الفصل التاسع
في بيت صالح…
كان الصباح هادي…
لكن داخل غرفة محمد (أبو ليان ولين) كان الوضع عكس تمامًا.
واقف قدام المرآة…
بيده فرشة شعر…
وقدامه ليان جالسة على الكرسي تقول:
"بابا بسرعة!"
ومن وراها لين تصارخ:
"أنا أول! أنا أول!"
تنهد محمد وقال:
"طيب واحدة واحدة… والله ما عندي إلا يدين."
جلس وبدأ يمشط شعر ليان بحذر…
لكن واضح إنه مو متعود.
قالت ليان:
"آآآه! بابا توجع!"
وقف مباشرة وقال بخوف:
"آسف! آسف! ما قصدت!"
قالت لين وهي تضحك:
"بابا ما يعرف!"
لف لها وقال:
"طيب تعالي انتي وجربي!"
قالت:
"لا!"
رجع يكمل تمشيط وهو يقول:
"طيب اصبري… خليني أتعلم."
بعد كم دقيقة…
صار الشعر نصه مربوط ونصه مفكوك.
قال محمد وهو يناظر النتيجة:
"والله… يمشي الحال."
قالت ليان وهي تطالع نفسها:
"لا ما يمشي!"
قالت لين:
"أبغى ماما تسويه."
سكت محمد لحظة…
ونزلت ابتسامته شوي.
قال بهدوء:
"ماما مشغولة اليوم."
وبصوت أخف:
"وأنا أسوي لكم."
طلعوا من الغرفة…
والبنات لسى يتذمرون شوي.
مر من جنب الصالة…
وشاف أمه لطيفة جالسة مع الخادمات، تعطيهم تعليمات.
كانت واضحة إنها مشغولة بكل شيء بنفسها.
قال:
"يمه."
لفت له:
"هلا يا ولدي."
قال:
"تعبتي نفسك… خلي الشغالات يسوون."
قالت بابتسامة:
"ما أحب أحد يسوي شيء إلا وأنا متابعة."
قال:
"بس لا تتعبين."
قالت:
"أنا بخير… وانت؟"
ناظر البنات…
ثم قال بابتسامة خفيفة:
"أتعلم تصفيف شعر."
ضحكت لطيفة وقالت:
"الله يعينك."
قال:
"والله صعبة."
قالت:
"جيبهم."
قال:
"لا يمه… ارتاحي."
قالت:
"أنا أمهم بعد."
سكت محمد لحظة…
ثم قال:
"أعرف… بس ما أبغى أحملك فوق طاقتك."
ناظرته بحنان وقالت:
"انت كبرت وصرت تتحمل."
قال:
"لازم."
سكتوا لحظة…
والبنات شدوا عليه:
"بابا! تأخرنا!"
قال:
"طيب جاي!"
نزل لمستواهم وقال:
"يلا نمشي."
مسك يد ليان…
ولين مسكت يده الثانية.
وهم يمشون…
قالت لين:
"بابا… بكرة تمشط لنا كمان؟"
ابتسم وقال:
"كل يوم."
قالت ليان:
"بس لا تشد!"
ضحك وقال:
"وعد."
طلعوا من البيت…
لكن داخله كان مليان أفكار.
بين شغله كـ شرطي…
وبين مسؤولية بناته…
وبين الماضي اللي لسى ما راح…
كان يحاول يوازن كل شيء.
بس الشيء الوحيد اللي كان واضح—
إنه مهما تعب…
ما راح يقصر فيهم أبدًا.
مكتب مؤيد…
الهدوء مسيطر،
الأوراق مرتبة، والملفات قدامه…
لكن تركيزه مو هنا.
كان ماسك جواله…
يناظر الرقم اللي توه أخذه من راكان.
رقم الكادي.
سحب نفس خفيف…
وقال لنفسه:
"طيب… إيش أقول؟"
رجل محامي…
واقف قدام قضايا كبيرة بدون تردد…
لكن الآن؟
متردد يرسل رسالة.
جلس ثواني…
ثم فتح المحادثة.
كتب:
"السلام عليكم"
وقف…
مسحها.
كتب:
"هلا"
وقف…
مسحها.
تنهد وقال:
"وش فيني أنا؟"
رجع كتب:
"السلام عليكم… معك مؤيد."
