقدًا لوعيه بجوارها من الجهة الأخرى.
لتتنفس براحة بينما تقول: «الحمدلله متقتلش، ليا عنده عشرين جنيه كان سالفهم مني من سنتين، مينفعش يموت قبل ما يردهم»
4 تعليق
نظر لها رؤوف وتنهد بفقدان أمل، وفجأة وبينما يتحدثان، سمعا صوت طلقات رصاص، وبعدئذٍ صوت باب إحدى الغرف في ذلك المخزن اللذين يتواجدان فيه يُفتح، فنظرا إلى بعضهما بهلع، وحاول كل منهما إنقاذ نفسه، فألقت زهرة بسرعة بنفسها أرضًا، لتتصنع النوم بينما تضغط على عينيها، ورؤوف تصنم مكانه بينما هو جالس عاقد قدماه، وأمسك بنطاله بكفيه وعصره بين أصابعه، وأغلق عينيه هو أيضًّا وكأنه نائم، بينما يقنع نفسه أن ما يفعله طبيعي وأن هناك أشخاص ينامون وهم جالسون، وأن لا أحد سَيَشُك فيه.
2 تعليق
مرّ الرجال بينما يجرون الشخص ذاته ولكن هذه المرة وهو فاقد لأنفاسه تمامًا، فكانت طلقات الرصاص التي سمعا صوتها في رأسه كلها، وما رأته زهرة كان جثته الهامدة تُجر من قدميها، بعدما حاولت هي التلصص على ما يحدث حولها، بينما تفتح عينيها وتغلقهما في الثانية ثلاث مرات كي لا يلاحظها أحد.
وبينما يجر الرجال تلك الجثة، سأل أحدهم: «هنوديه فين دلوقت؟»
ليقول الثالث: «بس الباشا أمر نبعت لأهله فلوس تعويض، وأهي صدقة على روحه»
ليقول الأول: «الباشا بتاعنا دا كريم جدًا»
وكانت تلك هي آخر جملة سمعاها زهرة ورؤوف وبعدئذٍ خرجوا الرجال من المكان كله، وابتعد صوتهم عنه.
فتحت زهرة عينيها، واعتدلت في جلستها بحماس وسألت بدهشة: «أنت سمعت اللي أنا سمعته؟»
فرد رؤوف وقال: «وأنتِ شوفتِ اللي أنا شوفته؟»
فقالت زهرة بدهشة: «بيقولك هيبعتوا لأهله فلوس كتعويض عن قتله!»
4 تعليق
فاستغرب رؤوف ما قالته، فهذا ليس ما كان يتحدث عنه، ليستنكر: «وبعدين يعني!»
فقالت زهرة بينما ظهرت لمبة فوق رأسها تُظهر حضور فكرة جديدة عبقرية إلى عقلها: «وبعدين نخليهم يقتلوا نادر ونعمل أنا وأنت إننا أمه وأبوه وناخد التعويض!»
3 تعليق
نظر لها رؤوف ولم يشعر بأي استغراب مما تقوله، فهذا أقل ما هو متوقع من زهرة، وقال: «أنا مش هجادلك، بس بالمنظر دا احتمال نتقتل احنا التلاتة ويبعتوا لأمك وجوزها التعويض»
فصاحت زهرة باعتراض شديد: «دا على جثتي! بقا عبدالسميع المنتن يعيش على قفايا وأروح أنا فطيس! يقتلوني الأول لو عايزين يعملوا كدا»
نظر لها رؤوف بفقدان أمل وقال: «يا حبيبتي لو هيعملوا كدا ما هما هيكونوا قتلوكِ قبلها، فكدا كدا عبدالسميع هيعيش على قفاكِ سواء على جثتك الأولى أو على جثتك التانية»
نظرت له زهرة وبدأ يتكون على وجهها ملامح باكية، لتقول: «اه يا حوستي السودة يانا ياما، مكانش يومك يا زهرة، ولا وهتروح زهرة شبابك يا زهرة!» ولكنها عادت بسرعة لتتبدل ملامحها قائلةً: «والله ما يحصل، دا على جثتي لو قتلوني»
لم يجد رؤوف كلامًا ليقوله، فهو يعرف أنها لن تفهم أن ما تقوله ليس كلامًا يمت للعقل بصلة! فإن أرادوا قتلها يجب أن يكون على جثتها! كيف وإن قتلوها ستتحول إلى جثة في كل الحالات، سواء اعترضت أو وافقت على ذلك!
«اخرسي بقا يا بت.. سيبيني أتخمد، غوري اندبي في حتة تانية» قال نادر الذي كان يغط في نومٍ عميق، ويمط جسده بجوارهما، ولا يدري بما يحصل حوله.
نظر رؤوف إليه وأعاد نظره إلى زهرة ليقول بسخرية: «شوفي اللي نايم في ماية البطيخ دا، صحيه ألا يغرق فيها»
قالت زهرة: «اصحى ياض يا نادر، اصحى اندب معايا يالا، اصحى خليني أتملى من وشك قبل ما يقتلوك»
فقال نادر من بين نعاسه، ولم يفتح عينيه: «يا ستي قوليله هيجيلك بالليل، هو مش اتفقنا هروح أخطبها ونقرأ الفاتحة بالليل، هيعملي حوارات ليه على الصبح!»
2 تعليق
نظرت زهرة إلى رؤوف وقالت بينما تندب حظه: «قال يقرأ الفاتحة ويخطبها قال، ميعرفش إننا هنقرأ الفاتحة على روحه هو كمان شوية»
فاقترب رؤوف من نادر وقال: «يا عم اتنيل اصحى خلونا نشوف هنعمل إيه في المصيبة السودة دي!»
فتح نادر عينيه قائلًا: «هو احنا كل يوم هنفضل على الموال اللي مش معدي دا، في إيــــه؟ خنقتوني!» ولكنه شعر بألمٍ في أسفل ظهره ليقول: «أنا حاسس إني كنت نايم على الأرض ليه كدا؟ حاسس ضهري اتقسم نصين!»
لم يرد على كلامه أحد، وانتظرا كي يريا صدمته، ليقول رؤوف بابتسامة هلعة: «صباح الخير، احنا مخطوفين.»
يُتْبَعُ.
الفصل صغنن أنا عارفة بس هو زي مقدمة صغيرة كدا للي جاي.
المواعيد هتكون كل خميس إن شاء الله.
