الفصل الثاني
في مساء اليوم التالي
في مقهى صغير في زاوية شبه منسية من المدينة الموسيقى بالكاد تسمع، والجدران مغطاة بصور أبيض وأسود لوجوه مجهولة سديم لم تكن تنوي الدخول لكنها كانت بحاجة إلى مساحة لا تشبه شقتها ولا تشبه نفسها.
دخلت وجلست عند طاولة قريبة من النافذة طلبت قهوة لم تشتهيها فقط لأنها تحتاج لشيء يشغل يديها.
بعد دقائق جلس على الطاولة المقابلة رجل لم تلحظه لحظة دخوله ولم يكن سوى ركان لم يطلب شيئا ولم ينظر إليها مباشرة فقد جلس وأخرج كتابا صغيرا وبدأ يقرأ كأن المقهى له وحده وكأن الهدوء فيه لا يحتاج إذنا لكنها شعرت به.
كأن حضوره انسحب إلى أعمق غرفة في وعيها دون أن يطرق الباب نظرت نحوه شعر أسود داكن، لحية خفيفة، ملامح لا تقول الكثير لكنه رفع نظره في، تلك اللحظة بالذات والتقت عيناه بعينيها لم يبتسم، لم يندهش قال بنيرة ذات مغزى: "أنت تمشين مثل من يسمع صوتا لا يسمعه أحد"
تجمدت يديها على الفنجان وقال بنبرة متسائلة: "عفوا"
ابتسم ووضع الكتاب فوق الطاولة: "ليس سؤالا بل ملاحظة"
سدين: "من قال تعرف كيف أمشي"
ركان: "رأيتك قبل أسبوع في ساحة الخيل لم تكوني تركضين بل كنت تقاتلين الهواء" صمت
كأن المكان قد ضاق أو كأن الزمن توقف للحظة ليتأكد أن ماحدث حقيقي قطع هذا الصمت سؤالها "هل تتجس علي؟"
ركان: "لا أنا فقط أرى" لم تكن نبرته هجومية لكنها لم تعتد في حياتها أن يلاحظها أحد.
سديم: "وماذا ترى؟"
ركان: "أرى إمرأة تحاول أن تطرد صوتا من داخلها لكن مالا تعرفه هو أن الصوت ليس غريبا إنه هي"
شيئا في داخلها ارتجف لكنها لم تظهره: "من أنت"
"اسمي ركان" ثم أضاف وهي ينهض بهدوء "ولن أقول من تكونين" ثم غادر
ترك في داخلها سؤالا لم تطرحه على نفسها من قبل: "ماذا لو إن النمر لم يكن عدوا بل أنا" في تلك الأثناء كان مساعد نورس سيد يصور حديث سديم وركان وقام بإرساله إلى نورس.
حل الليل وعادت سديم إلى جحرها جلست في العتمة ورقة نورس أمامها كأنها لغز قديم وكلمات ركان تتردد في ذهنها تعيش صراعا داخليا بين صوت ركان ونظراته التي لم تكن تبحث عن إجابة بل تشير إلى سؤال"امرأة تحاول أن تطرد صوتا من داخلها "ولكن كان هناك صوت آخر بدأ يعلو الصوت الذي لم تكرده أبدا فقد خبأته صوت نورس.
رن جرس الباب في البداية ظنت أنها تتخيل لكن الرنين تكرر تقدمت بخطوات متوترة فتحت الباب ولم تفاجأ
نورس كما هو أنيق بمعطفه رمادي يده تمسك مظلة لا أثر للمطر حولها عيناه لا تزالا تشبهان الليل الذي لا يفصح عن كل مافيه.
" مساء الخير سديم " قالها بهدوء كأن غيابه لي يكن لسنوات
"عرفت أنني قادم، أليس كذلك" لم ترد
"الورقة كانت فقط تحية، البداية فقط، أردت أن أتأكد أتك مازلت تقرئين مابين الكلمات"
تراجعت خطوة لكنها لم تغلق الباب النمر بداخلها بدأ يتحرك ليس غضبا بل تيقظا" لماذا عدت؟ "
"لأنك بدأت تبتعدين" قالها دون أن يرمش
"عن ماذا؟"
"عن العقل عن الاتزان عن سديم التي عرفتها أنت تقتربين من شيء خطير من ذاتك الحقيقية"
"وهذا خطر؟"
ابتسم تلك الابتسامة الخبيثة "عندما تتحكم الغريزة تسقط الحكمة عندما يتكلم النمر تصرخ الفوضى"
بعد صمت لم يدم طويلا قطعه نورس بنبرته الهادئة "الوقت قد تأخر وأنا سأذهب، وأرجو أن تفكري فيما قلته لك" وغادر بهدوء.