طالعها شوي…
ثم ضغط إرسال.
في بيت عبدالعزيز…
كانت الكادي جالسة مع أمها سميرة، راجعين من السوق،
وحاطين الأكياس على الطاولة.
جوالها اهتز.
فتحت الشاشة…
وشافت رقم مو محفوظ.
فتحت الرسالة.
"السلام عليكم… معك مؤيد."
وقفت لحظة.
نظرت للرسالة…
ثم لفت على أمها.
قالت:
"ماما…"
قالت سميرة:
"هلا؟"
قالت:
"مؤيد أرسل لي."
ابتسمت سميرة ابتسامة هادية:
"طيب؟ ردي."
رجعت الكادي تناظر الجوال…
واضح إنها متوترة شوي.
قالت:
"إيش أقول؟"
قالت سميرة:
"ردي السلام بس."
هزت رأسها…
وكتبت:
"وعليكم السلام."
وقفت…
تفكر—
هل تضيف شيء؟
مسحت النص…
ورجعت كتبته نفسه.
وأرسلت.
في مكتب مؤيد…
وصله الرد.
فتح المحادثة بسرعة…
وقرأ:
"وعليكم السلام."
سكت لحظة.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
"رسميين… تمام."
كتب:
"كيفك؟"
وقف…
حسها عادية مرة.
مسحها.
كتب:
"حابة أتكلم معك لو تسمحين."
طالعها…
ثم أرسل.
وصلت الرسالة للكادي.
قرأتها…
وقلبها دق شوي.
قالت سميرة:
"وش قال؟"
قالت الكادي:
"يقول حاب يتكلم معي."
قالت سميرة:
"طيب؟"
قالت:
"أرد؟"
قالت:
"أكيد."
كتبت الكادي:
"تفضل."
مؤيد شاف الرد…
وقف لحظة.
حط الجوال على الطاولة…
ثم رجع مسكه.
وقال لنفسه:
"خلاص… دق."
ضغط اتصال.
في بيت عبدالعزيز…
رن الجوال بيد الكادي.
ناظرت الشاشة…
اسم مؤيد.
رفعت عيونها لأمها.
سميرة قالت بابتسامة:
"ردي."
سحبت نفس…
وضغطت قبول.
قالت بهدوء:
"ألو؟"
قال مؤيد بصوته الهادي:
"السلام عليكم."
قالت:
"وعليكم السلام."
سكتوا لحظة…
لحظة قصيرة، لكنها كانت ثقيلة.
قال مؤيد:
"أنا… ما طول عليك."
"بس حبيت أتعرف عليك أكثر قبل الزواج."
قالت الكادي بصوت خفيف:
"أكيد."
قال:
"إذا عندك أي شيء حابة تقولينه… أو شروط… أو أي ملاحظات…"
وقف شوي…
ثم قال:
"قوليها."
سكتت الكادي لحظة…
ثم قالت بهدوء:
"لا… ما عندي شيء."
قال:
"متأكدة؟"
قالت:
"إيه."
سكت…
واضح إنه كان متوقع أكثر.
قال:
"تمام."
ثم أضاف:
"لو احتجتي أي شيء… كلميني."
قالت:
"إن شاء الله."
سكتوا مرة ثانية…
ثم قال:
"ما راح أطول عليك."
قالت:
"تمام."
قال:
"مع السلامة."
قالت:
"مع السلامة."
وسكرت.
نزلت الكادي الجوال…
وقلبها فيه شعور غريب.
مو خوف…
مو فرح…
شيء بينهم.
قالت سميرة:
"كيف كان؟"
قالت:
"هادئ."
قالت سميرة:
"هذا طبعه."
هزت رأسها…
لكن داخلها كانت تفكر:
"بارد… فعلًا."
أما مؤيد…
رجع حط الجوال على الطاولة.
وسكت.
ثم قال بهدوء:
"واضح… إنها هادية."
رجع لملفاته…
لكن لأول مرة…
تفكيره ما كان في شغله.
في أحد مستشفيات أمريكا…
كان فهد أخيرًا أخذ استراحة قصيرة—
15 دقيقة فقط بين ضغط الحالات.