يتبع
صوت رنين الهاتف كان يضج في المكان بشكلٍ متعب للأعصاب، فقد وضع نادر النائم رنة مزعجة لأجل إيقاظه، ولكن لأصدقكم القول فجميع من في الحي يستيقظ عداه، وهذا هو الواقع المرير، فاعتاد الجميع في ذلك الحي على صوت رنة منبهه التي تقول «بنت الجيران شغلالي أنا عنيا، وأنا في المكان في خلق حواليا، مش عايز حد ياخد باله من اللي أنا فيه»، ولكن هل هو لم يستيقظ بعد؟ لا، بل استيقظ ولكنه يستمع لبقية الأغنية، ولا يرغب بإطفائها حتى تنتهي هي، بل وقد يضبط المنبه على وضع الغفوة كي يسمعها مرة أخرى، حتى أنه بدأ بالرقص في حلمه.
دخل رؤوف صديق نادر، والذي يعيش نادر عالة عليه وذلك لكونه عاطل عن العمل، دخل ونظر له بفقدان أمل من أن يستيقظ ولو لمرة وحيدة يتيمة دون أن يضطر هو لإيقاظه.
وقف يفحص الغرفة بعينيه بتركيز، وهو يبحث عن أمر معين يعلم جيّدًا أنه سيجده في ركن من أركان تلك الغرفة المقززة، المملتئة بكثير من القاذورات عديمة الفائدة، وحينما رأى ما يبحث عنه اقترب بابتسامة خبيثة ناحيته، فكان الجورب الذي يبحث عنه ملقى بشكلٍ عشوائي بجوار حذاء نادر في الأرض، فحمله واقترب من نادر ووضع الجورب فوق أنفه مباشرة، ولم يجاذف بأن يشمه أو أن حتى يقربه ناحية أنفه بأي شكل، فكان يعامله على أنه فأر أصابه العفن، بل وأسوأ…
واحد.. اثنان.. ثلاثة… ثلاث ثوانٍ كانوا كافيين لنسمع صوت صراخ، وبعدئذٍ صوت سقوط شيء على الأرض، وبعدئذٍ صوت قهقهات رؤوف بانتصار، حيث نال مراده.
كان نادر هو الشيء الذي سقط أرضًا، فبدأت أصوات تأوهاته تتعالى متألمًا، وهو يصرخ في رؤوف: «جرا ايه يا جِلِحش أنت، هو كل يوم على نفس الموال الأسود دا!»
ابتسم رؤوف بسخرية وقال: «قول لنفسك ياخويا، أنت اللي هتفضل كل يوم على الموال الأسود دا؟»
فقال نادر وقد وقف مكانه ووضع يده على مؤخرته متألمًا: «طالما احنا عايشين سوا، هنفضل على الموال دا، ما هو أنا مش هتغير، مفييش أمل خلاص، أنا آخر مرة حاولت أغير حاجة فيا كان عندي ٧ سنين بعد ما أبويا إداني علقة موت عشان ضيعت ٥٠ جنيه باقي فلوس البقالة»
فعقد رؤوف حاجبيه مستغربًا تلك القصة التي لم يسمعها من قبل، وقال: «وغيرت إيه؟»
فابتسم نادر بثقة، وقال: «بطلت أشتريلهم البقالة»
قهقه رؤوف بشدة، وسخر: «ما هتوقع منك ايه يعني! ما أنت نادر…»
رقصا حاجبي نادر بتلاعب، وقال بثقة في غير محلها: «ترا والله اسمي على مسمى، اسمي نادر وأنا نادر» فأومأ رؤوف بسخرية، وملامحه ترفض ما قاله نادر تمامًا.
جلس نادر على طرف فراشه، وما زال يشعر بنعاسٍ طفيف، فتثاءب، وكان رؤوف يقف ينظر للغرفة بتقرف: «نضف الأوضة النهاردة يا ابني، وبعدين عندي سؤال وجودي مهم»
فقلب نادر عينيه بسخرية، وقال: «ارغي يا أوفة براحتك ميهمكش»
فسأل رؤوف: «أنت عاطل، ومعندكش شغل، وعالة عليا وعلى المجتمع، ومش عارفين سبب وجودك في الحياة ايه، ومع ذلك بتظبط المنبه كل يوم على الساعة ٧ وبتفضل قاعد في البيت لحد ما الساعة تيجي ١٢ وتنزل بعدها تدور على شغل، ولحد دلوقت مش فاهم ليه بتصحى بدري طالما مش هتنزل غير متأخر؟!»
ابتسم نادر بثقة في غير محلها: «اللي هقوله دا شيء لا يفهمه عامة الشعب أمثالك، ففتح مخك معايا عشان تفهمه ولو بنسبة اتنين في المية»
قلب رؤوف عينيه بملل، فهو يعرف أن نادر سيقول شيئًا تافهًا لا محالة، وقال: «قول يا صفوة المجتمع، قول يا بلاصي المفهومية»
رفع نادر رأسه للأعلى بتعالٍ، وقال: «دي استراتيجية اخترعها الفيلسوف نادر ديكارت، واللي هو أنا، وبتنص على إني بدرب نفسي على الصحيان بدري عشان أكتبها في السي في بتاعي كميزة من المزايا الكتيرة بتاعتي، زي ما أنت عارف في ناس كتير بتواجه مشاكل في الصحيان بدري، وبيروحوا شغلهم متأخر، ودي مش هتكون مشكلة فيا، والأهم لما ألاقي شغل كمان أكون مستعدله ومش محتاج أتعود على الصحيان بدري أصلًا، ودا عشان أنا إنسان مجتهد» وصمتَّ ثانية ليعترف بالحقيقة: «وبصراحة بقا عشان جالي شغل قبل كدا وكان المفروض أكون هناك الساعة ٨ ووعدتهم إني هروح ومعرفتش أصحى بدري»
جحظت عينا رؤوف وشعر بذهولٍ قائلًا: «قسمًا بالله الدماغ دي متكلفة، دي دماغ ولا حتى حتة بـ٢٠٠ تعرف تجيبها»
فابتسم نادر بتكبر وأرخى عينيه كذلك، وقال: «أومال أنت فاكر ايه! يا ابني أنا جامد بس مدكن»
فقال رؤوف برجاء: «أرجوك خليك مدكن، ومتظهرش جمدانك تاني عشان الحسد والناس عنيها وحش، وأنت جمدانك فيه الطمع»
أومأ نادر بثقة، وقال: «فعلًا، الناس بقت وحشة أوي»
سايره رؤوف وهو يضحك بداخله عليه، فهو يعرف أن نادر أحمق، ولكنه لا يريد أن يبدآ في العراك، وحينئذٍ يعرف رؤوف جيّدًا أنه لن يفوز في هذا التحدي، فنادر (عيل شلق) أساسًا، أي ولد مستعد دائمًا للعراك، ولن يستطيع رؤوف الفوز عليه.
