الفصل الثامن
طلعت سديم من خيمة البنات ومعها "صحن التمر"، وتوجهت لجهة العيال تناديهم للعشاء. شافت عزّام واقف بعيد عن النار، يطالع النجوم بهدوء.
سديم (بحيا): "عزّام.. القهوة زينة؟"
عزّام التفت لها، ونظرته دايمًا كانت تربكها: "زينة.. بس ناقصها هدوءكم شوي، صراخكم واصل لشرق الرياض."
سديم (بخطم): هذا مو صراخ، هذي سعادة.. أنت شكلك نسيت كيف تضحك من كثر ما تلاحق المجرمين.
عزّام اقترب خطوة، وصار صوته واطي: "المجرمين أسهل من التعامل مع لسانك يا سديم.. روحي، أمك تناديك."
سديم وهي تمشي وتتحلطم بصوت مسموع: يا ثقل طينته.. مدري كيف بيتحملونه العساكر اللي معه!
عزّام سمعها وابتسم ابتسامة حقيقية ما شافها أحد غيرها، وهمس لنفسه: الله يعينني أنا عليكِ.
.
.
.
بعيد عن ضحك الشباب، كان عبدالعزيز (أبو سديم) ومنصور (عم عزّام) جالسين في زاوية مظلمة، يتكلمون بصوت واطي.
عبدالعزيز: منصور.. الملفات بدأت تطلع، وسديم شكت في السيرفرات اليوم.
منصور (بصوت حاد): اسكت يا عبدالعزيز، لا يسمعنا أحد.. سديم لازم نلهيها بأي شيء، خلوها تنشغل بخطوبة أو زواج، المهم تبعد عن أجهزة الشركة.. والعزّام، أنا بتكفل فيه.
.
.
بعد صلاة العشاء، ومع برودة الجو اللي بدأت تلمس العظام، اقترح نايف (صديقهم اللي ما يخلي الهبال) فكرة قلبت المخيم فوق تحت.
نايف (بصوت عالي): "يا جماعة الخير! بما إننا شبعنا من مفطح أبو سديم، نبي نهضم.. وش رأيكم في تحدي 'شد الحبل'؟ العيال ضد البنات، والخسران يغسل قدور العشاء بكره!"
خالد (أخو سديم) وهو يفرك يدينه: "تم! والله لأخليكم تجربون صابون المواعين يا بنات، استعدوا للهزيمة."
[في ساحة المخيم]
البنات اجتمعوا في زاوية وبدأوا يخططون. ليان كانت القائدة: "بنات، اسمعوا.. العيال عندهم عضلات بس إحنا عندنا 'تكتيك'. سديم، أنتِ خلكِ في الأخير، يدكِ قوية من كثر ما تشيلين لابتوباتكِ، وسارة أنتِ في النص عشان وزنكِ يثبتنا."
سديم (تضحك): "والله لو يسحبنا عزّام لحاله ليطيرنا للمزاحمية! شوفوه كيف واقف، كأنه جبل طويق."
عزّام كان واقف بعيد، لابس فروته ومكتف يدينه ببرود. نايف ناداه: "عزّام! تعال يا بطل القوات الخاصة، نبيك فزعة، البنات ناويين علينا."
عزّام (بابتسامة ساخرة): "أشد حبل ضد بنات؟ نايف، روح العب بعيد، ماني فاضي لهبالك."
سديم سمعته واستفزها بروده، طلعت من صف البنات ووقفت قدامه: "ليش يا حضرة الضابط؟ خايف البنات يغلبونك وتطيح هيبتك قدام العساكر؟"
عزّام رفع حاجبه، ونظرته صارت فيها تحدي: "خايف عليكم من الإصابات يا سديم.. بس دام السالفة فيها تحدي، تم. بس بشرط.. أنتِ تكونين في طرف الحبل المقابل لي."
سديم (بثقة): "تم.. ونشوف مين اللي بيطيح في الرمل أول."
[لحظة الصفر]
بدأت المنافسة. العيال في جهة (عزّام، خالد، نايف، وبدر)، والبنات في جهة (سديم، ليان، سارة، ومنيرة الصغيرة).
نايف صفر: "واحد.. اثنين.. ثلاااااث!"
بدأ الشد. البنات صرخوا صرخة واحدة وبدأوا يسحبون بكل قوتهم. العيال كانوا يضحكون ويستهبلون، وعزّام كان شاد الحبل بيد واحدة بس، كأنه يطقطق عليهم.
سديم شافت عزّام يطالع فيها ويضحك بهدوء، انقهرت وصرخت في البنات: "بنات! الحين.. شدوووووووا!"
فجأة، البنات سووا حركة مباغتة وسحبوا بكل ثقلهم لدرجة إن نايف وخالد طاحوا على وجيههم في الرمل. عزّام تدارك الموقف وسحب الحبل بقوة، وصارت المواجهة الحقيقية بينه وبين سديم.
كانت المسافة بينهم بدأت تقصر بفعل الشد، سديم كانت تحاول تثبت رجولها في الرمل بكل قوتها، وعزّام يشد ببطء وهو يطالع في عيونها. قربت منه لدرجة إنها شمت ريحة عطره المختلطة بريحة الحطب.
عزّام (بهمس ما سمعه غيرها): "استسلمي يا سديم.. لا تطيحين."
سديم (وهي تلهث وعيونها تلمع): "بأحلامك يا عزّام!"
وفجأة، تعثرت سارة في النص وانقطع التوازن، واختل توازن البنات كلهم. سديم بدأت تطيح للقدام، وبدل ما يتركها عزّام تطيح في الرمل، رمى الحبل بسرعة ومسك يدها وسحبها لصدره عشان يحميها.
ساد الصمت لثواني. سديم كانت بين يدينه، وأنفاسها متسارعة، والكل يطالع فيهم بصمت.
نايف (كسر الصمت): "أووووووه! يا عيني على الروح الرياضية! عزّام غدر فينا وترك الحبل عشان سديم! فازوا البنات يا جماعة!"
سديم تداركت نفسها بسرعة وبعدت عنه ووجهها صار أحمر مثل الجمر: "أصلاً إحنا اللي سحبناكم أول!"
عزّام عدل فروته ببرود، بس عيونه كانت لسه تلاحق سديم وهي تهرب لخيمة البنات: "مبروك الفوز.. القدور تنتظرنا يا عيال."
[في خيمة البنات - بعد نص ساعة]
ليان (تغمز لسديم): "سديم.. وش صار عند الحبل؟ شفت عزّام كيف خاف عليكِ؟ والله لو أنا مكانك كان ذبت في الرمل."
سديم (تحاول تصرف): "أي خوف؟ الرجال بس خاف أطيح وتتعطل الرواية اللي بكتبها! لا يروح بالكم بعيد."
سارة: "إلا راح وخلص! نظراته كانت تقول 'أنا كلي لكِ'.. يا ويلي بس.
.
.
بينما الكل يضحك، كان خالد واقف بعيد، وشاف رسالة وصلت لجواله من رقم غريب: "الملف 1411 لازم يتسلم الليلة، وإلا الفضيحة بتوصل لمجلس المخيم كله."
خالد تغير وجهه، وطالع في أخته اللي كانت تضحك، وحس بغصة في حلقه. هو الوحيد اللي يعرف إن هذي الضحكة ممكن تكون الأخيرة قبل ما تنقلب حياتهم لجحيم.