دخل بهدوء لغرفة استراحة الأطباء،
وحط أغراضه…
توجه مباشرة لدورة المياه،
توضأ…
ثم رجع،
وفرش سجادته الصغيرة في زاوية هادية.
وقف…
ورفع يديه…
وصلى صلاة الظهر بخشوع.
بعد ما سلّم…
جلس مكانه،
وأخرج مصحف صغير من حقيبته.
فتحه بهدوء…
وبدأ يقرأ.
كان يقرأ من آخر سورة البقرة…
وصوته كان هادي،
لكن فيه خشوع عميق…
نغمة صوته تمشي في المكان وكأنها شيء مختلف تمامًا عن كل الضجيج برا.
في نفس اللحظة…
كانت طبيبة أمريكية، زميلته…
جاية تاخذ شنطتها بعد انتهاء دوامها.
فتحت الباب بهدوء…
لكن أول ما دخلت—
توقفت.
سمعت صوته.
وقفت مكانها…
بدون ما تتحرك.
ما كانت تفهم الكلمات…
لكن الإحساس؟
كان واضح جدًا.
عيونها بدأت تدمع بدون ما تحس…
وقلبها صار هادي بطريقة غريبة عليها.
ظلت واقفة…
تسمع…
كأنها مو قادرة تمشي.
بعد دقائق…
انتهى فهد من القراءة.
سكر المصحف بهدوء…
ورفع عيونه—
وانصدم.
شافها واقفة…
وعيونها مليانة دموع.
وقف بسرعة وقال:
"Oh— I didn’t notice you… are you okay?"
"أوه… ما انتبهت لك… هل أنتِ بخير؟"
مسحت دموعها بسرعة، وقالت بصوت متأثر:
"I… I’m sorry… I didn’t mean to interrupt…"
"أنا… أنا آسفة… ما كنت أقصد أقاطعك…"
هز رأسه وقال:
"No, it’s okay."
"لا، عادي."
سكتت لحظة…
ثم قالت وهي تناظره:
"What… what were you reading?"
"ماذا… ماذا كنت تقرأ؟"
نظر للمصحف بيده…
ثم قال بهدوء:
"It’s from the Qur’an… our holy book."
"هذا من القرآن… كتابنا المقدس."
اقتربت خطوة بسيطة…
وقالت بصوت فيه فضول ممزوج بمشاعر:
"I don’t understand the words… but… it felt… peaceful… like something touched my heart."
"أنا ما أفهم الكلمات… لكن… كان الشعور… فيه سلام… كأن شيء لمس قلبي."
ابتسم فهد ابتسامة خفيفة…
وقال:
"That’s what it does."
"هذا تأثيره."
سكتت، ثم قالت:
"Can you… tell me what it means?"
"هل يمكنك… أن تخبرني بمعناه؟"
هز رأسه وقال بلطف:
"I was reading verses about faith, forgiveness… and trusting God."
"كنت أقرأ آيات عن الإيمان، والمغفرة… والتوكل على الله."
نزلت دمعة ثانية من عينها…
وقالت:
"It sounded… beautiful."
"كان… جميلًا جدًا."
سكت فهد لحظة…
ثم قال:
"It is."
"هو كذلك."
نظرت له وقالت بتردد:
"Can… anyone read it?"
"هل… يمكن لأي شخص أن يقرأه؟"
ابتسم وقال:
"Of course."
"بالطبع."
سكتت لحظة…
ثم قالت:
"Maybe… one day you can show me more."
"ربما… يومًا ما يمكنك أن تريني المزيد."
قال بهدوء:
"Anytime."
"في أي وقت."
سكتوا لحظة…
لكن الجو بينهم تغيّر.
ما عاد مجرد زملاء عمل…
صار فيه احترام… واهتمام… وبداية فضول.
أخذت شنطتها بهدوء…
وقبل ما تطلع، لفتت له وقالت:
"Thank you… for that moment."
"شكرًا… على هذه اللحظة."
قال:
"You’re welcome."
"على الرحب والسعة."
وطلعت.
جلس فهد مكانه…
ناظر المصحف بيده…
ثم قال بهدوء:
"سبحان الله…"
ورجع يحطه في حقيبته…
لكن داخله كان حاس إن هذي اللحظة—
ما كانت عادية أبدًا.