خرج رؤوف من غرفة نادر، متوجهًا إلى غرفته، مارًا بالمطبخ، ليأخذ منه العشرين شطيرة التي صنعها لنفسه كفطورٍ له، ودورق كبير من عصير البرتقال، فالآن هو يستطيع أن يقول للعالم «صباح الخير».
في الواقع هو لم ينم حتى الآن، ولن ينام الآن كعادته، بل سيعود إلى غرفته ويجلس أمام حاسبه الآلي، ليُكمل أعماله.
رؤوف خريج حاسبات ومعلومات، وقبل حتى أن يلتحق بها لطالما كان عبقريًّا في كل أمور الحاسب الآلي، وأمور الاختراق وغيرها، الأمر كان هواية له.
وعندما تضيق الدنيا برؤوف، وعمله الحر لا يؤتي ثماره، يخترق مواقع لشركات هامة، أو صفحات ويبتز أصحابها لكسب المال، خاصةً المواقع السوداء، والمشبوهة، ويظن بهذا أنه ينفع البشرية! غبي وأحمق؟ نعم، صحيح.
خرج نادر من غرفته، وذهب إلى غرفة رؤوف الذي كان يجلس وفي يده شطيرة من الشطائر، ويتابع عمله في هدوء، ليجد كفًا كبيرًا يلتصق بظهره مُصدرًا صوتًا لضربة، لينظر رؤوف بتألمٍ لنادر قبل أن يقول: «ياض يا غبي! شوف بتمد إيدك وترجع تقول أنا اللي بدأت»
فقال نادر بابتسامة خبيثة: «طب هات سندوتش ومش هعمل حاجة»
فجحظت عينا رؤوف عندما فهم أنه يفعل هذا ليأخذ طعامه، ليقول بجدية: «لا، اعمل لنفسك»
نظر له نادر بلا مبالاة ومدَّ يده ليسرق من طعامه، ليضرب رؤوف يده بسرعة: «حسك عينك تفكر حتى إني ممكن أديلك منهم»
«دا أنت نتن! هات يالا سندوتش منهم، مكسل أعمل لنفسي» قال نادر بغضب طفيف.
تجاهله رؤوف واستمر فيما يفعله، بينما يقضم من شطيرته.
«مش هتديني يعني؟» سأله نادر بعناد.
«اه مش عاطيك.. أنت عارف إني باكل كمية معينة ولو قلوا بطني بتزعل وبتزعلني، فحل عن سمايا وروح اعمل لنفسك يا جدع» قال رؤوف بإصرار.
«طب هات بؤق عصير أبل ريقي» قال نادر محاولًا مرة أخرى.
«لا، دول يا دوب يكفوني ساعة، لو خدت منه هيخلصوا بسرعة، اعمل لنفسك، كدا كدا البرتقان من فلوسي، اتلحلح واعمل لنفسك، مش هيبقا الأكل والشرب من فلوسي وكمان أخدمك، المفروض أنت اللي تخدمني أصلًا، عشان تعوضني عن نطاعتك» قال رؤوف بعقلانية.
«بقا كدا؟» قال نادر بانزعاج.
فأومأ رؤوف، وتجاهله من جديد.
نظر نادر لرؤوف بحقد، ونظر حوله يبحث عن طريقة مؤلمة للانتقام منه، وفجأة لمعت لمبة الأفكار النيرة فوق رأسه، ليبتسم بمكر، وقال: «خلاص يا حبيبي ولا يهمك، مش عايز حاجة، ولو احتجت حاجة أو عايزني مثلًا أغسلك رجلك كتعويض ليك عن الأكل والمرعى وقلة الصنعة بتوعي…»
«ابقا اقطعهم قبل ما تفكر أغسلهملك يالا، عارف يعني ايه تقطعهم يالا!» واقترب من سلك الحاسب الآلي الموصول بالكهرباء ونزعه منها.
نظر له رؤوف بصدمة، فقد تسبب نادر لتوه في ضياع العمل الذي سهر طوال الليل لأجله، وما كان قد حفظه بعد، شعر رؤوف للحظاتٍ أنه فقد النطق، وعقله توقف عن التفكير، لم يستوعب ما حدث حتى أنه شعر أن ما حدث كان حُلمًا بل كابوسًا حقيقيًّا.
«نادر! هقتلك يا نادر.. هقتلك.» صرخ رؤوف بجملته تلك، وتحرك ليجري خلف نادر مستعدًا تمامًا لقتله في تلك اللحظة، وبدمٍ بارد، بل ومتأكد من أنه لن يندم على ذلك.
؞
حوالي الساعة الحادية عشرة قبل الظهر، رن جرس الباب، فاتجه نادر لفتحه بينما يمسك في يده موزة، ويقضم منها بشرهٍ، حتى كاد يأكل قشرتها أيضًّا.
فتح الباب ليقول باعتيادية: «ادخلي يا زهرة»
فدخلت المدعوة زهرة وفي يدها كيس أسود كبير، ويبدو أنه ثقيل جدًّا، وقالت بعدما ألقت بالكيس أرضًا، وبدأت بدعك يدها بتألم: «عامل ايه يا عرة الإخوات؟»
«الناس بتقول صباح الخير، بونجور، بونسوار عليكم، مش عامل ايه يا عرة النيلة على دماغك» قال نادر بعدما جلس على كرسي من كراسي الصالة، وفتح قدميه علي وسعيهما.
«دا لما يكون الأخ عِدل، مش سبعة صنايع والبخت ضايع، وبعدين مش بونجور دي نسكافيه يالا باين؟ عايزني أقولك نسكافيه ليه؟» قالت زهرة.
نظر لها نادر بتعالٍ، وقال: «نسكافيه؟ التاني بونجورنو يا أم جهل، وبعدين هي دي آخر معلوماتك عن الإيطالي؟»
عقدت زهرة حاجبيها وقالت بسخرية: «إيطالي؟ بذمة أهلك أنت عمرك شميت ريحة الإيطالي يا معفن!»
وأكملت قائلة: «أيوة يعني.. بونجور دي معناها ايه؟ ألا تكون بتشتمني يا ابن ذكية!»
