الفصل الرابع
في قبوٍ فخم تحت قصرٍ مشيّد في أطراف حي حطين، كان الصمت يغلف المكان إلا من طقطقة الجمر في مدفأة فخمة. لم يكن هذا القبو مكاناً للتخزين، بل كان مركزاً لإدارة "مجلس النخبة". جلس رجلٌ يرتدي خاتماً ذهبياً محفوراً عليه شعار "عقرب"، وأمامه شاشات تعرض بيانات مشفرة لمشاريع ضخمة.
قال العقرب بصوتٍ بارد: "مشروع 'الوريد' على المحك.. الملف الذي سرقته سديم يحتوي على كشف بأسماء الممولين السريين، وإذا وقع في يد الاستخبارات، ستسقط رؤوس كبيرة."
رد رجلٌ آخر من الظل: "وماذا عن خالد؟"
ضحك العقرب بسخرية: "خالد مجرد أداة غبية.. هو من سمح لأخته بالدخول للنظام ظناً منه أنه يحميها، ولم يدرك أنه كان يسلمنا مفاتيح موتها. لكن الخطر الحقيقي ليس سديم.. الخطر هو عزّام، إنه يقترب من الحقيقة التي دفنا عائلته من أجلها قبل عشر سنوات."
[في بيت سديم - الرياض]
كان الجو مشحوناً بالخوف. خالد يروح ويجيء في الصالة، بينما والده "عبدالعزيز" يجلس والسبحة تكاد تنقطع بين أصابعه.
صرخ خالد: "يا يبه، سديم بتموت! أنت تعرف مين هذولي؟ هذي مو تجارة، هذي عصابة دولية!"
رفع الأب رأسه، وكانت عيناه غارقتين في الانكسار: "توقعت إني بحميكم يا خالد.. لما وافقت أمشي في شغلهم كان عشان أسدد ديون الشركة وأحافظ على اسمنا. ما كنت أدري إن الثمن بيكون دم أختك."
خالد بصدمة: "يعني أنت عارف؟ أنت كنت شريكهم؟"
الأب بهمس مرتعش: "كنت مجرد واجهة.. والحين، أنا وأنت وسديم صرنا عبء عليهم.. والعبء، 'المجلس' دايمًا يتخلص منه."
[في المزرعة المهجورة - شعيب حريملاء]
كان السكون يلفّ المكان، وسديم تجلس خلف شاشة اللابتوب، وجهها شاحب من التعب. وفجأة، أصدر الجهاز نغمة متكررة تعلن فك آخر طبقة تشفير.
"عزّام.. تعال بسرعة."
اقترب عزّام، وعيناه تراقب الشاشة بتركيز. ظهرت وثيقة رسمية قديمة، عبارة عن تقرير استخباراتي مُلغى، يعود لتاريخ وفاة والده. في أسفل الوثيقة، كان هناك توقيعان؛ الأول لوالده الراحل، والثاني لشخص بصفة "شاهد ومستلم للعهدة".
تسمر عزّام في مكانه، وبرزت عروق يده وهو يقرأ الاسم: (منصور بن سلطان).
همست سديم وهي تنظر إليه بخوف: "هذا.. هذا عمك؟"
عزّام بصوتٍ مبحوح يملؤه الذهول والألم: "عمي منصور.. الشخص اللي ضمن لي مستقبلي بعد أبوي، اللي كان يقول لي إن الاستخبارات هي اللي خذلت والدي.. هو اللي كان يوقع على تسليم رقبة أبوي للعصابة."
لم يفق عزّام من صدمته إلا على صوت اهتزاز بسيط في جهازه اللوحي المتصل بكاميرات المراقبة عند مدخل المزرعة. ظهرت صورة سيارة "ونيت" بيضاء، تعود لجارهم الذي يزودهم بالماء والمؤن.
لكن عزّام لاحظ شيئاً غريباً؛ الجار لم يكن يحمل أكياس طعام، بل كان يقف خلف السيارة ويده على أذنه يتحدث عبر سماعة لاسلكية احترافية، وعيناه تراقب نوافذ المزرعة بدقة.
تحرك عزّام بسرعة البرق، أطفأ الأنوار وسحب سديم من يدها بقوة وهو يهمس في أذنها: "اجهزي.. الخيانة طلعت أقرب مما نتخيل. عمي باعنا، والجار اللي وثقت فيه هو اللي حدد موقعنا."
سديم برعب: "وش بنسوي؟"
عزّام وهو يعمر سلاحه ببرود قاتل: "بنوريهم وش يصير لما تحشر أسد وجريح في زاوية.. اطلبي من أخوك خالد يجهز سيارة عند نقطة الالتقاء 'ب'، إذا كان لسه عنده ذرة رجولة يبي يكفر فيها عن غلاط أهلك."
انطلقت أول رصاصة لتخترق نافذة المزرعة، معلنةً بداية نهاية زمن الأقنعة.