بينما سديم تجمدت مكانها تحاول الهروب من هذا الواقع بعد مرور بضع دقائق استفاقت وأغلقت الباب.
في صباح اليوم التالي
اتجهت سديم إلى صالة الألعاب الرياضية ظلت ساعات تمارس مختلف الفنون القتالية ويدوؤ في ذهنها العديد من الأسئلة:
ياترى من أكون؟ وماذا أريد؟ ومن يقول الحقيقة؟ ركان ونورس
وهل يجب أن أستسلم للصوت الذي بداخلي أم أحافظ على هدوئي؟
بعد مرور وقت طويل في التدريبات خارت قواها من كثرة التعب حملت متعلقاتها واتجهت الى ملجأها لتنال قسطا من الراحة
على الجاتب الآخر
في بيت خشبي صغير لكن شكله يريح القلب في وسط الغابة كان ركان يجلس أمام بيته الذي يلجأ له في حالات التفكير او عندما يكون حزين لكن في حالته اليوم فهو في حالة التفكير لتلك الفاتنة التي سلبت عقله وروحه وهي لا يدري كيف أو متى لكنه على دراية أن وراءها شيء مميز حتى ينجذب لها فهو ركان الذي حاول العديد من الفتيات الإيقاع بهذا الفنان المشهور ومر عليه الكثيرات من ملكات الجمال ولكن قدره أوقعه مع نمرة شرسة تحتاج إلى الترويض.
تذكر مشهد لقاءهما الاول فلاش باك
في ساحة الخيل لم تكن تركض قدماها على الأرض جسدها مشدود ، كأن الزمن لا يتحرك
كانت هناك وسط الساحة لكنها لم تكن فارسة ولا متفرجة بل شيء آخر شيء مابين الركض والتراجع بين القوة والانهيار لم تركض لأن الركض يتطلب رغبة أو غاية أو حتى خوفا أما هي فقد كانت تقاتل الهواء تلوح بيديها كأنها تؤد هجوما خفيا تنظر إلى لا أحد غافلة عن تلك العيون التي تراقبها في صمت حيث كان يلاحظ كل تفصيل بصمت محاولا أن يكتشف مدى الصراع الذي يدور بداخلها استوقف أحد العاملين "عفوا سيدي هل يمكنني أن أسألك سؤال "
"تفضل"
"من تكون هذه الفتاة" وهو يشير ناحية سديم
"تقصد سديم "
"آه نعم أقصدها" وفي نفسه "يا إلهي إسمها سديم "
"إنها فتاة تأتي إلى هنا يوميا وكما ترى لا تقوم بأي شيء سوى التأمل"
"حسنا شكرا لك" وفي نفسه "أظن أنني فهمت قصتك" باك
ياترى ما السبب الذي جعلك تصلين هذه المرحلة؟ مهما كان السبب فأنا أعدك بأنني سأساعدك على تجاوز هذه المرحلة.
بعد ساعة
صوت خطوات سديم في الممرات المزدحمة كان خافتا، لكنه كان يردد في رأسها صدى أثقل من كل الأصوات المحيطة.
تجلس بين زملائها تحاول أن تلتقط أنفاسها وسط الضجيج وكأن الهواء نفسه يضغط عليها، يمنعها أن تكون كما تريد في المحاضرة، بادرت بطرح فكرة بسيطة حول المحاضرة.
التفت الاستاذ اليها بغضب: "هل تعتقدين أنك هنا لتجادلي، اهدئي واجلسي"
انسابت دموعها بصمت، لم تفلت كلمة واحدة منها، لكن النمر بداخلها بدأ يستيقظ لم يعد يريد ان يختبئ.
بعد انتهاء المحاضرة اتصل نورس
"كيف كان اليوم هل وحتاجين مني شيء"
ردت بصوت متردد "يوم عادي ولا أريد شيء"
"سديم هل أنت بخير "
"أنا بخير فقط متعبة قليلا "
"حسنا ارتاحي واذا احتجت شيء فأنا بجانبك، إلى اللقاء"
أغلقت المكالمة لكنها شعرت أن كلماته كانت أقرب إلى قيود خفية تلاحقها في كل حركة.