فابتسم نادر بسخرية: «يعني فهمتِ بونسوار وبونجور هي اللي وقفت في زورك؟»
فقالت بثقة كبيرة: «لا بونسوار دي لعبتي يا حبيبي، أنا مش حافظة غيرها من أيام الثانوي»
فسألها: «طب معناها ايه يا أم العريف؟»
فضحكت بثقة وقالت: «معناها اسمك ايه»
فأومأ نادر وابتسم بسخرية: «صح يا بت، جهبذ يا بت يا زهرة من يومك»
فقالت وعدلت من هندامها بغرور: «أومال أنت فاكر ايه! أنا بس اللي غيبت في الدرس في حصة بونجور دي، أصل بقا يومها البت مريهان صحبتي كانت أمها بتولد وروحت معاها المستشفى، ما أنت عارف مريهان، عيلة هبلة كدا، بتتوه في صالة بيتهم أصلًا، فروحت معاها عشان متعرفش مكان المستشفى، يومها بقا أمها خلفت الواد مؤمن أخوها الصغير اللي أنت شفته قبل كدا دا، فاكره؟ المهم.. أبوها كان هيطلق أمها يومها عشان كان عايز يسميه جمعة على اسم أخوه الكبير، وأمها وقفتله، قالتله لا، دا على جثتي، أنا ابني ميتسماش لا خميس ولا جمعة، وولاد الحلال صالحوهم على بعض وبتاع، وعملوا قرعة وطلعلهم اسم مؤمن فيها قاموا سموه مؤمن وخلاص، المهم أصلًا البت مريهان دي رغاية، رغاية رغي السنين، مبعرفش أسكتها لو اتكلمت، لا وبتقعد تعيد وتزيد في الكلام، لا رغاية رغاية يعني، يا مُعين يا رب»
وكانت قد قالت زهرة كل كلامها دفعةً واحدة، حتى أنها نسيت أن تتنفس، أما نادر فكان قد تجاهل ما تقوله منذ أن خرجت عن مجرى الحديث الأساسي، فهو يعرف أن أخته فتاة ثرثارة، ولن تتوقف عن التحدث في وقتٍ قريب.
وعندما انتهت من كلامها، كانت قد جلست على الأريكة الكبيرة بجوار كرسي نادر، وقالت بعدما جفَّ ريقها: «معندكوش حاجة أبل بيها ريقي، دا غالبًا ريقي ناشف من المشوار اللي دبيته عشان أجيب الفطار»
فقال نادر بسخرية: «يعني مش من الرغي؟»
فقال نادر بسخرية: «يعني مش من الرغي؟»
فقالت زهرة بصدمة: «رغي؟ اخس عليك.. طب دا أنا حتى متكلمتش كتير النهاردة»
ومن ثم قالت وقد نسيت عطشها: «أومال رؤوف فين؟ مش باين يعني!»
فقال نادر بلا مبالاة: «قاعد في الحمام من الصبح»
فسألت زهرة بملل: «ليه؟ عمل ايه المرادي؟»
فوضع نادر قدمًا فوق الأخرى وقال بالنبرة ذاتها: «بقوله هات سندوتش ولا بؤق عصير، مرضيش، وقعد يقولي بأكلك وبشربك وعملي فيها رأفت الهجان اللي بيضحي لأجل الوطن وبتاع، قومت فاصله الكومبيوتر بتاعه وهو لسة محفظش شغله، قام قالي هقتلك يا نادر وعملي فيها عبده موتة.. فطلعت المطوة وكنت هجيب وشه ٤ في ١٢، وجريته قدامي وهو بيصوت زي الصرصار للحمام زي العادة، ومطلعش من ساعتها»
قهقهت زهرة بهدوء؛ فهي اعتادت على هذا الأمر منذ سنين، فهكذا هو الحال منذ بدأ يعيش نادر مع رؤوف في شقته، التي تعلو شقة أهل نادر بطابق واحد، فبعد وفاة والدة رؤوف، وزواج والدة نادر من رجلٍ آخر غير والد نادر وزهرة، الذي كان قد توفي قبل سنة واحدة، وأصبحت حياة نادر وزهرة جحيمًا، فزوج والدتهما كان يعاملهما معاملة سيئة، خاصةً نادر الذي كان يضغط عليه لترك تعليمه، وتعلم أي صنعة تفيده كما يقول، ويساعد في المنزل، لأنه لن يسرف على (شحط) مثله، وحينئذٍ كان نادر في المرحلة الثانوية، وزهرة كذلك فهي تصغره بسنتين فقط، فعرض رؤوف على نادر أن ينتقل للعيش معه في شقته بدلًا من العيش بمفرده، وبهذه الطريقة سيتوقف زوج والدته كذلك عن إزعاجه، وسيحصل رؤوف على شريك سكن.
أما رؤوف، فتوفي والده منذ كان طفلًا، في الثالثة من عمره تحديدًا، وعاش مع أمه فقط، حتى اليوم الذي توفيت فيه، والذي كان نكبة حقيقية، وحدثًا مُحزنًا لرؤوف ولجميع مَنْ عرفوا والدته كذلك، فلطالما كانت والدته سيدة لطيفة، ورحيمة بغيرها، ومعطاءة كذلك، ولم يعرفها أحد إلا وأحبها.
نادر ورؤوف وزهرة كانوا جيرانًا طوال حياتهم، ولطالما كانوا أصدقاء منذ الصغر، خاصةً نادر ورؤوف اللذان يتشاركان العمر نفسه، ولم يفرقهما شيء غير الجامعة، فرؤوف درس حاسبات ومعلومات والتي كانت حلمه وهدفه الوحيد، حتى أنه كان يجتهد اجتهادًا ذاتيًّا في الأمر قبل أن يلتحق بالجامعة، وقد علم نفسه الكثير قبل التحاقه بها، أما نادر فكانت آداب قسم فلسفة من نصيبه، وقد تخرجا منذ ثلاث سنوات.
اقتربت زهرة من الحمَّام وقالت بصوتٍ عالٍ: «اطلع يا أوفة.. نادر مشي»
فُزع رؤوف، فكان النعاس قد تملك منه، وكان ينام كل ثانيتين ويعود ليوقظ نفسه، ليقول بعدما لم يستوعب مَنّ يتحدث بسبب النعاس: «مين؟»
فقالت زهرة بعدما غيرت صوتها: «أنا العفريت اللي هيلبسك لو مطلعتش دلوقت»
ابتلع رؤوف غصته بخوف، وكاد يصدق الأمر، حتى صرخت فيه زهرة من جديد، قائلة: «اطلع يا ابني، نادر مشي»
فوقف خلف الباب ووضع أذنه عليه؛ ليتنصت علّه يسمع صوت نادر، ويعرف إن كانت تكذب أم لا، فقال بشك: «احلفي»
فقالت: «لا، ما أنا مش هينفع أحلف في الحمام، عايزني أتلبس؟»
نظر رؤوف للسقف لثوانٍ بتفكير، وقال: «خلاص أحلف أنا بدالك؟»
فقالت باقتناع: «لو أنت موافق، معنديش مانع.»
وأردفت عندما صمتَ رؤوف لثوانٍ بينما يفكر: «اخرج بقا يا ابني قعدتك في الحمام دي كدا غلط، ممكن تتلبس ولا قاعدة الحمام تُعجب بيك ولا نيلة، وتبقا أول قصة حب لإنسان مع قاعدة حمَّام»
نظر رؤوف حوله بفزع، وفتح باب الحمّام بسرعة، وخرج بنصف جسده ليجد نادر يقف خلف زهرة، فعاد مسرعًا إلى الداخل، وصاح عاليًّا: «تبقا قصة حب إنسان مع قاعدة، أحسن ما تبقا جريمة قتل الساعة ١١ الصبح، يا زهرة يا كدابة»
قهقهت زهرة عاليًّا، ومعها نادر كذلك، وقالت: «يا عم مش هيعملك حاجة، اخرج على ضمانتي»
فصرخ رؤوف بها، وقال: «مش خارج غير أما يمشي، ولما يرجع هيلاقيني مغير كالون الشقة، ويوريني هيدخل إزاي بيتي تاني، المعفن المنتن اللي عايش على قفايا، ومن عرق جبيني»
فنظرت زهرة لنادر وقالت بصوتٍ سمعه رؤوف من الداخل: «ينفع كدا! جايبلنا الكلام من اللي يسوى واللي ميسواش؟»
وأكملت: «وبعدين يا نادر مش عيب برضو لما تعيش من عرق ولية غلبانة مكسورة الجناح»
نظر رؤوف إلى الباب وعيناه تطلقان الشرار، وقال: «أنا حاسس إن أنا المقصود بالولية الغلبانة مكسورة الجناح دي!»
فقالت زهرة بنبرة تهكمية: «حاسس؟ مش متأكد؟»
قاطعهما نادر، وهو يصيح في رؤوف مهددًا إياه: «صوتك علي عليا يا رؤوف وبقيت بتهددني كمان، ماشي يا أوفة هعديهالك، وهنزل دلوقت، بس قسمًا عظمًا لما أرجع لأكون معلقك في النجفة ومقضينها مرجحة طول الليل، وكدا كدا أنا فاضي وموراييش حاجة»
فصاح رؤوف من الداخل مستشعرًا ظلمًا كبيرًا، وقال: «منك لله يا نادر، منك لله، ربنا على الظالم والمفتري»
فصرخت فيه زهرة بسرعة: «متقولش اسم الله جوة ياض هتتلبس الله يخربيتك»
فقال بسرعة خائفًا: «استغفر الله العظيم»
فقالت بسخرية: «جدع ياض، كدا أنت مش هتتلبس»
يُتْبَعُ.
هالي هالو! هاو آر يو جايز؟
كيف الحال والأحوال؟
ما رأيكم في الفصل؟
صوت رنين الهاتف كان يضج في المكان بشكلٍ متعب للأعصاب، فقد وضع نادر النائم رنة مزعجة لأجل إيقاظه، ولكن لأصدقكم القول فجميع من في الحي يستيقظ عداه، وهذا هو الواقع المرير، فاعتاد الجميع في ذلك الحي على صوت رنة منبهه التي تقول «بنت الجيران شغلالي أنا عنيا، وأنا في المكان في خلق حواليا، مش عايز حد ياخد باله من اللي أنا فيه»، ولكن هل هو لم يستيقظ بعد؟ لا، بل استيقظ ولكنه يستمع لبقية الأغنية، ولا يرغب بإطفائها حتى تنتهي هي، بل وقد يضبط المنبه على وضع الغفوة كي يسمعها مرة أخرى، حتى أنه بدأ بالرقص في حلمه.
دخل رؤوف صديق نادر، والذي يعيش نادر عالة عليه وذلك لكونه عاطل عن العمل، دخل ونظر له بفقدان أمل من أن يستيقظ ولو لمرة وحيدة يتيمة دون أن يضطر هو لإيقاظه.
وقف يفحص الغرفة بعينيه بتركيز، وهو يبحث عن أمر معين يعلم جيّدًا أنه سيجده في ركن من أركان تلك الغرفة المقززة، المملتئة بكثير من القاذورات عديمة الفائدة، وحينما رأى ما يبحث عنه اقترب بابتسامة خبيثة ناحيته، فكان الجورب الذي يبحث عنه ملقى بشكلٍ عشوائي بجوار حذاء نادر في الأرض، فحمله واقترب من نادر ووضع الجورب فوق أنفه مباشرة، ولم يجاذف بأن يشمه أو أن حتى يقربه ناحية أنفه بأي شكل، فكان يعامله على أنه فأر أصابه العفن، بل وأسوأ…
واحد.. اثنان.. ثلاثة… ثلاث ثوانٍ كانوا كافيين لنسمع صوت صراخ، وبعدئذٍ صوت سقوط شيء على الأرض، وبعدئذٍ صوت قهقهات رؤوف بانتصار، حيث نال مراده.
كان نادر هو الشيء الذي سقط أرضًا، فبدأت أصوات تأوهاته تتعالى متألمًا، وهو يصرخ في رؤوف: «جرا ايه يا جِلِحش أنت، هو كل يوم على نفس الموال الأسود دا!»
ابتسم رؤوف بسخرية وقال: «قول لنفسك ياخويا، أنت اللي هتفضل كل يوم على الموال الأسود دا؟»
فقال نادر وقد وقف مكانه ووضع يده على مؤخرته متألمًا: «طالما احنا عايشين سوا، هنفضل على الموال دا، ما هو أنا مش هتغير، مفييش أمل خلاص، أنا آخر مرة حاولت أغير حاجة فيا كان عندي ٧ سنين بعد ما أبويا إداني علقة موت عشان ضيعت ٥٠ جنيه باقي فلوس البقالة»
فعقد رؤوف حاجبيه مستغربًا تلك القصة التي لم يسمعها من قبل، وقال: «وغيرت إيه؟»
فابتسم نادر بثقة، وقال: «بطلت أشتريلهم البقالة»
قهقه رؤوف بشدة، وسخر: «ما هتوقع منك ايه يعني! ما أنت نادر…»
رقصا حاجبي نادر بتلاعب، وقال بثقة في غير محلها: «ترا والله اسمي على مسمى، اسمي نادر وأنا نادر» فأومأ رؤوف بسخرية، وملامحه ترفض ما قاله نادر تمامًا.
جلس نادر على طرف فراشه، وما زال يشعر بنعاسٍ طفيف، فتثاءب، وكان رؤوف يقف ينظر للغرفة بتقرف: «نضف الأوضة النهاردة يا ابني، وبعدين عندي سؤال وجودي مهم»
فقلب نادر عينيه بسخرية، وقال: «ارغي يا أوفة براحتك ميهمكش»
فسأل رؤوف: «أنت عاطل، ومعندكش شغل، وعالة عليا وعلى المجتمع، ومش عارفين سبب وجودك في الحياة ايه، ومع ذلك بتظبط المنبه كل يوم على الساعة ٧ وبتفضل قاعد في البيت لحد ما الساعة تيجي ١٢ وتنزل بعدها تدور على شغل، ولحد دلوقت مش فاهم ليه بتصحى بدري طالما مش هتنزل غير متأخر؟!»
ابتسم نادر بثقة في غير محلها: «اللي هقوله دا شيء لا يفهمه عامة الشعب أمثالك، ففتح مخك معايا عشان تفهمه ولو بنسبة اتنين في المية»
قلب رؤوف عينيه بملل، فهو يعرف أن نادر سيقول شيئًا تافهًا لا محالة، وقال: «قول يا صفوة المجتمع، قول يا بلاصي المفهومية»
رفع نادر رأسه للأعلى بتعالٍ، وقال: «دي استراتيجية اخترعها الفيلسوف نادر ديكارت، واللي هو أنا، وبتنص على إني بدرب نفسي على الصحيان بدري عشان أكتبها في السي في بتاعي كميزة من المزايا الكتيرة بتاعتي، زي ما أنت عارف في ناس كتير بتواجه مشاكل في الصحيان بدري، وبيروحوا شغلهم متأخر، ودي مش هتكون مشكلة فيا، والأهم لما ألاقي شغل كمان أكون مستعدله ومش محتاج أتعود على الصحيان بدري أصلًا، ودا عشان أنا إنسان مجتهد» وصمتَّ ثانية ليعترف بالحقيقة: «وبصراحة بقا عشان جالي شغل قبل كدا وكان المفروض أكون هناك الساعة ٨ ووعدتهم إني هروح ومعرفتش أصحى بدري»
جحظت عينا رؤوف وشعر بذهولٍ قائلًا: «قسمًا بالله الدماغ دي متكلفة، دي دماغ ولا حتى حتة بـ٢٠٠ تعرف تجيبها»
فابتسم نادر بتكبر وأرخى عينيه كذلك، وقال: «أومال أنت فاكر ايه! يا ابني أنا جامد بس مدكن»
فقال رؤوف برجاء: «أرجوك خليك مدكن، ومتظهرش جمدانك تاني عشان الحسد والناس عنيها وحش، وأنت جمدانك فيه الطمع»
أومأ نادر بثقة، وقال: «فعلًا، الناس بقت وحشة أوي»
سايره رؤوف وهو يضحك بداخله عليه، فهو يعرف أن نادر أحمق، ولكنه لا يريد أن يبدآ في العراك، وحينئذٍ يعرف رؤوف جيّدًا أنه لن يفوز في هذا التحدي، فنادر (عيل شلق) أساسًا، أي ولد مستعد دائمًا للعراك، ولن يستطيع رؤوف الفوز عليه.
خرج رؤوف من غرفة نادر، متوجهًا إلى غرفته، مارًا بالمطبخ، ليأخذ منه العشرين شطيرة التي صنعها لنفسه كفطورٍ له، ودورق كبير من عصير البرتقال، فالآن هو يستطيع أن يقول للعالم «صباح الخير».
في الواقع هو لم ينم حتى الآن، ولن ينام الآن كعادته، بل سيعود إلى غرفته ويجلس أمام حاسبه الآلي، ليُكمل أعماله.
رؤوف خريج حاسبات ومعلومات، وقبل حتى أن يلتحق بها لطالما كان عبقريًّا في كل أمور الحاسب الآلي، وأمور الاختراق وغيرها، الأمر كان هواية له.
وعندما تضيق الدنيا برؤوف، وعمله الحر لا يؤتي ثماره، يخترق مواقع لشركات هامة، أو صفحات ويبتز أصحابها لكسب المال، خاصةً المواقع السوداء، والمشبوهة، ويظن بهذا أنه ينفع البشرية! غبي وأحمق؟ نعم، صحيح.
خرج نادر من غرفته، وذهب إلى غرفة رؤوف الذي كان يجلس وفي يده شطيرة من الشطائر، ويتابع عمله في هدوء، ليجد كفًا كبيرًا يلتصق بظهره مُصدرًا صوتًا لضربة، لينظر رؤوف بتألمٍ لنادر قبل أن يقول: «ياض يا غبي! شوف بتمد إيدك وترجع تقول أنا اللي بدأت»
فقال نادر بابتسامة خبيثة: «طب هات سندوتش ومش هعمل حاجة»
فجحظت عينا رؤوف عندما فهم أنه يفعل هذا ليأخذ طعامه، ليقول بجدية: «لا، اعمل لنفسك»
نظر له نادر بلا مبالاة ومدَّ يده ليسرق من طعامه، ليضرب رؤوف يده بسرعة: «حسك عينك تفكر حتى إني ممكن أديلك منهم»
«دا أنت نتن! هات يالا سندوتش منهم، مكسل أعمل لنفسي» قال نادر بغضب طفيف.
تجاهله رؤوف واستمر فيما يفعله، بينما يقضم من شطيرته.
«مش هتديني يعني؟» سأله نادر بعناد.
«اه مش عاطيك.. أنت عارف إني باكل كمية معينة ولو قلوا بطني بتزعل وبتزعلني، فحل عن سمايا وروح اعمل لنفسك يا جدع» قال رؤوف بإصرار.
«طب هات بؤق عصير أبل ريقي» قال نادر محاولًا مرة أخرى.
«لا، دول يا دوب يكفوني ساعة، لو خدت منه هيخلصوا بسرعة، اعمل لنفسك، كدا كدا البرتقان من فلوسي، اتلحلح واعمل لنفسك، مش هيبقا الأكل والشرب من فلوسي وكمان أخدمك، المفروض أنت اللي تخدمني أصلًا، عشان تعوضني عن نطاعتك» قال رؤوف بعقلانية.
«بقا كدا؟» قال نادر بانزعاج.
فأومأ رؤوف، وتجاهله من جديد.
نظر نادر لرؤوف بحقد، ونظر حوله يبحث عن طريقة مؤلمة للانتقام منه، وفجأة لمعت لمبة الأفكار النيرة فوق رأسه، ليبتسم بمكر، وقال: «خلاص يا حبيبي ولا يهمك، مش عايز حاجة، ولو احتجت حاجة أو عايزني مثلًا أغسلك رجلك كتعويض ليك عن الأكل والمرعى وقلة الصنعة بتوعي…»
«ابقا اقطعهم قبل ما تفكر أغسلهملك يالا، عارف يعني ايه تقطعهم يالا!» واقترب من سلك الحاسب الآلي الموصول بالكهرباء ونزعه منها.
نظر له رؤوف بصدمة، فقد تسبب نادر لتوه في ضياع العمل الذي سهر طوال الليل لأجله، وما كان قد حفظه بعد، شعر رؤوف للحظاتٍ أنه فقد النطق، وعقله توقف عن التفكير، لم يستوعب ما حدث حتى أنه شعر أن ما حدث كان حُلمًا بل كابوسًا حقيقيًّا.
«نادر! هقتلك يا نادر.. هقتلك.» صرخ رؤوف بجملته تلك، وتحرك ليجري خلف نادر مستعدًا تمامًا لقتله في تلك اللحظة، وبدمٍ بارد، بل ومتأكد من أنه لن يندم على ذلك.
؞
حوالي الساعة الحادية عشرة قبل الظهر، رن جرس الباب، فاتجه نادر لفتحه بينما يمسك في يده موزة، ويقضم منها بشرهٍ، حتى كاد يأكل قشرتها أيضًّا.
فتح الباب ليقول باعتيادية: «ادخلي يا زهرة»
فدخلت المدعوة زهرة وفي يدها كيس أسود كبير، ويبدو أنه ثقيل جدًّا، وقالت بعدما ألقت بالكيس أرضًا، وبدأت بدعك يدها بتألم: «عامل ايه يا عرة الإخوات؟»
«الناس بتقول صباح الخير، بونجور، بونسوار عليكم، مش عامل ايه يا عرة النيلة على دماغك» قال نادر بعدما جلس على كرسي من كراسي الصالة، وفتح قدميه علي وسعيهما.
«دا لما يكون الأخ عِدل، مش سبعة صنايع والبخت ضايع، وبعدين مش بونجور دي نسكافيه يالا باين؟ عايزني أقولك نسكافيه ليه؟» قالت زهرة.
نظر لها نادر بتعالٍ، وقال: «نسكافيه؟ التاني بونجورنو يا أم جهل، وبعدين هي دي آخر معلوماتك عن الإيطالي؟»
عقدت زهرة حاجبيها وقالت بسخرية: «إيطالي؟ بذمة أهلك أنت عمرك شميت ريحة الإيطالي يا معفن!»
وأكملت قائلة: «أيوة يعني.. بونجور دي معناها ايه؟ ألا تكون بتشتمني يا ابن ذكية!»
فابتسم نادر بسخرية: «يعني فهمتِ بونسوار وبونجور هي اللي وقفت في زورك؟»
فقالت بثقة كبيرة: «لا بونسوار دي لعبتي يا حبيبي، أنا مش حافظة غيرها من أيام الثانوي»
فسألها: «طب معناها ايه يا أم العريف؟»
فضحكت بثقة وقالت: «معناها اسمك ايه»
فأومأ نادر وابتسم بسخرية: «صح يا بت، جهبذ يا بت يا زهرة من يومك»
فقالت وعدلت من هندامها بغرور: «أومال أنت فاكر ايه! أنا بس اللي غيبت في الدرس في حصة بونجور دي، أصل بقا يومها البت مريهان صحبتي كانت أمها بتولد وروحت معاها المستشفى، ما أنت عارف مريهان، عيلة هبلة كدا، بتتوه في صالة بيتهم أصلًا، فروحت معاها عشان متعرفش مكان المستشفى، يومها بقا أمها خلفت الواد مؤمن أخوها الصغير اللي أنت شفته قبل كدا دا، فاكره؟ المهم.. أبوها كان هيطلق أمها يومها عشان كان عايز يسميه جمعة على اسم أخوه الكبير، وأمها وقفتله، قالتله لا، دا على جثتي، أنا ابني ميتسماش لا خميس ولا جمعة، وولاد الحلال صالحوهم على بعض وبتاع، وعملوا قرعة وطلعلهم اسم مؤمن فيها قاموا سموه مؤمن وخلاص، المهم أصلًا البت مريهان دي رغاية، رغاية رغي السنين، مبعرفش أسكتها لو اتكلمت، لا وبتقعد تعيد وتزيد في الكلام، لا رغاية رغاية يعني، يا مُعين يا رب»
وكانت قد قالت زهرة كل كلامها دفعةً واحدة، حتى أنها نسيت أن تتنفس، أما نادر فكان قد تجاهل ما تقوله منذ أن خرجت عن مجرى الحديث الأساسي، فهو يعرف أن أخته فتاة ثرثارة، ولن تتوقف عن التحدث في وقتٍ قريب.
وعندما انتهت من كلامها، كانت قد جلست على الأريكة الكبيرة بجوار كرسي نادر، وقالت بعدما جفَّ ريقها: «معندكوش حاجة أبل بيها ريقي، دا غالبًا ريقي ناشف من المشوار اللي دبيته عشان أجيب الفطار»
فقال نادر بسخرية: «يعني مش من الرغي؟»
فقال نادر بسخرية: «يعني مش من الرغي؟»
فقالت زهرة بصدمة: «رغي؟ اخس عليك.. طب دا أنا حتى متكلمتش كتير النهاردة»
ومن ثم قالت وقد نسيت عطشها: «أومال رؤوف فين؟ مش باين يعني!»
فقال نادر بلا مبالاة: «قاعد في الحمام من الصبح»
فسألت زهرة بملل: «ليه؟ عمل ايه المرادي؟»
فوضع نادر قدمًا فوق الأخرى وقال بالنبرة ذاتها: «بقوله هات سندوتش ولا بؤق عصير، مرضيش، وقعد يقولي بأكلك وبشربك وعملي فيها رأفت الهجان اللي بيضحي لأجل الوطن وبتاع، قومت فاصله الكومبيوتر بتاعه وهو لسة محفظش شغله، قام قالي هقتلك يا نادر وعملي فيها عبده موتة.. فطلعت المطوة وكنت هجيب وشه ٤ في ١٢، وجريته قدامي وهو بيصوت زي الصرصار للحمام زي العادة، ومطلعش من ساعتها»
قهقهت زهرة بهدوء؛ فهي اعتادت على هذا الأمر منذ سنين، فهكذا هو الحال منذ بدأ يعيش نادر مع رؤوف في شقته، التي تعلو شقة أهل نادر بطابق واحد، فبعد وفاة والدة رؤوف، وزواج والدة نادر من رجلٍ آخر غير والد نادر وزهرة، الذي كان قد توفي قبل سنة واحدة، وأصبحت حياة نادر وزهرة جحيمًا، فزوج والدتهما كان يعاملهما معاملة سيئة، خاصةً نادر الذي كان يضغط عليه لترك تعليمه، وتعلم أي صنعة تفيده كما يقول، ويساعد في المنزل، لأنه لن يسرف على (شحط) مثله، وحينئذٍ كان نادر في المرحلة الثانوية، وزهرة كذلك فهي تصغره بسنتين فقط، فعرض رؤوف على نادر أن ينتقل للعيش معه في شقته بدلًا من العيش بمفرده، وبهذه الطريقة سيتوقف زوج والدته كذلك عن إزعاجه، وسيحصل رؤوف على شريك سكن.
أما رؤوف، فتوفي والده منذ كان طفلًا، في الثالثة من عمره تحديدًا، وعاش مع أمه فقط، حتى اليوم الذي توفيت فيه، والذي كان نكبة حقيقية، وحدثًا مُحزنًا لرؤوف ولجميع مَنْ عرفوا والدته كذلك، فلطالما كانت والدته سيدة لطيفة، ورحيمة بغيرها، ومعطاءة كذلك، ولم يعرفها أحد إلا وأحبها.
نادر ورؤوف وزهرة كانوا جيرانًا طوال حياتهم، ولطالما كانوا أصدقاء منذ الصغر، خاصةً نادر ورؤوف اللذان يتشاركان العمر نفسه، ولم يفرقهما شيء غير الجامعة، فرؤوف درس حاسبات ومعلومات والتي كانت حلمه وهدفه الوحيد، حتى أنه كان يجتهد اجتهادًا ذاتيًّا في الأمر قبل أن يلتحق بالجامعة، وقد علم نفسه الكثير قبل التحاقه بها، أما نادر فكانت آداب قسم فلسفة من نصيبه، وقد تخرجا منذ ثلاث سنوات.
اقتربت زهرة من الحمَّام وقالت بصوتٍ عالٍ: «اطلع يا أوفة.. نادر مشي»
فُزع رؤوف، فكان النعاس قد تملك منه، وكان ينام كل ثانيتين ويعود ليوقظ نفسه، ليقول بعدما لم يستوعب مَنّ يتحدث بسبب النعاس: «مين؟»
فقالت زهرة بعدما غيرت صوتها: «أنا العفريت اللي هيلبسك لو مطلعتش دلوقت»
ابتلع رؤوف غصته بخوف، وكاد يصدق الأمر، حتى صرخت فيه زهرة من جديد، قائلة: «اطلع يا ابني، نادر مشي»
فوقف خلف الباب ووضع أذنه عليه؛ ليتنصت علّه يسمع صوت نادر، ويعرف إن كانت تكذب أم لا، فقال بشك: «احلفي»
فقالت: «لا، ما أنا مش هينفع أحلف في الحمام، عايزني أتلبس؟»
نظر رؤوف للسقف لثوانٍ بتفكير، وقال: «خلاص أحلف أنا بدالك؟»
فقالت باقتناع: «لو أنت موافق، معنديش مانع.»
وأردفت عندما صمتَ رؤوف لثوانٍ بينما يفكر: «اخرج بقا يا ابني قعدتك في الحمام دي كدا غلط، ممكن تتلبس ولا قاعدة الحمام تُعجب بيك ولا نيلة، وتبقا أول قصة حب لإنسان مع قاعدة حمَّام»
نظر رؤوف حوله بفزع، وفتح باب الحمّام بسرعة، وخرج بنصف جسده ليجد نادر يقف خلف زهرة، فعاد مسرعًا إلى الداخل، وصاح عاليًّا: «تبقا قصة حب إنسان مع قاعدة، أحسن ما تبقا جريمة قتل الساعة ١١ الصبح، يا زهرة يا كدابة»
قهقهت زهرة عاليًّا، ومعها نادر كذلك، وقالت: «يا عم مش هيعملك حاجة، اخرج على ضمانتي»
فصرخ رؤوف بها، وقال: «مش خارج غير أما يمشي، ولما يرجع هيلاقيني مغير كالون الشقة، ويوريني هيدخل إزاي بيتي تاني، المعفن المنتن اللي عايش على قفايا، ومن عرق جبيني»
فنظرت زهرة لنادر وقالت بصوتٍ سمعه رؤوف من الداخل: «ينفع كدا! جايبلنا الكلام من اللي يسوى واللي ميسواش؟»
وأكملت: «وبعدين يا نادر مش عيب برضو لما تعيش من عرق ولية غلبانة مكسورة الجناح»
نظر رؤوف إلى الباب وعيناه تطلقان الشرار، وقال: «أنا حاسس إن أنا المقصود بالولية الغلبانة مكسورة الجناح دي!»
فقالت زهرة بنبرة تهكمية: «حاسس؟ مش متأكد؟»
قاطعهما نادر، وهو يصيح في رؤوف مهددًا إياه: «صوتك علي عليا يا رؤوف وبقيت بتهددني كمان، ماشي يا أوفة هعديهالك، وهنزل دلوقت، بس قسمًا عظمًا لما أرجع لأكون معلقك في النجفة ومقضينها مرجحة طول الليل، وكدا كدا أنا فاضي وموراييش حاجة»
فصاح رؤوف من الداخل مستشعرًا ظلمًا كبيرًا، وقال: «منك لله يا نادر، منك لله، ربنا على الظالم والمفتري»
فصرخت فيه زهرة بسرعة: «متقولش اسم الله جوة ياض هتتلبس الله يخربيتك»
فقال بسرعة خائفًا: «استغفر الله العظيم»
فقالت بسخرية: «جدع ياض، كدا أنت مش هتتلبس»
يُتْبَعُ.
هالي هالو! هاو آر يو جايز؟
كيف الحال والأحوال؟
ما رأيكم في الفصل؟
يتبع